هذا عنوان لكتابي الجديد تحت الإعداد (السُنَّة النبوية، الدولة المدنية) في محاولة لتغيير المفهوم السائد عند العقل الجمعي الإسلامي الموروث التاريخي بخاصة، والإنساني بعامة، إلى آفاق أرحب أحق أن تتبع في التعريف بماهية السنة النبوية المطهرة من عدة وجوه وعدة جوانب، لا احصيها عدداً ولا احيطها علماً لكن ما نما إلى فهمي من طريق غير مطروق هو ما أريد تثبيته منذ اليوم في العقل الجمعي الإسلامي الموروث التاريخي والبشري بعامة، والفكري والمعرفي البشري اليوم بامتداد الزمان والمكان إلى أن يشاء الله.
يمكن تلخيص هذا المفهوم الجديد الجدير بالذكر بأنه بعيد كل البعد عن التعريفات الفقهية المتعارف عليها قديماً ومستهلكة على ألسنة الخلق بحق وبغير حق وبالتحديد ما يُرْهَبُ به الفكر الحادث أينما كان تخويفاً وتكفيراً من قولهم “إنكار السنة” أو “ما هو معلوم من الدين بالضرورة” فأنبه هنا بوجوب انتهاء زمن التخويف تلك بمصطلحات فقهية أكل الدهر عليها وشرب حتى ثمل لأشخاص أو لجهات أو لكيانات أو لمؤسسات الدولة المعنية المهتمة بالإسلام وبالدين تتذرع بالمحافظة عليه وعلى لُحْمَة المسلمين، ولا أبعد الصادقين من ذلك بحال من الأحوال فهذا سلوك فطري لكن أشير هنا إلى المتشددين أو المتمسكين بالقشور دون اللباب من ما يعرف بالسنة النبوية المطهرة من غيرها أو ما التبس حولها من إعمال وإفهام.
السُنَّة النبوية، هي الدولة المدنية المعاصرة في كل الحقب والعصور منذ مبعثه المبارك في القرن السابع الميلادي وإلى أن يشاء الله.
هي ببساطة شديدة قبل الخوض في التفاصيل لاحقاً ، تفعيل وتحقيق وتدقيق حياة النبي من واقع حياته في القرن السابع الميلادي عند المبعث النبوي الشريف مجسدة في اللحم والدم تمشي بين الناس على قدمين في الأخلاق والسلوك والمعاملة والتشريع والقانون، في الحركة والسكون، في الصمت وفي الكلام والاقرار بتطبيقها اليوم في حيواتنا المعيشة قدر الإمكان لكن بمعايير مختلفة جذرياً عمَّا ألفه الناس منذ القرن الثاني الاخراجي واعتبروه السنة النبوية في تحديدها وحصرها بلبس القصير من الملبس وتطويل اللحية وهلم جرا، وقصروها عن خلق مجتمع مدني فاضل أو دولة المدينة والمدنية الحديثة.
إن آية ما أعنيه هنا هو عكس تلكم الحياة الإنسانية المركزية التي عاشها وحققها النبي في صدر الوعي الأوحد في العصر البعثي الأول من بداية تكوين العقل المعرفي الحادث إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها في تقلب الصور المعاصرة حسب حكم الوقت للطلائع البشرية واستنباطها الحديث من دورات الحياة في سلم التطور والتطوير، على الناس، ما لم أدركه أنا الآن هنا في هذا الكتاب الذي بين أيديكم، للعصر الحاضر للعقل الواعي.
إن محاولة التعريف المنهجي الجديد الذي أزعمه واكتبه في إسقاط مركزية حياة النبي وحالة النبوة على المجتمع المدني الحديث في المجتمع الدولي المعاصر لهي حالة لم يسبق لها مثيل من قبل في بلورة وتقنين مفاهيم الدولة المدنية المعاصرة خارج الأُطُر المعرفية الحالية من حركة الحياة في جملة الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية في الأمم المتحدة لمجمل دول العالم المنتمية لعصبة الأمم المتحدة لمصلحة السلام الإنساني والتعايش السلمي العالمي المتجدد المتسارع بطبيعة الحال في شكل القوانين واسقاطات ترجمات حياة النبوة على واقع مغاير اليوم كلياً يستنبط ويلتزم المعايير المجتمعية المعاشة الآن من سيرته وسيرورته الشريفة لبناء الدولة المدنية العالمية الحديثة من واقع إفرازات النبوة في مهدها الوثير الطليعي من جوانب الحياة قديمها وحديثها.
منذ اليوم، بل منذ اللحظة والتو أنا أضع بفضل الله ومـِنَّته اللبنة الأولى لأخذ الفهم عن النبي إسقاطاً على واقعنا المحدث لما يعرف ببناء الدولة المدنية الإنسانية العالمية ونودع كلنا منذ اللحظة المفارقات التاريخية الغليظة المتعلقة بالموروث الفقهي والفكري الإسلاميين القديم والمبتكر من ذات السنخ، أفانين الترهيب الفكري والنفسي والتعذيب البدني بقولهم (إنكار السنة النبوية) تحت تهديد العقل الجمعي الفقهي الإسلامي وهيئة علماء المسلمين أينما كانوا في الزمان والمكان بلا رجعة، ونحن نقف صفاً واحداً لبناء الفرد والجماعة والدولة نحو غاياتها المرجوة لتحقيق موعوده لنا: {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} سورة النصر، فلا بد آت فجر الخلاص من براثن الجمود الفقهي الإسلامي إلى آفاق الوعي والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان أينما كان.
ليس لصعدة المنابر باسم فقهاء الدين ورجالاته مكان بيننا منذ اليوم ما لم يتبعوا سبيلنا في خلع عماماتهم القديمة والكف عن توزيع صكوك الغفران والكفران جزافاً على الخلق لاتفه الأسباب والمواقف، والتوجه نحو عرصات الفكر الحر والحرية الفردية المطلقة والعدالة الاجتماعية الشاملة والتمتع بحياة النبي ومركزيته الإنسانية العالمية كما كانت من قبل في خاصية نفسه تحقيقاً في الأخلاق والسلوك الحميد والمعاملة الحسنة اسقاطاً على أصحابه ضمناً لرسالته الباقية دون وصاية أو رقابة أو تهديد بالمخالفة إلا بالحسنى، نحو هراقة الدماء واباحة قتل النفس البشرية التي حرم الله إلا بالحق، فهم حين يفعلون ذلك، وعياً وادراكاً واستدراكاً لما نقول ونكتب ونعمل ونتحمل مسؤوليته في الجانب الحق من السنة النبوية المطهرة، فهم على خير وسلام وجادة الطريق بلا شك، ولا يُفهم من ذلك العداوة والبغضاء والتحدي بل يفهم في سياق دعوة جديدة لمبعث فكري رشيد مهتدياً بسيرته الشريفة نحو بناء الفرد والمجتمع لقرارة دولة الإنسانية العالمية فهي دعوة للمحبة بمحبة، وصادقة بصدق عوننا في ذلك القرآن الكريم حين قال: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} سورة الأنعام، والحديث النبوي الصحيح المقطوع بصحته غير المختلق أو المنسوب إليه زوراً وبهتاناً.
أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه إنه سميع مجيب.




