يعد التقرير الأممي A/81/295 وثيقة مفصلية في السجل التاريخي لنزاع الصحراء المغربية، إذ يوثق بدقة تحولات الفترة ما بين يوليو 2025 ويوليو 2026، وتنبثق القيمة الاستثنائية لهذا التقرير من كونه المختبر التحليلي الأول لقياس مخرجات الالتزامات والمضامين التي أرساها القرار 2797، وهو القرار الذي أحدث قطيعة منهجية مع مقاربات خطة التسوية التقليدية التي استنفدت أغراضها، ليعيد توجيه مركز الثقل الدبلوماسي نحو مبادرة الحكم الذاتي بوصفها المرجعية الهيكلية والوحيدة لأي مسار تفاوضي مستقبلي.
يكشف التقرير الأممي في طياته عن تحول جذري في العقيدة الجيوسياسية لمجلس الأمن، متجاوزا الدور الوظيفي التقليدي لبعثة المينورسو من مجرد أداة تقنية لحفظ الوضع القائم إلى محرك استراتيجي لإعادة رسم تصور جدي للحل النهائي.
وتتجلى هذه الإزاحة النموذجية في تكريس مركزية مبادرة الحكم الذاتي كمرجعية ناظمة وحصرية للمسار التفاوضي، وهو ما يمثل تحولا عميقا في منظومة الأمم المتحدة التي انتقلت من دور الميسر الإجرائي الذي يقف على مسافة متساوية من خيارات متناقضة، إلى دور الموجه الاستراتيجي الذي يدفع بالأطراف نحو مخرج سياسي توافقي يتشكل عضويا تحت مظلة السيادة المغربية، واضعا بذلك حدا لحالة الجمود الحاد التي طبعت العقود الماضية.
ويترافق هذا التحول المؤسسي مع تفكيك معجمي صريح للغة خطط التسوية الكلاسيكية، حيث يوثق التقرير انحسارا دراماتيكيا لخيار الاستفتاء مقابل بزوغ لغة سياسية جديدة تتمحور حول مفاهيم الواقعية والاستدامة والتوافق البرغماتي.
إن هذا التآكل الممنهج لمصطلحات النزاع الصفرية يعكس إرادة دولية حاشدة لطي هذا الملف وفق مقاربة الربح المتبادل، مستبدلا القوالب القانونية الجامدة بمرونة ديبلوماسية ترى في مقترح الحكم الذاتي الصيغة الوحيدة القادرة على المزاوجة بين مقتضيات السلم الإقليمي والحقوق السيادية، وهو ما يمنح العملية السياسية مشروعية واقعية تقطع مع الأدبيات المتكلسة التي لم تعد تجد لها صدى في أروقة الشرعية الدولية المعاصرة.
يتبنى التقرير مقاربة تحليلية دقيقة لما يصفه بـ “الأعمال العدائية منخفضة الكثافة”، وهو اصطلاح ديبلوماسي يبطن خلفه تحولا جذريا في التوازن العسكري الميداني، إذ يوثق التقرير تكريس المغرب لتفوقه التكنولوجي عبر الاستخدام الممنهج للطائرات المسيرة والمنظومات الدفاعية المتطورة في مناطق استراتيجية كمنطقة ميجك.
هذا الإغلاق الاستراتيجي للمنطقة العازلة لم يعد مجرد تدبير دفاعي، بل تحول إلى بنية ردع دائمة تهدف إلى تحييد القدرة العملياتية لجبهة البوليساريو، وتحويل المناطق الواقعة شرق الجدار الرملي إلى مساحات عسكرية مغلقة يمنع فيها أي تحرك ميداني، مما يعزز من فرض واقع أمني صارم يجعل من أي محاولة لتغيير قواعد الاشتباك التقليدية أمرا عالي التكلفة ومحدود الأثر.
وفي منعطف أمني وسمه التقرير بالخطورة البالغة، تبرز واقعة استهداف المناطق الحضرية في السمارة كدليل على انزياح نوعي في تكتيكات النزاع، حيث انتقل الاستهداف من الحيز الجغرافي الخالي من السكان إلى المساس المباشر بالبيئة المدنية الآهلة.
فالقلق العميق الذي عبرت عنه البعثة الأممية حيال هذا التطور يتجاوز مجرد الإدانة الإجرائية، ليمثل توبيخا سياسيا وقانونيا ضمنيا للبوليساريو ومن ورائها الجزائر كأطراف متبنية ومحتضنة لهذا التصعيد، إذ اعتبر التقرير أن نقل الصراع إلى الحواضر السكنية لا يشكل انتهاكا للمواثيق الإنسانية فحسب، بل يمثل فعلا تقويضيا متعمدا للعملية السياسية برمتها، يسعى لفرض واقع ميداني متفجر يعطل مساعي التسوية التي يقودها المبعوث الشخصي ويجهض فرص التوافق الدبلوماسي.
وتتوج هذه القراءة برصد التناقض البنيوي الحاد بين الأدبيات القانونية لحق المقاومة التي تروج لها جبهة البوليساريو، وبين الالتزامات السياسية والتعاقدية التي يفرضها ميثاق الأمم المتحدة واتفاق وقف إطلاق النار، حيث يسجل التقرير تآكلا مستمرا في فاعلية آليات المراقبة الدولية أمام واقع أمني بات يوصف بالانهيار الفعلي والوجود السياسي.
ونخلص في هذا الصدد، إلى أن البعثة الأممية تجد نفسها اليوم في مأزق مؤسسي يتمثل في محاولة مراقبة تفاهمات قلقة يتم انتهاكها ميدانيا، في وقت تصر فيه الشرعية الدولية على التمسك بالشرعية السياسية لاتفاق 1991 كخيار وحيد لتفادي الانفجار الإقليمي الشامل، مما يجعل من الفجوة بين الخطاب الميداني المتصاعد والالتزامات الدولية المفروضة معضلة حقوقية وسياسية ترهق كاهل المسار الدبلوماسي المتعثر.
لا يمكن إغفال توثيق التقرير الأممي للانعطافة الجوهرية في التصور العام لحلحلة النزاع، حيث أضحت صيغة الموائد المستديرة الرباعية، بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، هي الإطار المؤسسي الوحيد والمكتمل الأركان الذي تقره الشرعية الدولية.
وتبرز في ثنايا الوثيقة إشارات متواترة تخرج الجزائر من حيز الطرف المهتم لتضعها في صلب المسؤولية السياسية كفاعل محوري لا يستقيم المسار التفاوضي دون انخراطه المباشر، وهو التوجه الذي تدفع به الولايات المتحدة الأمريكية بقوة بصفتها حاملة القلم، إذ لم يقتصر الدور الأمريكي في جولتي مدريد وواشنطن في السنة الحالية على الوساطة التقليدية، بل تجاوز ذلك إلى ممارسة قوة دفع حولت المسار من التبشير بالمبادئ العامة إلى التشريح الدقيق للتفاصيل المؤسسية لمبادرة الحكم الذاتي، واضعة بذلك خارطة طريق تقنية تتعلق بتقاسم السلطات وإدارة الموارد وبناء الهياكل الإدارية تحت السيادة المغربية.

ورغم هذا النضج الإجرائي الذي انتقل بالنزاع إلى عتبة الحلول التفصيلية، يسجل التقرير حالة من عدم التماثل التفاوضي التي تعيق الوصول إلى المخرجات النهائية.
فبينما استطاع المغرب ترجمة مبادرته إلى وثيقة رسمية ومؤسسية موسعة ومفصلة، لا تزال المواقف المقابلة متمترسة خلف قوالب الاستقلال الجامدة دون تقديم تصورات تقنية مضادة، مما أحدث فجوة معيارية بين العرض الواقعي المتمثل في الحكم الذاتي والمطلب النظري المتجاوز.
إن هذا التباين البنيوي هو ما يفسر الجمود في النتائج رغم الزخم في اللقاءات، حيث يواجه المبعوث الشخصي معضلة التوفيق بين طرف يتقدم بنص تفاوضي مكتمل وطرف آخر يكتفي بالرفض المبدئي، وهو ما يجعل العملية السياسية برمتها مرتهنة بمدى قدرة المجتمع الدولي على إقناع كافة الأطراف بالانتقال من مربع المناكفة الإيديولوجية إلى مربع التعاقد السياسي المبني على الواقعية والمصلحة الإقليمية المشتركة.
ليس من قبيل المحاباة التصريح بأن محور حقوق الإنسان في التقرير الأممي يواجه منزلقا منهجيا خطيرا يتمثل في ارتهانه الصارخ لروايات مفبركة محليا بتوجيهات وإشراف خارجي، تروج لها منظمات وجماعات عرفت، على مدى عقود، بعدائها الممنهج للمصالح العليا للمملكة المغربية ووحدتها الترابية، إذ يفتقر هذا الجزء من الوثيقة إلى أدنى معايير الاستقلالية والنزاهة العلمية من خلال اعتماده الأحادي على إفادات نشطاء سياسيين يتبنون الأجندة الانفصالية لجبهة البوليساريو.
إن إعادة تدوير هذه الادعاءات دون إخضاعها لمسطرة التحري الميداني الدقيق أو موازنتها بالمعطيات الرسمية والواقع التنموي والحقوقي المعاش، يحول التقرير من أداة رصد دولية محايدة إلى منصة للتشويش السياسي تفتقد للمصداقية العلمية والنزاهة الموضوعية التي تقتضيها مواثيق الأمم المتحدة في نقل المعلومات والتوثيق الرصين.
وفي ذات السياق، يبرز تسييس قضية أكديم إيزيك كنموذج صارخ لقلب الحقائق والقفز على المعطيات القضائية الثابتة، حيث يتم التغاضي عن الطبيعة الجرمية البشعة التي طالت عناصر القوات العمومية المغربية، مقابل تبني أطروحات التظلم السياسي التي صاغها أفراد يفتقرون لصفة الحياد ويتحركون بوحي من نزعات انفصالية راديكالية.
إن استناد التقرير لمزاعم التعذيب والاعتقال التعسفي بناء على تقارير لجان ومقررين يعتمدون في مدخلاتهم على شهود منحازين، يمثل انتكاسة في العمل الرقابي الدولي، إذ يتم تحويل ملفات قضائية استوفت شروط المحاكمة العادلة إلى قضايا رأي عام محلي ووطني ودولي، في محاولة بائسة للضغط على السيادة القضائية للمغرب وتجاوز المؤسسات الدستورية الوطنية التي أثبتت كفاءتها في معالجة الملفات الحقوقية بمهنية وشفافية يشهد بها الملاحظون الموضوعيون.
أما ما يروج له التقرير تحت مسمى “عشرية العزل الرقابي” أو “تضييق الفضاء المدني”، فهو ادعاء باطل يسعى لتكريس مفهوم الفجوة الرقابية كذريعة لانتهاك السيادة الوطنية، متجاهلا الدور المحوري والفعال الذي تقوم به اللجان الجهوية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان كآليات وطنية دستورية معترف بها دوليا في الرصد والتوثيق والانتصاف.
فالإصرار على استقاء المعلومات من نشطاء يأتمرون بأجندات خارجية معادية، مع إغفال الدينامية المدنية والحقوقية والقانونية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، يثبت أن هذه الفقرات ليست سوى انعكاس لارتهان إيديولوجي يسعى لخدمة أطروحة الانفصال عبر واجهة حقوقية.
وبناء عليه، فإن أي استنتاجات تبنى على هذه المنطلقات المنحازة تظل فاقدة لأي قيمة استدلالية وتفتقر لروح المسؤولية التي يجب أن تطبع التقارير الأممية الموجهة لصناعة القرار الدولي.
تتبنى الأمم المتحدة في مراجعتها الاستراتيجية لبعثة المينورسو مقاربة الحذر الوقائي، مفضلة الإبقاء على الهيكل الراهن للولاية لتفادي أي ارتدادات قد تربك المسار التفاوضي النشط، وهو توجه يكرس انتقال البعثة وظيفيا من تنظيم استفتاء بات متجاوزا، إلى صمام أمان لإدارة الأزمة والحفاظ على الاستقرار، بانتظار اختراق سياسي نوعي يعيد صياغة مهامها لتتواءم مع متطلبات مراقبة وتنفيذ استحقاقات الحكم الذاتي.
ويتوازى هذا الاستقرار الهيكلي مع هشاشة عملياتية في الميدان، حيث يربط التقرير التحسن النسبي في تدفق الإمدادات شرق الجدار الرملي بـتراخيص استثنائية تمنحها جبهة البوليساريو، مما يكشف عن ارتهان وظيفي للبعثة الأممية لإرادة وتوازنات القوى الميدانية.
ويظهر أن هذه التبعية الإجرائية لا تضع استقلالية البعثة على المحك فحسب، بل تبرز الفجوة القائمة بين التفويضات الدولية والممارسات الميدانية، مما يستوجب فك الارتباط بين انسيابية المهام الأممية وبين الإملاءات الطرفية لضمان فعالية الدور الدولي في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة.




