ثقافة
أخر الأخبار

السخرية الاجتماعية.. بين الجاحظ وفولتير

على الرغم من اختلاف السياقين، يلتقي الجاحظ وفولتير في إيمان عميق بقدرة العقل، وفي شك دائم بالسلطات المطلقة

إبراهيم أبو عواد 

حين تعجز اللغةُ المباشِرة عن اختراقِ جدرانِ العاداتِ المتصلِّبة، وحين يصبح الوعظُ ثقيلًا على الأذنِ والعقل، تُولد السخريةُ بوصفها فنًّا للقول غير المباشر، ولسانًا يُضحك ليُبكي، ويُخفي الجرحَ في ابتسامة. ليست السخريةُ ترفًا بلاغيًّا، بل هي موقفٌ فكريٌّ وأخلاقيٌّ، وسلاحٌ حضاريٌّ استخدمه الكُتّاب حين ضاقت بهم سُبلُ الإصلاح الصريح.

وفي تاريخ الأدب يقف الجاحظ (160هـ / 776م – 255هـ / 869م) وفولتير – اسمه الحقيقي فرانسوا ماري أرويه (1694م – 1778م) – على ضفّتين متباعدتين زمانًا ومكانًا، لكنهما يلتقيان في جوهر واحد: السخرية الاجتماعية باعتبارها مرآةً للمجتمع، وحاضنةً للعقل، وصرخةً ضد التكلّس والظلم.

السخرية ليست مجرّد ضحك على الآخر، بل هي تفكيك للواقع عبر المفارقة، تقوم على قلب المتوقع، وإظهار التناقض بين ما يُقال وما يُفعل، وبين الشعارات والممارسات.

في بُعدها الاجتماعي تتخذ السخرية وظيفة مزدوجة: نقد البُنى السائدة من جهة، وحماية الكاتب من بطش السلطة أو المجتمع من جهة أخرى. إنها خطاب يمرّ من تحت الرقابة، ويصل إلى العقول بضحكة، ثم يستقر في الضمير بوخزة.

الجاحظ ابن البصرة العباسية، عاش في عصر ازدهار فكري وصراع مذهبي واجتماعي حاد. كانت الأسواق تضج بالجدل، والقصور تعج بالسلطة، والمساجد تموج بالخلاف.

في هذا المناخ كتب الجاحظ ساخرًا بصيرًا لا خطيبًا واعظًا، يراقب المجتمع من داخله، ويضحك من تناقضاته بذكاء لغوي لاذع. سخريته ليست صاخبة، بل تتسلل عبر الحكاية والطرفة والمثال.

حين يكتب عن البخلاء لا يكتفي بوصف البخل صفة فردية، بل يحوّله إلى ظاهرة اجتماعية تكشف علاقة الإنسان بالمال، والخوف من الفقر، والتناقض بين الادعاء الديني والسلوك اليومي.

لغة الجاحظ أداة سخرية بحد ذاتها، فهو يكدّس الحجج، ويطيل الاستطراد، ويغرق النص بالتفاصيل حتى ينقلب الجد إلى هزل، والهزل إلى نقد قاس.

هذا الإفراط المقصود يكشف عبث بعض السلوكيات، ويجعل القارئ شريكًا في اكتشاف المفارقات. إنه عقل معتزلي يؤمن بالمنطق، لكنه يدرك أن المنطق وحده لا يكفي، فيستعين بالضحك ليقنع.

لا يسخر الجاحظ من الفقراء لكونهم فقراء، ولا من الضعفاء لضعفهم، بل من الادعاء والرياء والجمود. سخريته أخلاقية في جوهرها، لأنها تنحاز إلى العقل والعدل.

حين يسخر من المتعصبين فهو يدافع عن حرية التفكير، وحين يتهكم على المتشددين في فهم الدين فهو يدعو إلى فهم إنساني رحب. إنها سخرية الإصلاح من الداخل، وسخرية من يؤمن بالمجتمع ويريد إنقاذه من نفسه، وفق رؤية الجاحظ الشخصية وقناعاته الفكرية.

على الضفة الأخرى يقف فولتير في أوروبا القرن الثامن عشر، زمن الكنيسة المتسلطة والملوك المطلقين. عاش المنفى والسجن والمطاردة، فصاغ سخريته بمرارة شديدة وحدّة صريحة. وإذا كان الجاحظ يبتسم وهو يكتب، فإن فولتير يضحك ضحكة تحمل الغضب واليأس معًا.

في أعماله السردية والفلسفية يستخدم فولتير السخرية لتعريّة التفاؤل الساذج، وفضح الاستبداد الديني والسياسي. يبني عوالم خيالية لكنها في الحقيقة نسخ مكبّرة من الواقع.

المفارقة عنده حادّة: شخصيات تؤمن بأن كل شيء على ما يرام، بينما العالم من حولها ينهار. بهذا التناقض يحطم فولتير فكرة تبرير الشر باسم الحكمة الإلهية أو النظام الكوني.

سخرية فولتير ليست مجرد تقنية أدبية، بل هي مشروع تنويري. يسخر ليهدم، ثم يترك القارئ أمام مسؤولية البناء. يهاجم التعصب والزيف، ويسقط الأقنعة عن رجال الدين الزائفين والحكام المستبدين. لغته واضحة، جمله قصيرة، وطعناته مباشرة، لا يراوغ كثيرًا، لأن زمنه كان يتطلب الصدمة.

ومع ذلك فإن فولتير لا يدّعي الطهارة المطلقة للإنسان. إنه يدرك هشاشته، ويسخر منها أيضًا، لكنه يرى في العقل والعلم والأخلاق أفقًا للخلاص، ولو كان هذا الأفق محفوفًا بالتشاؤم.

على الرغم من اختلاف السياقين، يلتقي الجاحظ وفولتير في إيمان عميق بقدرة العقل، وفي شك دائم بالسلطات المطلقة. كلاهما يستخدم السخرية لكشف النفاق الاجتماعي، ويجعل القارئ يضحك ثم يفكر.

الفرق هو أن الجاحظ يتحرك داخل نسيج ثقافي يسمح بالمراوغة والالتفاف، بينما يكتب فولتير في مواجهة مباشرة مع مؤسسات قمعية، فيكون صوته أعلى وحدّته أشد.

الجاحظ أقرب إلى المعالج الذي يصف الداء ويبتسم ليطمئن المريض، وفولتير أقرب إلى الجرّاح الذي يشق الجرح بلا مخدّر، لكن الهدف واحد: إنقاذ الإنسان من جهله، وتحريره من خوفه.

تكشف المقارنة بينهما أن السخرية ليست حكرًا على ثقافة بعينها، بل هي لغة كونية. تختلف الأقنعة، لكن الجوهر ثابت. في التراث العربي كانت السخرية وسيلة للبقاء والتوازن، تُداري الألم، وتحافظ على كرامة الإنسان في وجه القهر. وفي التراث الأوروبي الحديث كانت السخرية صوت العقل المتمرّد، وأداة للثورة، وإعادة صياغة للوعي الجمعي.

* كاتب من الأردن

https://anbaaexpress.ma/z0yxv

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى