تفتح التطورات الأخيرة في ملف مدينة سبتة المحتلة الباب واسعاً أمام تساؤلات جوهرية حول راهنية الوعي الوطني وقدرة القوى الحية في المغرب على مجابهة الاستفزازات الخارجية.
ففي مشهد يعكس تطرفاً واضحاً، تحول ملعب “سانتياغو بيرنابيو” مؤخراً من ساحة رياضية إلى منصة لتمرير رسائل سياسية استعمارية.
حيث رفعت جماهير إسبانية شعارات إمبريالية تكرس النزعة الاستعمارية، بينما أقدم متطرفون خارج أسوار الملعب على حرق العلم الوطني المغربي وصورة عاهل البلاد، في تصرفات تنم عن حقد دفين وتطاول صريح على الرموز الوطنية.
وما يثير التأمل في هذا المشهد هو حالة “الالتحام الوطني” التي أبداها المجتمع الإسباني بجميع أطيافه، إذ توحد اليمين واليسار والوسط، بجانب النقابات والمنظمات المهنية، في جبهة واحدة للدفاع عن قضاياهم، رغم اختلافاتهم الأيديولوجية العميقة.
وفي المقابل، يبرز تساؤل مرير حول مستوى التفاعل المغربي الداخلي مع هذه التطورات خصوصا من طرف الجهات الغير حكومية.
وتشير القراءات المهتمة بهذا الملف إلى وجود “إهمال ملموس” من لدن الأحزاب السياسية والمنابر الإعلامية المغربية، التي انخرطت في معارك جانبية ضيقة بأبعاد مصالح خاصة، متجاهلةً ملف سبتة ومليلية والثغور المحتلة، وكأن الأمر لا يعنيها.
والأكثر غرابة هو غياب أي تحرك ميداني، مثل تنظيم مسيرات أو وقفات تضامنية من قِبل جهات دأبت على التسابق للتظاهر دعماً لقضايا دولية في مناطق بعيدة مثل فنزويلا أو إيران أو لبنان، بينما تلوذ بالصمت المطبق حين يتعلق الأمر بانتهاك سيادة وطنها والتطاول على رموزه.
لقد كشفت هذه الأزمة عن اعتماد شبه كلي على “الدبلوماسية الرسمية” التي تقودها المؤسسة الملكية ووزارتا الخارجية والداخلية، في وقت تراجعت فيه القوى المجتمعية عن لعب دورها المفترض، متبنيةً منطق “اذهب أنت وربك فقاتلا”.
إن هذا الاتكال يضعف القوة الترافعية للمغرب، ويجعل الحاجة ملحة اليوم أكثر من أي وقت مضى لإعادة النظر في كيفية تشكيل “جبهة دفاع داخلية” قوية قادرة على الدفاع عن القضايا الوطنية وتشكيل واقي الصدمات الأول في مواجهة أي تطاول على الوطن واستقراره.
إن حماية الثوابت الوطنية والوحدة الترابية -التي تعد قضية سبتة ومليلية جزءاً لا يتجزأ منها تماماً كملف الصحراء المغربية- تتطلب تلاحماً حقيقياً بين كافة مكونات الشعب.
لذا، فإن الأحزاب والنقابات ووسائل الإعلام مدعوة اليوم لاستعادة دورها في التعريف بالقضايا الوطنية والدفاع عنها، وبناء جبهة ترافعية صلبة تدعم الدولة وتصون كرامة الوطن ورموزه في وجه أي تطاول خارجي، بغض النظر عن الاختلافات الأيديولوجية والثقافية.




