تتوزع المسائل الفكرية بين ما يلامس السطح الخارجي للمعرفة وما يغوص عميقاً في بنية الوعي البشري وطريقة تشكله، حيث تقف مسألة التوفيق بين ما يمليه العقل وما يتطلبه النقل في صدارة القضايا التي تفرض نفسها على كل إنسان يحاول بناء معتقده على أسس صلبة تتجاوز مجرد التلقي العادي.
وذلك من خلال تأمل ذاتي يستحضر أبعاد الإشكالية كما تتجلى للوعي المعاصر دون ادعاء استيعاب كل ما كتبه الأوائل أو الاستغراق في تتبع المقولات التاريخية المعقدة، لا سيما حين يتضح لي أن الصراع الظاهر ليس في حقيقته سوى اختلاف في زوايا الرؤية ومناهج الفهم التي تتفاوت بتفاوت الطبائع البشرية والمستويات المعرفية.
مما يجعل الحاجة ماسة إلى إعادة التفكير في الأسلوب الذي يُدار به هذا النقاش وفي مدى قدرة الخطاب الدعوي المعاصر على استيعاب هذا التباين وتجاوز التبسيط السطحي، فكيف يمكن صياغة التفاعل بين العقل والنقل ضمن رؤية تكاملية تتجاوز خطية الأسبقية وتراعي التباين الطبيعي بين عقول البشر، وهل يستطيع الخطاب السائد اليوم الاستجابة لمختلف أنماط التفكير الإنساني أم أنه يظل محبوساً في الجزئيات والتبسيط الشكلي؟.
لم أطلع على كل ما خطه القدماء والمحدثون في شأن العقل والنقل، وإنما أحاول في هذا التقديم تقديم اجتهاد شخصي يروم ملامسة هذه الإشكالية من واقع التأمل المباشر، وأرى أن هذا الطرح قد يتوافق مع بعض ما قيل سلفاً أو يختلف عنه.
طبعا،حين أتأمل طريقنا في إنتاج المعرفة، أجد أن التفكير هو الأداة الأولى التي يدعونا الخالق إلى إعمالها، بل إن النص ذاته يظل بحاجة ماسة إلى الفكر لاستيعاب مقاصده وتمييز دلالاته، إذ كيف ندرك مثلا قيمة المعجزات ونثبت استثنائيتها بغير منطق يحلل القوانين ويميز المعجزة عما سواها؟.
ومن هذا المنظور الذاتي، يظهر لي أن التخوف من إعمال الفكر ليس مردّه الخوف الشديد، بل كون العقل كائناً مزعجاً للراحة والهدوء، مشاغبا،يرفض الانصياع للجاهز، ويعيش ثورة دؤوبة تقوم على المساءلة والفك والتحليل والتركيب..
غير أن النص يمتلك جاذبية خاصة تكمن في قدرته على منح السكينة والاطمئنان، متوسلاً بأساليب بيانية تمس الوجدان وتستنهض العقول كضرب الأمثال واستحضار القصص القرآني الذي يمثل حقيقة واقعة وتاريخاً صدقاً جرى في الواقع، حيث تتجلى قدرة الصياغة البيانية في تجسيد المعاني وتقريب المشاهد لترسيخ العبرة وتعميق الأثر الروحي، بخلاف التجربة العقلية المجردة التي تدفع نحو التحليل الصارم والمواجهة العارية مع المفاهيم.
ويبدو لي أن الرهبة من جنوح الفكر تتناسى حقيقة أساسية، وهي أن العقل الواعي يمتلك حساسية فطرية بحدوده ولا يسعى للقفز فوق نطاق إدراكه، لكن الرغبة في صيانة التقديس تجعل استجلاء الفكر للمفاهيم أمراً مقلقاً لمن يكتفون بالعلوم التقليدية عن خوض غمار التفكير المفتوح.
وانطلاقاً من هذا الاستجلاء لخصائص الطرفين، أرى أن هذه الهندسة المفاهيمية البديعية تتيح تفكيك العلاقة بين العقل والنقل إلى نماذج منطقية ورؤى معرفية تتوزع عبر ستة مناهج أساسية تنظم طريقة النظر والإدراك.
حيث ينطلق المنهج الأول من منطق الترتيب الخطي المرتكز على مفاضلة تبحث عن مبدأ الأهم، فيرى مسلكٌ أن النقل أهم باعتباره المصدر الهادي، بينما يرى مسلكٌ آخر العكس تجسيداً لمعادلتين مفترضتين، تجعل الأولى من العقل قائداً يفكك النص لتوليد فهم مقاصدي ناقد، بينما تجعل الثانية من النص مبتدأً لمنح السكينة والامتثال الموجه.
ثم يتلوه المنهج الثاني القائم على منطق الأكبر والشمول والذي يتجاوز الاقتصار على حصر المعرفة في جانب واحد، إذ يرى فريق أن المعرفة النقلية بما تتضمنه من غيب ومقاصد هي الإطار الأوسع الذي يحيط بالمحدود من الأدوات البشرية، بينما يرى فريق آخر أن العقل هو الأكبر على اعتبار أن المعرفة العقلية هي التي تستوعب النص وتحيط بدلالاته وتمنحه مشروعية الفهم والتصديق.
ويتأسس المنهج الثالث على منطق التساوي والتكافؤ الذي يرفض الهيمنة، مؤكداً تكافؤ دلالات النص مع أحكام النظر العقلاني في الوصول إلى الحقيقة.
بينما يتجه المنهج الرابع نحو مبدأ القطيعة والفصل الوظيفي الذي يضع حداً فاصلة بين الميدانين، فيرى أن لكل منهما مجاله المستقل وحرمه المفهومي الخاص دون ادعاء لأحدهما بالسيادة على الآخر، حيث يتكفل النقل بجانب التعبد والغيبيات والتشريع الروحي، بينما يستقل العقل بالعلوم التجريبية والماديات وإدارة عمران الحياة، تفادياً لإقحام أدوات أحدهما في منطقة الآخر، معتبراً أن الاتساق بينهما يتم من خلال احترام هذه الحدود المعرفية وتكاملهما الخارجي لا عبر التداخل الوظيفي المباشر.
وليأتي المنهج الخامس متمثلاً في التأثير والتأثر الحركي الذي يجعل النقل مرشداً للعقل من التيه، ويجعل العقل قارئاً يجدد فهم النص من الجمود. وأخيراً يتجلى المنهج السادس في مبدأ التكامل والتساوق، وهو المنظور الذي ينفي الكفاية الذاتية لكل طرف بمفرده، إذ يصير العقل ناقصاً يفتقر إلى البوصلة الأخلاقية والسكينة الروحية للنص.
كما يصير النقل ناقصاً في واقع الناس يفتقر إلى أدوات التفكيك والاستنباط التي يتيحها الفكر، ليتشكل من هذا التكامل نسيج إدراكي يكتمل به فهم الشريعة والحياة.
وأمام هذه الهندسة المتشابكة، أتساءل بحيرة: هل نكتفي بحبس القضية في ضيق الترتيب الخطي وأوهام الأسبقية، أم ننفتح على أفق التكامل المتزامن، ليصبحا معاً جناحين لعملية إدراكية واحدة لا يسبق فيها التفكيرُ هدايةَ النص، ولا يستغني فيها النصُ عن يقظة التفكير؟.
ليتفجر هذا التساؤل الفكري بدوره إلى سؤال ميداني أكثر إلحاحاً وعمقاً، ما الأنفع للمؤمن في بناء يقينه الذاتي، وما الأنفع للدعوة في مخاطبة العقول والوجدان، هل هو التأسيس العقلي الصارم أم التسليم النقلي المباشر؟ إن المسألة في اعتقادي ليست سهلة على الإطلاق، إذ إن الغاية الأساسية التي أرومها من هذا الطرح ليس تقديم العقل على النص ولا النيل من مكانة الوحي الشريف.
وإنما تهدف المقالة محوريةً إلى معالجة طريقة إدارة هذا النقاش في الخطاب المعاصر، بالانتقال من التبسيط الإرشادي الذي يتعامل مع الناس وكأنهم قالب واحد إلى خطاب معرفي مستوعب يستحضر التفاوت الطبيعي في أساليب التفكير والطبائع البشرية.
خصوصاً إذا علمنا أن بناء موقف عقلي رصين يتطلب توظيف أدوات منهجية دقيقة، ويتطلب توظيف علوم وفلسفات ومعارف حديثة، كما يتطلب امتلاك قدرة عالية على التفكيك والمحاججة وإدراك تعقيدات الفكر الإنساني، فأنى لدعاة لا يمتلكون هذه العدة المعرفية الشاملة ويقتصرون على اجترار المفاهيم الجاهزة وتبسيط الخطاب المعقد أن يخوضوا هذا الغمار؟ ويتطلب التعامل الأصيل مع النقل معرفة متعمقة بالعلوم الشرعية، وعلوم القرآن البلاغية، والنحوية، والصرفية، والتركيبية، وفهم آليات الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، وطرق الاستنباط، إلى غير ذلك من الشروط المعرفية الصلبة التي تعصم من السطحية والتأويل الفاسد.
وهذا العجز المعرفي الصارخ يفتح الباب للتساوق بحسرة، هل بمثل دعاة يركزون حصرياً على جزئيات الوضوء والغسل والتيمم، ويستغرقون في تفاصيل الحور العين والرقية الشرعية والمشاهد الغيبية، أن يفككوا تعقيدات العقل المعاصر، أو يجيبوا عن قلقه الوجودي وأسئلته التحليلية المتشابكة؟ وجلهم يفتقرون إلى التكوين الفلسفي والمفهومي الحديث، ولم يمتلكوا حتى العدة اللغوية والمقاصدية العميقة لفهم النقل في بيئته الأولى، فكيف يتصدى هؤلاء لمساجلة الفكر الحديث وهم لم يغادروا عتبة التبسيط الجزئي وحصر الدين في قشور أحكام البدن وشكليات الممارسة؟.
ويتجلى خلل هذا النمط الدعوي السائد في تعمده إحداث فصل حاد بين النص ومقاصده، حيث يعتمد على التعبئة العاطفية والترهيب الوجداني بدلاً من بناء التفكير النقدي، مضللاً المتابعين بيقين زائف يرفع الاجتهاد البشري المتغير إلى مرتبة المطلق المعصوم، ومتجاهلاً سنن التغير وتطور العمران لصالح فرز مذهبي وتوظيف شكلي يفرغ الدين من قيم الرحمة والإحسان، أدى هذا الخضوع لمنطق التبسيط الافتراضي إلى صناعة تدين مظهري ينفصل فيه الوعي عن الاستقلالية الفكرية والنزاهة الميدانية، لينتج عقولاً منقادة تركن للحلول الجاهزة وتخشى المساءلة، وتصم كل طرح عقلاني متزن بالخروج عن السائد.
ومع كشف هذا الخلل العريض في الخطاب الدعوي، ألمس القيمة الحقيقية للاعتراف بالتنوع الإنساني وأهميته في نقد تلك النموذجية الجافة، إذ تتجلى الحقيقة في أن البشر ليسوا طينة واحدة في استقبال المعرفة، بل يتفاوتون تبايناً شاسعاً في تركيباتهم النفسية والعقلية، فهناك من يكفيه إيمان العجائز الصافي القائم على التسليم المطلق والاطمئنان القلبي المباشر دون الحاجة إلى معقدات الاستدلال.
وهناك من يتصرف بنقاء الفطرة التلقائية التي ترى نور الحق في المأثور دون شائبة قلق، بجانب نمط آخر من البشر لا يقتنع بالسهل ولا يقبل بغير البناء العقلاني الصارم، حيث يظل التفكير النقدي بالنسبة إليه شرطاً أساسياً لترسيخ القناعة وتشييد اليقين، وتكمن الإشكالية الكبرى في محاولة نمذجة التفكير وتعميم خطاب واحد على جميع أنماط الناس، متجاهلين أن لكل إنسان مسلكه المعرفي الخاص نحو الحق.
وهنا تلتقي رؤيتي بتلك الرحابة الجامعة التي تسع هذا التفاوت المترامي، فالإسلام يسع الجميع كما كان يقول المفكر رشدي فكار في محاضراته التي كنت أحرص على حضورها والاستماع إليها، يسع الأمي البسيط الذي يدرك الحقيقة بصفاء سريرته، ويسع المتعلم المتخصص الذي يغوص في الدقائق والتحليلات، وينفذ برحمته وسعة خطابه إلى قلب المطيع المنيب بقدر ما ينفذ بحجته وبرهانه إلى عقل الفيلسوف والباحث عن اليقين، دون أن يضيق بإنصاته على أحد أو يحصر الهداية في قالب ذهني واحد.
تتفتح أبعاد القضية على أفق يعيد ترتيب الأولويات الفكرية والدعوية، لتؤكد أن الوعي الحقيقي لا يمكن أن يكتمل بإقصاء أي من الجناحين، إذ تقتضي الأولويات الفكرية أن يبدأ العقل أولاً بتأسيس الأصول والمفاهيم الكبرى وإثبات صحة المصدر النقلي قبل الاستغراق في التفاصيل الفرعية.
كما تقتضي الأولويات الدعوية تقديم الرحمة والإحسان وصلاح السلوك الميداني على الانشغال الحصري بالجزئيات الفقهية وشكليات الممارسة. فمثلما يتجلى إيمان العجائز ثابتاً أمام عواصف الشك دون حاجة إلى تعقيد المنطق، يظهر التفكير الفلسفي المقاصدي كمنظار دقيق يكشف دروب الهداية لعقول تتطلع إلى البرهان الحاسم وتأبى التسليم قبل الاقتناع، وهو ما يثبت أن النص يظل بحاجة إلى الفكر لاستنباط مقاصده وتمييز دلالاته.
كما يحتاج الفكر بالضرورة إلى النقل لليقين والسكينة والضابط الأخلاقي، وأن محاولة حبس الدين في لون واحد من الفهم أو اختزاله في فتاوى الفرعيات وشكليات السلوك ليس إلا عجزاً عن تمثل سعة الرسالة التي خاطبت الأعرابي الفطري بلسان البساطة ومست عقل الحكيم بالدليل، لتظل المعضلة الحقيقية قائمة حول كيفية تجديد الخطاب المعرفي والدعوي المعاصر ليكون قادراً على احتواء هذا التنوع الإنساني الشاسع، فهل يستطيع هذا الخطاب أن يخرج من ضيق التلقين وشكليات الممارسة ليتسع لكل القلوب والعقول دون أن يفقد اصالته أو يبتر قريحته؟..




