في ظل المستجدات التي يعرفها المشهد الإعلامي المغربي، وما تطرحه المرحلة الجديدة من أسئلة حول حرية الصحافة والتنظيم الذاتي للمهنة، إلى جانب التحولات التي فرضها الرقمي والذكاء الاصطناعي، نجري هذه المرة في أنباء إكسبريس حواراً خاصاً مع الصحافي والباحث سامي المودني.
نناقش معه واقع الإعلام المغربي اليوم، وأزمة النموذج الاقتصادي، وتحديات المصداقية وثقة الجمهور، ومستقبل المجلس الوطني للصحافة، فضلاً عن حدود حرية الصحافة بين النص القانوني والممارسة، ودور المجتمع المدني في تعزيز الحقوق والحريات.
في هذا الحوار الخاص، يقدم الصحافي والباحث سامي المودني قراءة في التحولات التي يعرفها الإعلام المغربي، من أزمة النموذج الاقتصادي وصعود المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، إلى تحديات المصداقية وحرية الصحافة.
كما يتوقف عند مستقبل التنظيم الذاتي بعد الانتخابات المرتقبة للمجلس الوطني للصحافة، ويستعرض تجربته في العمل المدني والحقوقي، من التكوين وإنتاج المعرفة إلى قيادة برامج ومشاريع استراتيجية على المدى البعيد والمتوسط، والترافع أمام المؤسسات الوطنية وآليات الأمم المتحدة، وبناء شراكات وطنية ودولية.
نبدة عن الأستاذ سامي المودني، صحافي وباحث مغربي في مجالات الإعلام والتواصل وحقوق الإنسان.
– حاصل على دبلوم المعهد العالي للإعلام والاتصال سنة 2009 وعلى ماستر في التواصل السياسي سنة 2018.
– حاصل على جائزة الصحافة العربية – دبي سنة 2014.
-الرئيس المؤسس للمنتدى المغربي للصحافيين الشباب.
– اشتغل منذ عقدين في عدد من المؤسسات الإعلامية المغربية والدولية، ويشغل حالياً مهمة رئيس تحرير بقناة ميدي 1 تيفي.
– عضو المكتب التنفيذي للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان بين سنتي 2018 و2025.
– خريج برنامج زوار الإتحاد الأوروبي سنة 2025 (EUVP).
– يشارك بانتظام في دورات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف.
– شارك كمتدخل في عدد من اللقاءات الدولية، من بينها فعاليات المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان بالأرجنتين سنة 2023، و”حوار وارسو من أجل الديمقراطية” الذي تنظمه المؤسسة الأوروبية من أجل الديمقراطية (EED) ووزارة الشؤون الخارجية لجمهورية بولندا سنة 2017.
– من إصداراته “التنظيم الذاتي بين رهان تعزيز حرية الصحافة وتحدي النهوض بأخلاقيات المهنة”، الصادر سنة 2025.

نص الحوار:
1- مرحبا أستاذ سامي كيف تقرأ وضع الإعلام المغربي اليوم؟ هل نحن أمام أزمة قطاع أم أمام تحول أعمق في طبيعة الصحافة نفسها؟
مرحبا أولاً، أشكركم على استضافتي في موقعكم المهني، أنباء إكسبريس أعتقد أننا أمام الاثنين معاً. هناك أزمة حقيقية يعاني منها جزء من قطاع الإعلام المغربي، لكنها تتزامن مع تحول عالمي عميق في طريقة إنتاج الأخبار واستهلاكها وتمويلها. لذلك سيكون من الخطأ اختزال النقاش في سؤال حرية الصحافة وحده، على أهميته.
نحن أمام أسئلة متداخلة تتعلق بالنموذج الاقتصادي للمقاولة الصحافية، والتحول الرقمي، وعلاقة الجمهور بالإعلام، والمصداقية، وتغير عادات استهلاك الأخبار، وصعود المنصات وصناع المحتوى، ثم الذكاء الاصطناعي الذي بدأ يغير جزءاً من قواعد الإنتاج الإعلامي نفسها.
ومن خلال تجربة العمل داخل غرف الأخبار، نلاحظ أن المنافسة لم تعد بين مؤسسة إعلامية وأخرى فقط. الصحافي أصبح ينافس هاتف المواطن، والبث المباشر، والمنصات التي يمكن أن تنقل الحدث قبل وصول الصحافي إليه.
ولذلك لم تعد القيمة الأساسية للصحافة هي أن تكون أول من ينشر المعلومة، لأن الجميع تقريباً أصبح قادراً على النشر، وإنما أن تكون قادرة على التحقق منها، ووضعها في سياقها، وشرح دلالاتها، وربطها بما سبقها، ومساءلة أصحاب القرار بشأنها.
هنا توجد القيمة الحقيقية للصحافة المهنية، وهنا أيضاً يوجد جزء كبير من مستقبلها.
2- لكن جزءاً مهماً من الأزمة مرتبط بالنموذج الاقتصادي للمقاولة الصحافية؟
بالتأكيد. لا يمكن أن نتحدث عن استقلالية تحريرية حقيقية في ظل مقاولة صحافية هشة اقتصادياً. فالاستقلال المهني يحتاج إلى شروط مادية تسمح للمؤسسة بأن توظف صحافيين محترفين، وتستثمر في التحقيق والتكوين والتكنولوجيا، وتمنح الصحافي الوقت والإمكانات الضرورية لإنتاج صحافة جيدة.
لكن معالجة هذه الأزمة لا ينبغي أن تختزل في الدعم العمومي، رغم أهميته. نحن في حاجة إلى التفكير جدياً في نموذج اقتصادي جديد للإعلام يقوم على تنويع الموارد، وتطوير الاشتراكات والخدمات الرقمية، والاستثمار في جودة المحتوى والابتكار، والبحث عن أشكال جديدة للعلاقة الاقتصادية مع الجمهور.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يكون الدعم العمومي مؤطراً بقواعد واضحة وشفافة، مرتبطة بمعايير الجودة والتعددية والتشغيل والاستثمار في الصحافة المهنية، وألا يتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الهشاشة.
إنقاذ المقاولة الصحافية ليس غاية في حد ذاته. الغاية هي حماية الوظيفة الديمقراطية والاجتماعية للصحافة.
3- هل فقدت الصحافة جزءاً من ثقة المجتمع لصالح المنصات وصناع المحتوى؟
هناك بالتأكيد تحول عميق في علاقة الجمهور بمصادر المعلومة، ولا ينبغي للصحافيين أن يتعاملوا معه بتعالٍ. المواطن لا يمنح ثقته للصحافي فقط لأنه يتوفر على بطاقة مهنية، وإنما بناء على ما يحصل عليه من معلومة وفائدة ومصداقية.
لكن في المقابل، عدد المشاهدات لا يصنع وحده صحافة. هناك فرق جوهري بين إنتاج المحتوى وممارسة الصحافة. الصحافة تقوم على التحقق، وتعدد المصادر، والفصل بين الخبر والرأي، واحترام الحياة الخاصة، وتصحيح الخطأ، وتحمل المسؤولية عنه. وهذه ليست امتيازات مهنية ندافع عنها لصالح الصحافيين، بل هي ضمانات لحق المجتمع في الحصول على معلومة موثوقة.
وعلى الإعلام المهني أن يسأل نفسه أيضاً بجدية: لماذا ذهب جزء من الجمهور إلى مصادر أخرى؟ لا يمكن استعادة الثقة بخطاب دفاعي عن المهنة أو بتبخيس صناع المحتوى. استعادتها تمر من صحافة أفضل، وأكثر قرباً من أسئلة الناس، وأكثر قدرة على تفسير ما يقع.
4- أين تضع الذكاء الاصطناعي داخل هذه التحولات؟
الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة كبيرة للصحافة، لكنه يحمل مخاطر حقيقية أيضاً. يمكن أن يساعد غرف الأخبار في تحليل البيانات، والترجمة، والبحث، ومراقبة تدفق المعلومات، وتطوير أشكال جديدة من السرد.
لكنه، في المقابل، جعل إنتاج الصور والأصوات والفيديوهات المزيفة أكثر سهولة وإقناعاً، ورفع مستوى التحدي أمام الصحافيين في مجال التحقق.
ولهذا سيكون الخطأ إما مقاومة التكنولوجيا وكأننا قادرون على إيقافها، أو الارتماء فيها بلا قواعد. نحن بحاجة إلى سياسات تحريرية واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وشفافية تجاه الجمهور، وتقوية مهارات التحقق، والإبقاء دائماً على المسؤولية البشرية عن القرار التحريري.
والمفارقة أن انتشار الذكاء الاصطناعي سيجعل الصحافي الجيد أكثر أهمية وليس أقل، لأن الندرة في المستقبل لن تكون في المحتوى، وإنما في المحتوى الذي يمكن الوثوق به.
5- حين نتحدث عن حرية الصحافة في المغرب، كيف يمكن تقديم تقييم متوازن؟
التقييم الجدي يبدأ بالاعتراف بأن المغرب راكم مكتسبات مهمة، سواء على مستوى البناء الدستوري والمؤسساتي، أو تطور النقاش العمومي حول حقوق الإنسان وحرية التعبير، أو وجود تعددية إعلامية ومساحات واسعة للنقاش.
لكن الاعتراف بالمكتسبات لا ينبغي أن يمنعنا من تسمية الاختلالات. ما تزال هناك تحديات مرتبطة بفعالية الحق في الحصول على المعلومات في الممارسة، وبالعلاقة بين قانون الصحافة والنشر وبعض مقتضيات القانون الجنائي في القضايا المرتبطة بالتعبير، وبالاستقلال الاقتصادي للمقاولات الإعلامية، وبحماية الصحافيين، وبضمان استقلالية وفعالية التنظيم الذاتي.
ولهذا أعتقد أن السؤال الأكثر فائدة اليوم ليس: “هل توجد حرية صحافة أم لا؟”. فهذا سؤال تبسيطي لا يساعدنا كثيراً.
السؤال الحقيقي هو: كيف نوسع المجال المتاح للحرية، ونقوي ضماناته، ونقلص الفجوة بين النص والممارسة؟
حرية الصحافة لا تقاس فقط بما ينص عليه القانون، بل أيضاً بقدرة الصحافي على الوصول إلى المعلومة والتدقيق فيها، والعمل باستقلال، والحصول على حماية مهنية واجتماعية، وممارسة النقد دون خوف غير مشروع، وفي الوقت نفسه تحمل مسؤوليته المهنية.
6- هل يعني ذلك أن إصلاح قانون الصحافة والنشر لا يكفي؟
بالتأكيد لا يكفي وحده، البيئة الممكنة لحرية الصحافة تتداخل فيها مدونة الصحافة والنشر، والقانون الجنائي، والحق في الحصول على المعلومات، والتشريعات الرقمية، والتنظيم الذاتي، والاستقلال الاقتصادي، والحماية الاجتماعية، ثم الممارسة المؤسساتية نفسها.
لذلك أدافع عن مقاربة شمولية يكون هدفها بناء منظومة قانونية ومؤسساتية منسجمة مع الدستور والتزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، وفي الوقت نفسه قادرة على حماية الأفراد والمجتمع من الانتهاكات الحقيقية دون توسيع القيود على حرية التعبير.
الإصلاح الحقوقي الجيد لا يضعنا أمام اختيار زائف بين الحرية والمسؤولية. المطلوب هو ضمان الحرية، وتحديد المسؤولية بقواعد واضحة ومتناسبة وقابلة للتوقع.
7- بعد الانتخابات المرتقبة للمجلس الوطني للصحافة، ما الذي ينبغي أن يشكل أولوية المؤسسة الجديدة؟
سيكون من الخطأ اختزال الانتخابات في سؤال من فاز ومن خسر. الأشخاص مهمون، لكن المؤسسة أهم.
على سبيل المثال، نحن في المنتدى المغربي للصحافيين الشباب اشتغلنا منذ سنوات على ملف التنظيم الذاتي، وقدمنا مذكرات ومقترحات، ودافعنا عن إصلاح قواعد التمثيلية والانتخاب، ومن بينها اعتماد الاقتراع الفردي المباشر لانتخاب ممثلي الصحافيين. ولذلك فإن موقفنا اليوم لن يرتبط بنتيجة الانتخابات أو بالأسماء التي فازت، وإنما بنوعية المؤسسة التي ينبغي أن تُبنى بعدها.
في تقديري، المجلس الجديد يحتاج إلى أربع ركائز: الاستقلالية، والتعددية، والحكامة، والفعالية.
بالإضافة إلى الاستقلالية عن السلطة التنفيذية، ولكن أيضاً عن المصالح الاقتصادية والتنظيمية داخل المهنة، وتعددية تعكس حقيقة الجسم الصحافي، وحكامة شفافة في اتخاذ القرار، ثم فعالية تجعل المجلس حاضراً فعلاً في أخلاقيات المهنة، وحماية استقلاليتها، والوساطة، والتكوين، والارتقاء بالممارسة.
انتخابات المجلس ليست نهاية النقاش حول التنظيم الذاتي، بل بداية مرحلة جديدة منه.
8- وما موقع أخلاقيات المهنة في استعادة الثقة؟
موقعها مركزي جداً. الدفاع عن حرية الصحافة يفقد جزءاً من قوته إذا لم يقترن بالدفاع عن صحافة تحترم قواعدها المهنية. لا يمكن أن نطالب المجتمع بثقة غير مشروطة في الصحافة، وفي الوقت نفسه نتسامح مع التشهير، أو الخلط بين الخبر والإعلان، أو نشر معلومات غير متحقق منها، أو انتهاك الحياة الخاصة.
لكن الأخلاقيات لا ينبغي أن تتحول بدورها إلى ذريعة لتقييد حرية الصحافة. ولهذا نحتاج إلى تنظيم ذاتي قوي ومستقل، لأن جزءاً مهماً من الإشكالات المهنية ينبغي أن يجد حلولا داخل المهنة وبأدوات المهنة.
كما أن استعادة الثقة تتطلب أن يشعر الصحافي نفسه بأن مؤسسة التنظيم الذاتي تمثله وتحمي استقلالية مهنته وتساعد على تطويرها، لا أنها مجرد إدارة إضافية.

9- تشتغلون منذ سنوات على آليات الأمم المتحدة لحماية حقوق الإنسان، خصوصاً الاستعراض الدوري الشامل. ماذا أضاف هذا المسار إلى رؤيتكم للعمل الحقوقي؟
أهم ما تعلمناه هو أن العمل الحقوقي الفعال يحتاج إلى الاستمرارية والمنهجية.
في الاستعراض الدوري الشامل كمثال عن آليات أممية أخرى لحماية حقوق الإنسان، لا يكفي أن تكتب تقريراً وترسله إلى مجلس حقوق الإنسان في جنيف.
هناك سلسلة كاملة تبدأ بالرصد وجمع المعطيات وصياغة توصيات دقيقة، ثم التواصل مع مختلف الفاعلين، والمشاركة في اللقاءات الدولية، ومتابعة التوصيات التي توجه إلى الدولة، وبعد ذلك تقييم مستوى تنفيذها.
في الجولة الرابعة قدم المنتدى المغربي للصحافيين الشباب تقريراً موازياً حول حرية الرأي والتعبير والصحافة، وانخرط في مسار الترافع المرتبط بها، ثم أعددنا سنة 2025 تقريراً موازياً لمنتصف الولاية لتقييم تنفيذ الالتزامات والتوصيات.
هذه التجربة رسخت لدي قناعة أساسية: حقوق الإنسان ليست فقط خطاباً قيمياً، بل أيضاً سياسات عمومية، ومؤسسات، ومؤشرات، وآليات للمساءلة والتقييم.
والقيمة الحقيقية للآليات الدولية ليست في الذهاب إلى جنيف في حد ذاته، وإنما في القدرة على تحويل المرجعيات والالتزامات الدولية إلى أدوات لتحسين السياسات والممارسات داخل البلد.
10- يبدو أن هذا المنطق انعكس أيضاً على تجربة المنتدى المغربي للصحافيين الشباب. كيف تطورت المؤسسة منذ 2017؟
بدأنا بأولوية واضحة هي التكوين وتقوية قدرات الصحافيين الشباب. ومع مرور الوقت اكتشفنا أن التكوين وحده لا يكفي. انتقلنا إلى إنتاج دلائل ودراسات ومذكرات، ثم إلى الترافع مع البرلمان والحكومة والمؤسسات الوطنية، وبعد ذلك إلى التفاعل مع الآليات الأممية والانفتاح المغاربي والدولي.
إلى اليوم، راكم المنتدى 49 دورة ومحطة تكوينية، وحوالي 1000 مشاركة موثقة في البرامج التكوينية، و36 محطة للنقاش والتشاور المهني، و19 إصداراً ووثيقة معرفية وترافعية.
لكن الأهم بالنسبة إلي ليس الرقم في حد ذاته، وإنما ما تطلبه الوصول إلى هذه الحصيلة من بناء تدريجي للمؤسسة وتطوير قدرتها على إدارة البرامج والشراكات.
منذ تحملي مسؤولية قيادة المنتدى، انتقلنا من تدبير أنشطة متفرقة إلى الإشراف على برامج ومشاريع متعددة السنوات، وبناء فرق للعمل، وتدبير علاقات مع مؤسسات مانحة ومنظمات دولية وشركاء وطنيين، والوفاء بالالتزامات المرتبطة بالتنفيذ والتقارير والمتابعة والتقييم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلالية المؤسسة وأولوياتها.
وهذا جانب من تجربة العمل المدني لا يظهر دائماً في واجهة الندوات والأنشطة، لكنه كان بالنسبة إلي من أهم عناصر التعلم، رغم التحديات المطروحة بشكل دائم على المستويين المادي واللوجستيكي.
أما على مستوى نموذج العمل نفسه، فقد انتقلنا من دورة تكوينية إلى تكوين المكونين والأكاديميات المتخصصة، ومن ندوة إلى وثيقة وتوصيات، ومن مذكرة إلى مسار للترافع، ومن ترافع وطني إلى حضور أمام آليات الأمم المتحدة.
مثلاً، لم نكتف في ملف التنظيم الذاتي بإصدار موقف، بل راكمنا مذكرات ولقاءات وترافعاً حول إصلاح المجلس الوطني للصحافة وقواعد التمثيلية والاقتراع. والأمر نفسه بالنسبة لقضايا الإشهار، والتشريع، وحرية التعبير، والالتزامات الدولية للمغرب.
هذه هي، بالنسبة إلي، القيمة الحقيقية للتجربة: تحويل النشاط إلى تراكم، والتراكم إلى معرفة، والمعرفة إلى قدرة على التأثير.
11- كذلك راكم المنتدى أيضاً شبكة واسعة من الشراكات الوطنية والدولية؟
نعم، لكن هذا أيضاً جاء تدريجياً نتيجة العمل والثقة التي اكتسبت حول التجربة المستدامة.
اليوم نتحدث عن شبكة واسعة من الشركاء والمؤسسات الوطنية والدولية، واشتغلنا مع مؤسسات مانحة ومنظمات دولية وهيئات أممية في برامج متعددة، كما حصل المنتدى سنة 2025 على الصفة الاستشارية لدى منظمة اليونسكو.
ومع الوقت أصبح هدفنا هو بناء برامج متكاملة تمتد أحياناً على أكثر من سنة، وتجمع بين التكوين وإنتاج المعرفة والترافع. وهذا فرض علينا تطوير أدواتنا في التخطيط والتدبير والمتابعة والتقييم، وبناء علاقات قائمة على الثقة والمساءلة مع الشركاء.
شاركنا أيضاً في عدد من دورات مجلس حقوق الإنسان بجنيف وفي لقاءات ومحطات دولية ومغاربية، لكنني لا أنظر إلى البعد الدولي باعتباره واجهة أو قيمة رمزية. فائدته الحقيقية هي أن يسمح لك بمقارنة التجارب، وتطوير الأدوات، وبناء شبكات للتعاون، ثم تحويل كل ذلك إلى أثر داخل بلدك.
والتحدي بالنسبة إلى أي منظمة مدنية وهب تبني شراكاتها، بالحفاظ على استقلالية قرارها ومواقفها وأولوياتها.
12- بعد هذه التجربة، ما الذي يحتاجه المغرب اليوم في العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني؟
نحتاج إلى الانتقال من منطق الاستشارة الظرفية إلى ثقافة المشاركة المؤسساتية.
المجتمع المدني ليس بديلاً عن المؤسسات المنتخبة أو عن الدولة، ولا ينبغي أن يقدم نفسه كذلك. لكنه يستطيع أن يضيف معرفة ميدانية وخبرة مستقلة، وأن يرصد الاختلالات، ويقدم الإنذار المبكر، ويقترح بدائل وحلولاً يمكن للمؤسسات الاستفادة منها.
وفي المقابل، ينبغي للمجتمع المدني نفسه أن يطور أدواته. لم يعد كافياً أن يصدر موقفاً أو بلاغاً. بل عليه أن ينتج المعطيات، وأن يفهم التشريع والسياسات العمومية، وأن يقدم مقترحات قابلة للتنفيذ، وأن يبني مؤسسات مستقرة، وأن يقبل أيضاً بأن يتم تقييم أثر عمله.
كما أن قوة المجتمع المدني لا تقاس بمدى ارتفاع صوته فقط، بل كذلك بقدرته على الجمع بين الاستقلالية والمصداقية والكفاءة والقدرة على الحوار.
الديمقراطية لا تُبنى فقط بمؤسسات دولة قوية، وإنما أيضاً بمجتمع مدني قوي ومسؤول وقادر على الحوار معها باستقلالية.
13- إذا كان عليك اختصار التحدي الذي يواجه الإعلام وحقوق الإنسان في المغرب خلال المرحلة المقبلة، ماذا سيكون؟
أعتقد أن الكلمة الأساسية هي الثقة. نحتاج إلى إعلام يثق فيه الجمهور، ومؤسسات يثق فيها المواطن، وتنظيم ذاتي يثق فيه الصحافيون، ومجتمع مدني تثق المؤسسات في جديته واستقلاليته، وفي المقابل إلى مؤسسات قادرة على الاستماع إلى النقد دون اعتباره خصومة.
لقد راكم المغرب نصوصاً ومؤسسات وإصلاحات مهمة. والتحدي في المرحلة المقبلة هو الانتقال بصورة أكبر من وجود المؤسسات إلى فعاليتها، ومن إعلان الحقوق إلى ضمان ممارستها، ومن إطلاق الإصلاح إلى قياس أثره على حياة الناس.
وهذا، في تقديري، هو أيضاً جوهر العمل في مجال حقوق الإنسان: ليس فقط الدفاع عن المبادئ، وإنما تحويلها إلى مؤسسات وسياسات وممارسات يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
14- مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، كيف تقرأون المرحلة السياسية القادمة، خصوصاً في ظل الحديث عن «حكومة المونديال»؟ وما دور الإعلام في مواكبة هذا الاستحقاق؟
الانتخابات المقبلة ستكون اختباراً مهماً لثقة المواطنين في المؤسسات والأحزاب، ولا ينبغي اختزالها في التحالفات والنتائج، بل في البرامج وقدرتها على الاستجابة لانتظارات المجتمع.
أما «حكومة المونديال»، فالمهم أن تكون المرحلة المقبلة فرصة لتعزيز التنمية وتحسين الخدمات وتقوية الثقة في المؤسسات.
وهنا على الإعلام أن يواكب الاستحقاق بمهنية واستقلالية، وأن يساعد المواطن على تقييم البرامج والاختيارات بعيداً عن الاستقطاب.





