تحتل مجموعة العمران موقعاً استراتيجياً ضمن منظومة المؤسسات العمومية بالمغرب، بالنظر إلى أدوارها في مجال السكن والتهيئة الحضرية ومحاربة السكن غير اللائق، فضلاً عن مساهمتها في تنفيذ البرامج العمومية الرامية إلى تحسين ظروف عيش المواطنين وتعزيز الولوج إلى السكن.
غير أن أهمية هذه المؤسسة تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مدى نجاعة تدبيرها، وحصيلة أدائها، وقدرتها على تحقيق التوازن بين المردودية الاقتصادية والوظيفة الاجتماعية، خصوصاً في ظل اختلالات سبق أن أُثيرت بشأن بعض أنشطتها داخل البرلمان، إلى جانب نقاشات حول التحولات الإدارية ومعايير اختيار المسؤولين ومدى الاستفادة من الكفاءات المتراكمة داخل المجموعة.
ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية في سياق يؤكد فيه المغرب على العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين الجهات، بما يجعل أداء العمران مرتبطاً ليس فقط بنتائجها المالية، بل أيضاً بمدى مساهمتها الفعلية في تحقيق التنمية المتوازنة والاستجابة للحاجيات السكنية للمواطنين.
اختلالات أُثيرت برلمانياً.. ما مآل المعالجة؟
لم يقتصر النقاش حول تدبير العمران على الأوساط المهنية، بل وصل إلى البرلمان من خلال أسئلة تناولت ملفات مرتبطة بالشراكات العقارية وبرامج السكن الاجتماعي وتدبير البقع الأرضية.
ومن بين هذه الملفات، نوقشت نواقص الشراكات بين القطاعين العام والخاص في برنامج السكن الاجتماعي، وهو الملف الذي أثار إشكالات تتعلق بشروط تفويت بعض الأراضي، والتزامات المنعشين العقاريين، وضمانات تنفيذ المشاريع واحترام الأهداف المحددة لها.
كما تناولت أسئلة أخرى سابقاً وضعية توزيع البقع الأرضية التابعة للعمران بالداخلة، وما أُثير بشأن تأخر تسليم بقع لبعض المستفيدين من قرعة سابقة.
وفي جهة سوس ماسة، أثار سؤال كتابي ادعاءات بشأن اختلالات في تدبير بعض الملفات العقارية والمالية للمؤسسة.
وتظل هذه المعطيات، باعتبارها واردة في أسئلة برلمانية، إلى جانب ملفات أخرى لم تُدرج بعد، بحاجة إلى قراءة مقرونة بالأجوبة الرسمية ومآلات المعالجة، دون اعتبار الادعاءات الواردة فيها أحكاماً نهائية.
لكنها تطرح تساؤلات مشروعة حول مدى معالجة الإشكالات المثارة، وتعزيز الشفافية في تدبير العقار العمومي، وضمان احترام الالتزامات التعاقدية وحماية حقوق المستفيدين.
والسؤال المطروح هنا: ما الإجراءات التي اتخذتها المجموعة لتدارك الاختلالات العديدة التي أُثيرت بشأن بعض مشاريعها، وما النتائج الملموسة التي تحققت على مستوى الحكامة والتتبع والمراقبة؟.
الإدارة الجديدة.. أين تقف المردودية؟
بالتوازي مع هذه الملفات، تبرز تساؤلات حول حصيلة الإدارة الجديدة لمجموعة العمران، ومدى قدرتها على إحداث تحول ملموس في الأداء وتحسين مردودية المؤسسة.
وتفيد مصادر مطلعة على سير العمل داخل الإدارة بأن التغييرات التي عرفتها بعض مستويات المسؤولية، وما رافقها من إعادة توزيع للاختصاصات، تثير أسئلة بشأن معايير اختيار المسؤولين ومدى إعطاء الأولوية للخبرة والكفاءة المهنية.
كما تطرح هذه المصادر تساؤلات حول استقدام مسؤولين وأطر جدد في عهد الإدارة الحالية، ومدى استناد التعيينات إلى معايير موضوعية مرتبطة بالكفاءة والنتائج، مقابل كيفية الاستفادة من الأطر التي راكمت خبرة طويلة داخل المجموعة.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال المركزي: ما الذي تغير فعلياً في مردودية العمران منذ تولي الإدارة الجديدة مسؤولياتها؟
وهل انعكست التغييرات الإدارية على تسريع إنجاز المشاريع، وتحسين جودة الخدمات، وتثمين الرصيد العقاري، وتقليص النزاعات، أم أن الأمر يستدعي تقييماً أكثر تفصيلاً يستند إلى مؤشرات واضحة تقارن بين حصيلة المرحلة الحالية وما سبقها؟.
فنجاح أي إدارة لا يُقاس بعدد التغييرات التي تجريها أو المناصب التي يُعاد توزيعها، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة ومعالجة الاختلالات وتحسين الأداء الاقتصادي والاجتماعي للمؤسسة.
تدبير الكفاءات وإعادة الهيكلة.. إصلاح أم حاجة إلى التوضيح؟
تثير التحولات المتداولة بشأن الإدارة المركزية، بما فيها دمج بعض المسؤوليات وإعادة توزيع الاختصاصات، تساؤلات حول فلسفة الإصلاح المعتمدة ومدى انعكاسها على فعالية التدبير.
فإعادة الهيكلة قد تكون مدخلاً لتبسيط المساطر وترشيد النفقات وتسريع اتخاذ القرار، لكنها تحتاج إلى أهداف واضحة ومعايير شفافة تسمح بقياس أثرها الفعلي.
كما أن مصير الكفاءات والخبرات الموجودة داخل المؤسسة يظل جزءاً أساسياً من هذا النقاش.
فهل يجري توظيف الرصيد المهني المتراكم بما يخدم مصلحة المجموعة، أم أن التحولات التنظيمية تستدعي توضيحاً أكبر بشأن معايير إسناد المسؤوليات وتقييم الأطر؟.
ولا يتعلق الأمر بالحكم على الأشخاص أو التشكيك في دوافع التعيينات، بل بضرورة ضمان أن تستند القرارات الإدارية إلى الكفاءة والنتائج، وأن تكون الإصلاحات وسيلة لتحسين الأداء، لا مجرد تغيير في توزيع المناصب.
الأرقام المالية لا تحسم وحدها في الأداء
في هذا الصدد، أعلنت مجموعة العمران عن ارتفاع رقم معاملاتها الموحّد بنسبة 9 في المائة خلال سنة 2025، ليبلغ 5.872 مليار درهم، فيما ارتفعت استثماراتها بنسبة 42 في المائة إلى 7.690 مليار درهم.
وتعكس هذه المؤشرات تطوراً إيجابياً في بعض الجوانب المالية والاستثمارية، لكنها لا تكفي وحدها للحسم في نجاعة التدبير أو في مدى تحقيق الأهداف الاجتماعية للمؤسسة.
فالتقييم الشامل يقتضي أيضاً الوقوف على حجم المشاريع المنجزة والمتأخرة، وتطور المخزون العقاري والمستحقات والنزاعات، واحترام آجال التسليم، ومدى استفادة الفئات المستهدفة من البرامج السكنية.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس التشكيك في الأرقام المعلنة، بل استكمال قراءتها بمؤشرات تسمح بقياس المردودية الحقيقية للإدارة، ومدى انعكاس قراراتها على جودة المشاريع وخدمة المواطنين.
العدالة المجالية.. الاختبار الحقيقي
في ظل تأكيد المغرب على تقليص الفوارق المجالية وتحقيق تنمية أكثر توازناً، تبرز مسؤولية العمران في ضمان توزيع أكثر استجابة للحاجيات الترابية، وتوفير مشاريع سكنية مندمجة تراعي القدرة الشرائية للسكان وتستجيب لمتطلبات التهيئة الحضرية.
فالدور الاجتماعي للمجموعة لا يتوقف عند بناء الوحدات السكنية وتجهيز البقع الأرضية، بل يشمل المساهمة في تطوير أحياء متكاملة تتوفر على البنية التحتية والمرافق والخدمات الأساسية.
ويطرح ذلك أسئلة حول مدى توازن توزيع الاستثمارات بين الجهات، ونجاعة اختيار المشاريع، ومدى مساهمتها في تحسين ظروف العيش وتقليص الفوارق بين المجالات الترابية.
أسئلة تنتظر أجوبة
إن مكانة مجموعة العمران ضمن السياسات العمومية تجعل تقييم أدائها ضرورة مؤسساتية، تتطلب توضيح مآل الاختلالات التي أُثيرت برلمانياً، وحصيلة الإصلاحات الإدارية، ومعايير اختيار المسؤولين، ومدى الاستفادة من الكفاءات، والنتائج المحققة في عهد الإدارة الجديدة.
فالرهان لا يتعلق فقط بإعادة هيكلة الإدارة أو تسجيل ارتفاع في الاستثمارات، بل بمدى القدرة على تحسين الحكامة، ومعالجة أوجه القصور، وتثمين الموارد البشرية والعقارية، وضمان مساهمة فعالة في السياسة السكنية والعدالة المجالية.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نجحت الإدارة الجديدة في تحويل التغييرات التنظيمية إلى مردودية أفضل ونتائج ملموسة، أم أن المرحلة تستدعي تقييماً مؤسساتياً أكثر وضوحاً وشفافية؟.
سؤال يظل مفتوحاً أمام الإدارة العامة للمجموعة لتقديم حصيلتها بالأرقام والمعطيات، بما يعزز حق الرأي العام في الاطلاع على أداء مؤسسة عمومية تضطلع بأدوار استراتيجية في حاضر المغرب ومستقبله التنموي.
يتبع..




