أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس (11 أغسطس 2026) قرارًا بقانون بتعديل قرار بقانون رقم (1) لسنة 2007 بشأن الانتخابات العامة وتعديلاته، تضمن إلغاء قرار بقانون رقم (10) لسنة 2026، الذي كان قد نص على رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200، بما يعيد عدد أعضاء المجلس إلى 132 عضوًا.
لا ينبغي قراءة التعديل الأخير على قانون الانتخابات الفلسطيني باعتباره مجرد تعديل تقني يتعلق بعدد أعضاء المجلس التشريعي أو آليات تشكيل المجلس الوطني، بل باعتباره خطوة سياسية تعيد ترتيب قواعد التمثيل داخل النظام السياسي الفلسطيني، وتحاول الموازنة بين الشرعية الانتخابية، والتمثيل الوطني الواسع، ومتطلبات المرحلة السياسية التي تمر بها القضية الفلسطينية.
ويكتسب هذا التعديل أهميته من حقيقة أن الفلسطينيين ما زالوا يعيشون، من الناحية السياسية والتاريخية، في مرحلة تحرر وطني لم تستكمل فيها بعد شروط الانتقال إلى دولة مستقلة ذات مؤسسات دستورية مستقرة.
ولذلك، فإن تطبيق النموذج الانتخابي بمعاييره التقليدية، باعتباره الآلية الوحيدة لإنتاج التمثيل الوطني، قد لا يكون كافياً لضمان تمثيل جميع القوى السياسية والاجتماعية والفئات والقطاعات الفلسطينية.
من 200 إلى 132 عضواً: تخفيف العبء وإعادة توزيع الأدوار
أعاد التعديل الأخير عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 132 عضواً، بعد أن كان قد ارتفع في التعديل السابق إلى 200 عضو، مع تحويل 68 عضواً إلى نظام الاختيار ضمن عضوية المجلس الوطني.
ويمكن النظر إلى هذا التوجه باعتباره محاولة للفصل بصورة أوضح بين وظيفة المجلس التشريعي، باعتباره مؤسسة تشريعية منتخبة، ووظيفة المجلس الوطني، باعتباره الإطار التمثيلي الوطني الأوسع للشعب الفلسطيني.
فزيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو، مع الجمع بين عضوية التشريعي والوطني، كان من شأنها أن تفرض أعباء إضافية على الموازنة العامة، وأن تزيد من حجم النفقات الإدارية والمالية المرتبطة بالمؤسسة التشريعية.
ومن هذه الزاوية، فإن العودة إلى 132 عضواً قد تعكس توجهاً نحو ترشيد البنية المؤسسية وتقليل الكلفة المالية، دون أن يعني ذلك تقليص التمثيل الوطني بصورة موازية، طالما جرى تعويض ذلك من خلال توسيع قاعدة التمثيل في المجلس الوطني.
المجلس الوطني: الانتخابات وحدها لا تكفي
تكمن إحدى أهم دلالات التعديل في اعتماد مزيج من الانتخاب والاختيار في تشكيل المجلس الوطني. وهذا الترتيب يمكن فهمه في ضوء خصوصية الحالة الفلسطينية، حيث لا يمثل المجلس الوطني مجرد مؤسسة برلمانية بالمعنى التقليدي، وإنما يفترض أن يكون إطاراً جامعاً لمختلف مكونات الشعب الفلسطيني وقواه السياسية والاجتماعية.
ومن ثم، فإن الاعتماد الكامل على الانتخابات قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى غياب قوى سياسية أو اجتماعية تمتلك حضوراً تاريخياً ووطنياً، لكنها لا تحقق النسبة اللازمة من الأصوات للوصول إلى المجلس. كما قد يحرم بعض الفئات والقطاعات من التمثيل إذا لم تكن قادرة على خوض المنافسة الانتخابية أو بناء قوائم انتخابية قادرة على الفوز.
وهنا تظهر أهمية نظام الاختيار باعتباره أداة لاستكمال التمثيل الوطني وليس بديلاً عن الانتخابات؛ فالانتخاب يوفر الشرعية الشعبية، بينما يضمن الاختيار حضور القوى والفئات التي قد لا تعكسها النتائج الانتخابية بصورة كاملة.
الإبقاء على نسبة الحسم 1%: توسيع قاعدة التمثيل
ومن أبرز الدلالات السياسية للتعديل الإبقاء على نسبة الحسم عند 1%، وهو خيار يعكس توجهاً نحو الحفاظ على أوسع قاعدة ممكنة من التمثيل السياسي داخل المجلس التشريعي.
فرفع نسبة الحسم كان يمكن أن يؤدي إلى حصر التمثيل في القوى السياسية الكبرى، بينما يسمح الحد المنخفض بدخول قوى وقوائم أصغر، ويمنح شرائح اجتماعية وسياسية متعددة فرصة للتعبير عن نفسها داخل المؤسسة التشريعية.
وهذا الأمر يكتسب أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية، حيث تتعدد القوى والتيارات والمكونات السياسية والاجتماعية، وبالتالي فإن الهدف من الانتخابات لا ينبغي أن يكون فقط إنتاج أغلبية سياسية، وإنما أيضاً ضمان تعددية سياسية حقيقية ومنع احتكار التمثيل من قبل القوى الأكبر.
وبذلك، فإن الإبقاء على نسبة الحسم عند 1% يمكن قراءته باعتباره جزءاً من فلسفة أوسع تسعى إلى الجمع بين الشرعية الانتخابية والتمثيل التعددي، وإلى جعل المجلس التشريعي أكثر تعبيراً عن تنوع المجتمع السياسي الفلسطيني.
تخفيض سن الترشح: فتح المجال أمام جيل جديد
رغم أن التعديل لم يحدد كوته للشباب _ كما حدث مع المرأة- إلا إن تخفيض سن الترشح إلى 23 عاماً يأتي في الاتجاه نفسه، باعتباره محاولة لفتح المجال أمام جيل الشباب للمشاركة بصورة مباشرة في صناعة القرار السياسي والتشريعي.
فالشباب يمثلون شريحة واسعة من المجتمع الفلسطيني، وقد ظل حضورهم في مواقع صنع القرار أقل من حجمهم الديموغرافي والسياسي. ومن هنا، فإن تخفيض سن الترشح لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تعديل عمري، وإنما كرسالة سياسية تتعلق بـتجديد النخب السياسية وإدخال جيل جديد إلى المؤسسات المنتخبة.
كما أن إتاحة الترشح في سن مبكرة نسبياً يمكن أن تساهم في كسر احتكار الأجيال السياسية التقليدية للمواقع القيادية، وتوفير فرصة لتطوير قيادات شابة تمتلك القدرة على التعامل مع التحولات السياسية والاجتماعية والتكنولوجية التي يشهدها المجتمع الفلسطيني.
كوتة المرأة: التمثيل لا يترك دائماً للانتخابات وحدها
تخصيص كوتة للمرأة فيمثل بعداً آخر من فلسفة التعديل، يقوم على الاعتراف بأن المساواة القانونية في حق الترشح والانتخاب لا تؤدي بالضرورة، بصورة تلقائية، إلى مساواة فعلية في التمثيل.
فالمرأة الفلسطينية كانت شريكاً أساسياً في مختلف مراحل النضال الوطني والاجتماعي، ومن ثم فإن ضمان حضورها في المؤسسة التشريعية لا يمثل فقط قضية تتعلق بالعدالة والمساواة، بل يرتبط أيضاً بجودة التمثيل السياسي نفسه.
وتشكل الكوتة في هذا السياق آلية تصحيحية مؤقتة أو انتقالية يمكن أن تساعد على معالجة الفجوة بين المشاركة السياسية الواسعة للمرأة وبين حضورها في مواقع صنع القرار، بما يساهم في بناء خبرة سياسية وتشريعية نسائية يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى تمثيل طبيعي ومستدام من خلال المنافسة الانتخابية.
إعادة ترتيب العلاقة بين الشرعية والتمثيل
إذا جُمعت هذه العناصر معاً، فإن التعديل الأخير يبدو أقرب إلى محاولة لإعادة بناء معادلة التمثيل السياسي الفلسطيني على أساس ثلاث ركائز: الانتخاب، والتعددية، والتمثيل الوطني الشامل.
فتخفيض عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 132 عضواً يعيد ضبط حجم المؤسسة التشريعية وكلفتها، في حين يسمح نظام الاختيار بتوسيع دائرة التمثيل داخل المجلس الوطني.
أما الإبقاء على نسبة الحسم عند 1% فيحافظ على فرص القوى السياسية والاجتماعية الأصغر في الوصول إلى المجلس، بينما يفتح تخفيض سن الترشح المجال أمام الشباب، وتوفر كوتة المرأة ضمانة إضافية لتعزيز حضور النساء في المؤسسة التشريعية.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن التعديل لا يستهدف فقط إعادة توزيع المقاعد، وإنما يسعى إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الشرعية الانتخابية والتمثيل الوطني.
تصويب قواعد اللعبة السياسية
قد يكون أحد الأهداف السياسية غير المباشرة للتعديل هو معالجة إشكالية عدم تمثيل بعض القوى السياسية داخل المجلس الوطني، والحد من الاستقطاب الذي يمكن أن ينشأ إذا أصبح المجلس الوطني انعكاساً حصرياً لنتائج الانتخابات.
فالمجلس الوطني، بحكم وظيفته السياسية والوطنية، يحتاج إلى أن يكون أوسع من مجرد خريطة انتخابية تعكس موازين القوى في لحظة سياسية محددة. وهو بحاجة إلى أن يستوعب القوى والفصائل والتيارات والقطاعات المختلفة، بما يحافظ على طبيعته باعتباره مؤسسة وطنية جامعة.
ومن هنا، فإن الجمع بين الانتخاب والاختيار يمكن أن يوفر صيغة وسطية: لا تلغي الانتخابات ولا تنتقص من شرعيتها، لكنها في الوقت ذاته لا تجعل نتائج الانتخابات الآلية الوحيدة لتحديد كامل مكونات التمثيل الوطني.
التعديل باعتباره مدخلاً لتجديد الشرعيات
في المحصلة، يمكن قراءة التعديل الأخير لقانون الانتخابات باعتباره محاولة لإعادة ترتيب قواعد اللعبة السياسية الفلسطينية، بما يحقق قدراً أكبر من التوازن بين تجديد الشرعيات، والحفاظ على التعددية، وضمان التمثيل الوطني، وإدخال الأجيال الجديدة والنساء إلى عملية صنع القرار.
والتحدي الحقيقي لن يكون في نصوص القانون وحدها، وإنما في كيفية تطبيقها، وفي قدرة النظام السياسي الفلسطيني على تحويل الانتخابات المقبلة إلى مدخل لإعادة بناء الثقة بالمؤسسات وتجديد شرعيتها، وليس مجرد إعادة إنتاج الانقسام والاستقطاب.
فالانتخابات، في الحالة الفلسطينية، يجب ألا تكون غايتها فقط إنتاج مجلس تشريعي جديد، وإنما أن تكون جزءاً من مسار أوسع لإعادة بناء النظام السياسي وتجديد مؤسساته وشرعياته، وتوسيع المشاركة الوطنية، وتهيئة الظروف أمام إعادة توحيد المؤسسات الوطنية على أساس سياسي وديمقراطي جامع.
خلاصة القول: إن التعديل الأخير يمكن أن يشكل فرصة لإعادة تعريف قواعد التمثيل الفلسطيني: انتخابات تمنح الشرعية الشعبية، واختيار يحمي التمثيل الوطني، ونسبة حسم منخفضة تحافظ على التعددية، وكوتة تعزز مشاركة المرأة، وسن ترشح أصغر يفتح المجال أمام الشباب.
وهذه المعادلة، إذا أحسن تطبيقها، يمكن أن تجعل من العملية الانتخابية مدخلاً لتجديد الحياة السياسية الفلسطينية، بدلاً من أن تكون مجرد استحقاق قانوني دوري.




