في السياسة، كما في الحياة، ليست كل الهدايا متساوية، حتى لو جاءت جميعها في صناديق تحمل عبارة «دعم».
وهذا تحديدًا ما يجعل قصة المساعدات اليونانية للجيش اللبناني تستحق التوقف قليلًا، لا للاعتراض على المساعدة نفسها، ولا للتقليل من أهمية أي قطعة سلاح يمكن أن تخدم المؤسسة العسكرية، وإنما لأن المقارنة بين ما تفعله اليونان لحماية أمنها وما تقدمه للبنان تكشف مفارقة يصعب تجاهلها.
اليونان وقّعت مع إسرائيل صفقة تسليح تتجاوز قيمتها 3.5 مليارات دولار، تشمل منظومات دفاع جوي ورادارات متعددة المهام وقدرات متقدمة لمواجهة الطائرات المسيّرة، في استثمار واضح في التكنولوجيا العسكرية الحديثة.
وفي المقابل، يصل إلى الجيش اللبناني عدد محدود من ناقلات الجند المدرعة من طراز M113، إلى جانب عشر شاحنات عسكرية وقطع غيار.
وبين المشهدين، كان هناك مشهد لبناني رسمي لا يخلو من الدفء الدبلوماسي: رئيس الجمهورية جوزاف عون يتوجه إلى اليونان ويلتقي رئيس حكومتها كيرياكوس ميتسوتاكيس، مقدمًا الشكر على دعم أثينا للجيش اللبناني.
الشكر، بطبيعة الحال، واجب دبلوماسي وأخلاقي، ولا أحد يجادل في ذلك. لكن المشكلة أن اللبنانيين باتوا يتعاملون مع وصول أي كمية من المعدات العسكرية إلى الجيش وكأنها إنجاز استراتيجي يستحق الاحتفال، بصرف النظر عن نوعية هذه المعدات أو عمرها أو مدى انسجامها مع طبيعة التحديات التي يفترض أن يكون الجيش مستعدًا لمواجهتها.
ولعل الـM113والشاحنات العشر هي أكثر ما يختصر المفارقة.
هذه المدرعة ليست سيئة بالضرورة، وقد أثبتت عبر عقود أنها آلية عملية ويمكن استخدامها في مهام متعددة. لكن تاريخ دخولها الخدمة يعود إلى ستينيات القرن الماضي، وقد ارتبط اسمها، من بين حروب أخرى، بحرب فيتنام. أي أننا نتحدث عن تصميم عسكري ينتمي إلى حقبة كانت فيها طبيعة الحرب مختلفة جذريًا عما هي عليه اليوم.
في ذلك الوقت لم تكن الطائرات المسيّرة المسلحة جزءًا من المشهد العسكري اليومي، ولم تكن الحرب الإلكترونية بهذا الحجم، ولم تكن أنظمة الدفاع الجوي تعتمد على شبكات متطورة من الرادارات وأجهزة الاستشعار والربط الإلكتروني كما هي الحال اليوم.
ومع ذلك، لا بأس. الجيش اللبناني بحاجة إلى كل ما يمكن أن يساعده في أداء مهماته، والآلية القديمة تظل أفضل من عدم وجود آلية أصلًا.
لكن السؤال ليس عن قيمة الـM113 في حد ذاتها، وإنما عن المعيار الذي أصبحنا نقيس به دعم الجيش اللبناني.
اليونان نفسها تقدم مثالًا مختلفًا تمامًا.
فأثينا لا تنظر إلى أمنها القومي من زاوية المساعدات التي قد تحصل عليها، بل من زاوية ما تحتاج إلى امتلاكه. العلاقة مع تركيا، بكل ما تحمله من تاريخ طويل من التوتر والنزاعات والخلافات حول بحر إيجه والمجال الجوي والجزر والحدود البحرية وشرق المتوسط، جعلت مسألة التفوق والجاهزية العسكرية جزءًا ثابتًا من الحسابات اليونانية.
ولهذا لا تتعامل اليونان مع الدفاع الجوي على أنه ترف، ولا مع الرادارات الحديثة على أنها كماليات، ولا مع مواجهة المسيّرات على أنها تفصيل يمكن تأجيله إلى حين وصول منحة من دولة صديقة.
عندما تحتاج إلى منظومة دفاع، تشتريها.
وعندما ترى أن التكنولوجيا العسكرية تغيرت، تحدّث ترسانتها.
وعندما تظهر تهديدات جديدة، تستثمر في مواجهتها.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تتجه إلى إسرائيل، الدولة التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز مصدري التكنولوجيا العسكرية في العالم، للحصول على منظومات متقدمة ضمن صفقة بمليارات الدولارات.
هنا تصبح المقارنة اللبنانية أكثر إيلامًا.
فالدولة اليونانية التي ترى أن أمنها يحتاج إلى مليارات الدولارات من التكنولوجيا العسكرية الحديثة، هي نفسها الدولة التي ترسل إلى لبنان عددًا محدودًا من آليات تعود إلى حقبة عسكرية بعيدة، إضافة إلى شاحنات وقطع غيار.
ثم نسافر نحن إلى أثينا لنقول: شكرًا.
مرة أخرى، لا بأس بالشكر.
لكن هل المطلوب فعلًا أن يكون هذا هو سقف طموحنا؟
هل أصبحت الدولة اللبنانية تعتبر وصول عشر شاحنات عسكرية مناسبة لإطلاق خطاب سياسي عن تعزيز قدرات الجيش؟ وهل باتت ناقلات الجند المدرعة القديمة كافية لكي نتحدث عن تحديث المؤسسة العسكرية؟
المشكلة هنا ليست في اليونان، بل في الطريقة التي ينظر بها لبنان إلى نفسه وإلى جيشه.
اليونان تشتري لأن لديها تصورًا عن احتياجاتها الدفاعية.أما لبنان، فيبدو أحيانًا وكأنه ينتظر أن يكتشف الآخرون ما يحتاجه، ثم يتفضلوا بإرسال ما يستطيعون الاستغناء عنه.
وهذا ليس انتقادًا للمؤسسة العسكرية نفسها. الجيش لا يختار ما يصل إليه، ولا يستطيع أن يرفض آلية لأنها قديمة إذا كانت قادرة على القيام بمهمة يحتاج إليها.
المسؤولية تقع في مكان آخر: في دولة يفترض أنها تريد بناء مؤسسة عسكرية قوية، لكنها لم تنجح حتى الآن في وضع تصور متكامل ومستدام لتسليح هذه المؤسسة وتمويلها وتطوير قدراتها.
فالجيش الحديث لا يحتاج فقط إلى ناقلات جند وشاحنات.
يحتاج إلى شبكة متكاملة من الرصد والاستطلاع، وإلى دفاع جوي، وقدرات مضادة للمسيّرات، وحرب إلكترونية، واتصالات آمنة، وطائرات استطلاع، وذخائر، وصيانة، وتدريب، وقيادة وسيطرة، والأهم إلى تمويل يسمح له بالحفاظ على ما يمتلكه وتطويره بدل أن يبقى رهينة لما يصل إليه من الخارج.
لكن لبنان اعتاد، على ما يبدو، أن يفرح بالموجود بدل أن يسأل عن المطلوب.
وهنا تبدأ الكوميديا السوداء.
تصل آليات فنشكر الدولة المانحة.
تصل شاحنات فنصدر بيانًا عن دعم الجيش.
تصل قطع غيار فنعتبرها خطوة جديدة في تعزيز القدرات.
ولو استمرت الأمور على هذا النحو، فقد يأتي يوم يصبح فيه وصول بطاريات لآليات عسكرية مناسبة وطنية، وتُلتقط الصور أمامها، ويُقال لنا إنها تعكس عمق العلاقات اللبنانية–اليونانية.
والمفارقة أن هذه الثقافة لا تتعلق بالجيش وحده. إنها جزء من منظومة سياسية واقتصادية أوسع اعتاد فيها لبنان على انتظار الخارج: مساعدات، مؤتمرات، قروض، هبات، ودعم سياسي، ثم الاحتفال بأي شيء يصل باعتباره انتصارًا دبلوماسيًا.
حتى أصبح السؤال أحيانًا ليس: ماذا نحتاج؟ بل: من سيعطينا إياه؟
وهذا تحديدًا ما يجعل عبارة «دعم الجيش» بحاجة إلى شيء من التدقيق.
الدعم الحقيقي لا يعني فقط إرسال معدات إلى الجيش. الدعم الحقيقي هو أن تساعد دولة ما مؤسسة عسكرية على بناء قدرة مستدامة ومستقلة، بحيث لا يصبح استمرار جاهزيتها مرتبطًا بما إذا كانت دولة صديقة قررت هذا العام أن تفرغ جزءًا من مخزونها.
أما المساعدات العينية، مهما كانت مفيدة، فتبقى مساعدات.
وليس من الحكمة تحويلها إلى بديل عن سياسة دفاعية.
الأكثر إثارة في القصة أن إسرائيل، التي تشكل جزءًا أساسيًا من البيئة الأمنية التي يفترض أن يواجهها الجيش اللبناني، هي في الوقت نفسه الدولة التي تبيع اليونان بعضًا من أكثر منظوماتها العسكرية تطورًا.
اليونان تدفع مليارات الدولارات للحصول على التكنولوجيا الإسرائيلية.
ولبنان يشكر اليونان على الـM113.
وحدها هذه المقارنة تكفي لكتابة مقال كامل.
لكنها تطرح سؤالًا أبعد من نوع الآلية التي وصلت إلى بيروت: أي جيش نريد للبنان؟
إذا كان المطلوب جيشًا قويًا قادرًا على حماية الحدود وفرض سلطة الدولة والدفاع عن السيادة، فلا يمكن أن يكون المشروع قائمًا على انتظار الهبات. وإذا كانت الدولة تريد بالفعل احتكار القوة، فإنها تحتاج أولًا إلى امتلاك القوة التي تجعل هذا الاحتكار ممكنًا وفعّالًا.
لا يمكن بناء جيش قوي بالشكر وحده.
ولا يمكن بناء السيادة بصناديق المساعدات.
ولا يمكن مواجهة حروب المسيّرات والرادارات والأنظمة الذكية بعقلية تعود إلى عصر الـM113.
المفارقة إذًا ليست أن اليونان أعطت لبنان آليات قديمة، ولا أن أثينا أنفقت مليارات الدولارات على شراء أسلحة حديثة من إسرائيل. لكل دولة حساباتها ومصالحها وأولوياتها.
المفارقة الحقيقية هي أننا في لبنان أصبحنا نعتبر ما تقدمه الدول لنا مقياسًا لقوة جيشنا، بدل أن يكون ما يحتاج إليه الجيش هو المقياس الذي نحدد على أساسه ما نريد من الدول أن تقدمه لنا.
وربما لهذا السبب كان مشهد رئيس الجمهورية في أثينا، وهو يشكر ميتسوتاكيس على دعم الجيش اللبناني، طبيعيًا جدًا في السياسة اللبنانية.
ففي بلد اعتاد أن يشكر الخارج على الكهرباء والمساعدات والقروض والودائع والمنح، لم يعد غريبًا أن يشكر دولة على عشر شاحنات وناقلات جند وقطع غيار.
لكن كان ينقص المشهد شيء واحد فقط.
آلة حاسبة.
فهي وحدها قادرة على وضع الأرقام في مكانها الصحيح:
أكثر من 3.5 مليارات دولار تنفقها اليونان على منظومات عسكرية حديثة.
وبضع آليات وشاحنات وقطع غيار تصل إلى لبنان.
وبين الرقمين، هناك فرق أكبر من المسافة بين أثينا وبيروت.
إنه الفرق بين دولة تتعامل مع أمنها باعتباره استثمارًا استراتيجيًا، ودولة ما زالت تتعامل مع تسليح جيشها باعتباره مناسبة جديدة لشكر الأصدقاء.
فشكرًا لليونان، بالتأكيد.
وشكرًا لكل دولة تساعد الجيش اللبناني.
لكن، قبل أن نحتفل كثيرًا، ربما يجدر بنا أن نسأل السؤال الذي لا يبدو أن أحدًا يريد الإجابة عنه:
متى يصبح للجيش اللبناني ما يحتاج إليه، بدل أن يبقى محتاجًا إلى ما يتكرم الآخرون بإرساله؟




