لم تعد التفاوتات بين الجهات والأقاليم في المغرب مجرد فروق عابرة في مستوى التجهيز أو وتيرة الاستثمار، بل أصبحت تعكس تفاوتا أعمق في فرص العيش والاندماج الاقتصادي والاجتماعي.
فالمكان لم يعد مجرد إطار جغرافي تتحرك داخله التنمية، وإنما تحول إلى عنصر حاسم في تحديد إمكانات الأفراد والجماعات، إلى حد أصبح معه الانتماء إلى إقليم مزدهر أو مجال مهمش عاملا مؤثرا في التعليم والصحة والعمل والدخل والحركية الاجتماعية.
ومن هنا تبرز صورة المغرب الذي يسير بسرعتين: سرعة تقودها الأقطاب الحضرية والاقتصادية الكبرى، وسرعة أبطأ تطبع كثيرا من المجالات القروية والجبلية والداخلية.
هذا التفاوت لا يعني غياب التنمية، بل يكشف عن عدم انتظام آثارها داخل المجال الوطني.
فهناك مدن وجهات استطاعت خلال العقود الأخيرة أن تراكم بنية تحتية متقدمة، وتستقطب الاستثمارات الصناعية والخدماتية واللوجستية، وتندمج بوتيرة متسارعة في شبكات الاقتصاد الوطني والدولي.
وفي المقابل، لا تزال مجالات أخرى تواجه محدودية التجهيز، وضعف فرص الشغل، ونقص بعض الخدمات الأساسية، وهو ما يوسع الفجوة بين مناطق تنتج الفرص وأخرى يضطر سكانها إلى الانتقال بحثا عنها.
وتكمن خطورة هذا الوضع في أن التفاوت الترابي يميل إلى إعادة إنتاج نفسه. فالجهة التي تتوفر على بنية تحتية جيدة ومؤسسات تعليمية وصحية وشبكات نقل وأسواق نشطة تصبح أكثر قدرة على جذب المستثمرين والكفاءات.
أما المجال الذي يفتقر إلى هذه العناصر فيجد نفسه أقل جاذبية، فتضعف فيه فرص الاستثمار، وتتزايد الهجرة، ويتراجع الطلب المحلي، بما يجعل التأخر الاقتصادي والاجتماعي أكثر رسوخا.
من هنا تكتسب العدالة المجالية معناها الحقيقي. فهي لا تعني توزيع المشاريع بالتساوي الحسابي بين الجهات، ولا إقامة التجهيزات نفسها في كل إقليم، بل تقتضي توجيه السياسات العمومية وفق حاجات المجالات ودرجة هشاشتها وإمكاناتها الاقتصادية والاجتماعية.
فالإنصاف لا يتحقق بإعطاء الجميع الشيء نفسه، وإنما بتمكين كل مجال من الأدوات التي يحتاجها حتى يستطيع تقليص الفجوة وتحسين شروط اندماجه في مسار التنمية.
وتقتضي هذه المقاربة تجاوز منطق المشاريع المعزولة نحو بناء منظومات ترابية متكاملة. فالطريق، مثلا، لا يؤدي وظيفته التنموية كاملة إذا لم يرتبط بفرص اقتصادية وخدمات ومؤسسات قادرة على تثبيت السكان.
كما أن إنشاء منطقة صناعية لا يكفي إذا لم يواكبه تكوين مهني يتلاءم مع حاجات سوق العمل. لذلك فإن العدالة المجالية تحتاج إلى تنسيق فعلي بين الاستثمار والبنية التحتية والتعليم والصحة والتكوين والتشغيل.
كما تضع هذه الإشكالية الجهوية المتقدمة أمام اختبار حقيقي. فالجهة لا ينبغي أن تبقى مجرد مستوى إداري لتدبير برامج مركزية، بل يفترض أن تتحول إلى فضاء لصناعة القرار التنموي انطلاقا من الخصوصيات المحلية.
وكلما امتلكت الجهات قدرة أكبر على تحديد أولوياتها وتعبئة مواردها، أصبح ممكنا الانتقال من تنمية موحدة في تصورها إلى تنمية أكثر التصاقا بحاجات المجالات.
ولا تقاس العدالة المجالية، في النهاية، بحجم الاعتمادات المرصودة أو بعدد المشاريع المعلنة، وإنما بأثرها الفعلي في حياة السكان.
فالسؤال ليس فقط كم استثمرنا، بل أين استثمرنا، ولمن، وبأي نتيجة؟ وهل أسهم الاستثمار في تقليص الفوارق وخلق فرص مستقرة، أم ظل أثره محصورا في المجالات التي كانت أصلا أكثر قدرة على الاستفادة؟.
إن المغرب لا يحتاج إلى إبطاء سرعة أقطابه المتقدمة، بل إلى جعل هذه الدينامية رافعة لبقية التراب الوطني. فالمعضلة ليست في وجود مناطق تقود النمو، وإنما في اتساع المسافة بينها وبين المجالات التي تتحرك بإيقاع أبطأ.
وحين يصبح تقليص هذه المسافة هدفا مركزيا للسياسات العمومية، تتحول العدالة المجالية من شعار إلى معيار للحكم على جودة التنمية، ويصبح التقدم الوطني أكثر تماسكا وإنصافا واستدامة.




