إقتصادمجتمع
أخر الأخبار

الجباية الخضراء في المغرب: عدالة الأعباء وثقة المواطن

مصداقية الجباية الخضراء تتجسد في أثرها على حياة المواطن وسلامة البيئة المحيطة به.

فكل اقتطاع يعلن غاية بيئية يضع الدولة أمام امتحان واضح: كيف تتحول المساهمة المالية إلى حماية للصحة والموارد؟ وفي المغرب، يتصل هذا الامتحان بمسألة أعمق من التحصيل، هي قدرة السياسة العمومية على بناء الثقة، وإقناع المجتمع بأن كلفة الانتقال البيئي موزعة بعدالة، وأن منافعه متاحة للجميع.

تستمد هذه الجباية معناها من تغيير السلوك الاقتصادي: أن يصبح الإنتاج الأنظف أكثر جاذبية، وأن يتحمل النشاط الملوث الكلفة التي يلقيها على المجتمع.

ويقاس نجاحها بقدرتها على تقليص الضرر، وتحفيز الابتكار، وترشيد استهلاك الموارد. وقد يكون تراجع حصيلتها علامة نجاح إذا نتج عن انخفاض التلوث. لذلك، تحتاج الدولة إلى قراءة الإيرادات في ضوء النتائج البيئية، حتى يستقيم تقييم الوسيلة مع الغاية.

ويضع هذا الفهم المغرب أمام حاجة إلى تصور متماسك يربط الضرائب بسياسات الاستثمار والطاقة والتعمير. فاختيار النقل الأقل تلويثا، مثلا، يرتبط بتوافر خدمة عمومية جيدة، كما يرتبط تحديث الإنتاج بإمكان الوصول إلى التمويل والتقنية.

وكلما اتسعت البدائل العملية، ازدادت قدرة الضريبة على توجيه السلوك. أما مطالبة الأفراد والمقاولات بالتغيير مع محدودية خياراتهم، فتجعل الأداة الجبائية أضعف من الوعد الذي تحمله، وتحملها مسؤولية اختلالات يتطلب علاجها عملا عموميا أوسع وتنسيقا مؤسساتيا مستمرا.

غير أن الإقناع يبدأ من العدالة. فمن الصعب بناء التزام جماعي إذا شعر المواطن بأن الأعباء تصيب الأضعف، بينما تتسع أمام الأقوى منافذ الاستثناء.

وتقتضي المساواة مراعاة تفاوت المسؤولية عن التلوث، والقدرة على تحمل كلفة معالجته. أما إخضاع أنشطة متفاوتة الضرر لاقتطاعات متشابهة، فيضعف المعنى الإصلاحي للضريبة، ويجعل اسمها الأخضر عاجزا عن تعويض الخلل في بنيتها.

ومن هنا، تكتسب دقة القياس أهمية سياسية واجتماعية، إلى جانب أهميتها التقنية. فالربط بين مقدار الأداء وحجم الضرر الفعلي يمنح مبدأ الملوث الدافع مضمونا قابلا للفهم والدفاع عنه.

ويستدعي ذلك معلومات موثوقة، وقدرات إدارية مؤهلة، وتعاونا بين الجهات المكلفة بالجباية وحماية البيئة. فعدالة الضريبة تبدأ أيضا من قدرة المؤسسات على معرفة ما تفرضه، وعلى من تفرضه، وبأي معيار.

وتنتقل مسألة الثقة، بعد ذلك، إلى مصير الأموال المحصلة. فالمواطن يحتاج إلى رؤية الصلة بين مساهمته وتحسن شروط حياته: ماء أنظف، وهواء أقل تلوثا، وتدبير أفضل للنفايات.

ويمكن أن يساعد توجيه جزء من العائدات إلى برامج بيئية معلنة على توضيح هذه الصلة. وتكتمل قيمة هذا التوجيه بنشر تقارير مفهومة، وتقييم مستقل للنتائج، ومساءلة تتيح تتبع الإنفاق وتصحيح الاختلالات.

على أن عدالة الانتقال تفرض الانتباه إلى الذين يتحملون كلفته دون امتلاك بدائل مناسبة. فإذا انعكست الضريبة على أسعار الطاقة أو النقل، فقد تجد الأسر محدودة الدخل نفسها أمام عبء يصعب تفاديه.

وهنا يصبح الدعم الموجه، وتيسير الوصول العادل إلى مصادر الطاقة النظيفة، ومساعدة المقاولات الصغيرة على تحديث تجهيزاتها، جزءا من منطق الإصلاح. فالحماية البيئية تكتسب رسوخها الاجتماعي بقدر ما تتسع فرص المشاركة في منافعها.

ولهذا تحتاج السياسة الجبائية إلى أفق واضح وحوار جاد. فالمقاولة تستثمر بثقة أكبر عندما تعرف مسار الالتزامات المقبلة، والمواطن يتفاعل بصورة أفضل عندما يفهم أسباب الاختيارات ويجد مساحة لمناقشتها.

ويساعد التدرج على إتاحة التكيف، شريطة اقترانه بأهداف معلنة وآجال معقولة. كما يتيح إشراك الجماعات الترابية والمهنيين والجمعيات تقريب التدابير من حاجات الجهات المختلفة، وكشف صعوبات التنفيذ قبل استفحالها.

وتظل الرقابة ضرورية لحماية المساواة وضمان احترام الالتزامات، بينما تمنحها الشفافية والخدمة العمومية أساسا أقوى للقبول. فتبسيط الإجراءات، وصون حق الاعتراض، وشرح القواعد، تعزز شعور الملزم بأنه طرف محترم في علاقة متبادلة.

ومن هذا الباب، تتصل المواطنة البيئية بقيم الأمانة ومنع الضرر وحماية المشترك، وتجد هذه القيم معناها العملي في إدارة منصفة، والتزامات واضحة، ومسؤولية تشمل الدولة والمجتمع.

إن مستقبل الجباية الخضراء في المغرب يتحدد بقدرتها على وصل الاقتطاع بالمنفعة، والواجب بالإنصاف، والسلطة بالمساءلة.

ومن شأن هذا الترابط أن يحول الأداء الضريبي إلى مساهمة واعية في صيانة شروط الحياة المشتركة. وعندما يرى المواطن ثمار ما يدفعه، وتبرهن الدولة على أمانة ما تدبره، يصبح الأخضر واقعا يلمسه الناس في حياتهم اليومية، ووعدا تستحقه الأجيال المقبلة.

https://anbaaexpress.ma/o3d2v

منير لكماني

مهندس مدني خبير في الإنشاءات والطاقة كاتب مغربي من ألمانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى