آراءسياسة
أخر الأخبار

هزيمة المراهنين على إسرائيل “تحليل”

اليوم يقف هؤلاء أمام واقع جديد لم يرغبوا يوماً في رؤيته. اتفاق أميركي ـ إيراني، اعتراف متزايد باستحالة فرض الوقائع بالقوة، وتراجع واضح لخطاب الحرب المفتوحة الذي سيطر على المنطقة خلال الفترة الماضية..

من المبكر القول إن الحرب انتهت نهائياً، وإن المنطقة دخلت مرحلة الاستقرار الكامل، فالشيطان يكمن دائماً في التفاصيل، وما زالت أمام الاتفاق الإطاري الذي وقعته إيران والولايات المتحدة استحقاقات كثيرة تتعلق بالبنود التفصيلية وآليات التنفيذ والضمانات المتبادلة.

لكن ما يمكن قوله منذ الآن إن ما جرى يمثل تحولاً كبيراً في مسار الصراع الذي هز المنطقة، بما فيها لبنان، خلال السنوات الأخيرة.

الأكثر لفتاً للانتباه ليس الاتفاق بحد ذاته، بل طريقة قراءته في العالم. ففي إسرائيل وأميركا، أي في معسكر الخصوم قبل الحلفاء، ترتفع أصوات سياسية وإعلامية تتحدث بوضوح عن فشل الأهداف التي رفعت في بداية المواجهة وعن نجاح إيران في فرض شروطها، أو في منع خصومها من فرض شروطهم عليها.

هناك يدور النقاش حول حجم الانتصار الإيراني، لا حول وجوده أو عدمه.

أما في لبنان، فثمة من يعيش في عالم آخر بالكامل. فبينما تقرأ العواصم الكبرى ما جرى بلغة المصالح والوقائع والنتائج، لا يزال بعض السياسيين والإعلاميين يرددون الأسطوانة نفسها: إيران هُزمت، ومحور المقاومة سقط، وكل ما جرى ليس إلا مقدمة لمرحلة جديدة من الانكفاء والتراجع.

هذه ليست قراءة سياسية، بل حالة إنكار سياسي كاملة. إنها أشبه بمن يغمض عينيه أمام الشمس، ثم يصر على أن النهار لم يطلع بعد.

والأسوأ أن أصحاب هذه القراءة ليسوا أشخاصاً عاديين يتبادلون الآراء على مواقع التواصل الاجتماعي، بل شخصيات ما زالت تتصدر المشهد السياسي والإعلامي، وتشارك في صناعة القرار والتأثير على الرأي العام.

لقد بنى هؤلاء مشروعهم السياسي خلال السنوات الماضية على رهان واحد: الحرب. راهنوا على أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستنجحان في تغيير وجه المنطقة بالقوة، وأن نتائج هذه الحرب ستمنحهم ما عجزوا عن تحقيقه بالسياسة وبموازين القوى الداخلية.

انتظروا الضربة الكبرى التي ستبدل المعادلات، وتعيد رسم الخرائط السياسية وفق أحلامهم ورغباتهم.

لكن المشكلة أن السياسة لا تُدار بالأحلام. والتاريخ لا يكتب بالتمنيات. وما حدث أثبت مرة جديدة أن حسابات غرف التحريض شيء، وحسابات الميدان شيء آخر تماماً. وكما يقول المثل الشعبي: “حساب الحقل ليس كحساب البيدر”.

اليوم يقف هؤلاء أمام واقع جديد لم يرغبوا يوماً في رؤيته. اتفاق أميركي ـ إيراني، اعتراف متزايد باستحالة فرض الوقائع بالقوة، وتراجع واضح لخطاب الحرب المفتوحة الذي سيطر على المنطقة خلال الفترة الماضية.

ومع ذلك لا يزال بعضهم يتصرف وكأن شيئاً لم يحدث، وكأن المنطقة لم تدخل مرحلة مختلفة، وكأن الرهانات التي سقطت لم تسقط.

هذا العمى السياسي لم يعد مجرد خطأ في التقدير، بل أصبح عبئاً على لبنان نفسه. فالبلد الذي يواجه أزمات اقتصادية ومالية وسيادية خانقة لا يستطيع أن يبقى رهينة جماعات سياسية ترفض الاعتراف بالوقائع، لأنها لا تناسب روايتها المسبقة. الدول تُبنى على قراءة صحيحة للمتغيرات، لا على المكابرة، ولا على دفن الرأس في الرمال.

من حق أي طرف أن يكون له موقف سياسي مختلف، لكن ليس من حق أحد أن يفرض على اللبنانيين أوهامه باعتبارها حقائق. وعندما تتغير المعادلات الإقليمية والدولية بهذا الحجم، يصبح واجباً على من أخطأ في التقدير أن يراجع حساباته، لا أن يضاعف جرعة الإنكار.

لذلك فإن المطلوب اليوم من القوى التي راهنت على الحرب، وعلى الخارج أن تخرج من أسر أوهامها. عليها أن تقرأ المشهد كما هو لا كما كانت تتمنى أن يكون.

وإذا كانت غير قادرة على القيام بذلك، فعليها أن تفسح المجال أمام من يملك القدرة على فهم الواقع والتعامل معه.

فلبنان لا يحتاج إلى مزيد من المكابرين، ولا إلى مزيد من محترفي الرهانات الخاسرة. لبنان يحتاج إلى رجال دولة يدركون أن السياسة فن قراءة الوقائع، لا فن الهروب منها.

https://anbaaexpress.ma/6jou9

شادي منصور

كاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى