آراء
أخر الأخبار

الحياة المدرسية في المغرب: بين طموح الإصلاح وإكراهات الواقع المؤسسي

تختبر المدرسة صدقية أي مشروع مجتمعي أكثر مما تختبره الخطب والبرامج والوعود. ففي داخل أقسامها وساحاتها ومرافقها يتعلم الطفل، إلى جانب القراءة والحساب، كيف يعيش مع الآخر، وكيف يتحمل المسؤولية، وكيف يختلف ويحاور وينتمي إلى جماعة أوسع من أسرته.

ومن هنا لم تعد المدرسة الحديثة مجرد فضاء لتلقي المعارف، بل أضحت مؤسسة للتنشئة وبناء الشخصية وترسيخ قيم المواطنة والتسامح والمشاركة.

غير أن هذا التصور، على وضوحه في الخطاب التربوي المغربي، ما زال يجد صعوبة كبيرة في التحول إلى ممارسة يومية مستقرة داخل المؤسسات التعليمية.

لقد احتل مفهوم “الحياة المدرسية” موقعا متقدما في مشاريع إصلاح التعليم، خاصة مع الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 والقانون الإطار 51.17، باعتباره أحد المداخل الأساسية لتحسين جودة المدرسة وجعل المتعلم في صلب العملية التربوية.

غير أن الهوة بين النص والممارسة ما تزال واسعة؛ إذ تبدو الحياة المدرسية في مؤسسات كثيرة أقرب إلى أنشطة موسمية مرتبطة بالمناسبات، بدل أن تكون جزءا بنيويا من المشروع التربوي للمؤسسة.

أولى المعضلات تتصل بالإطار التنظيمي نفسه. فالحياة المدرسية تخضع لمجموعة متفرقة من القوانين والمراسيم والمذكرات والتوجيهات، دون إطار موحد يحدد بدقة مسؤوليات المتدخلين، وآليات التمويل، وشروط التقييم والاستمرارية.

وينتج عن هذا التشتت تفاوت كبير بين المؤسسات، إذ قد تتحول الأنشطة في مدرسة إلى ممارسة حيوية ومنظمة بفضل اجتهاد بعض الأطر، بينما تكاد تختفي في مدرسة أخرى لغياب المبادرة أو الموارد أو الوضوح التنظيمي.

ويزداد الأمر تعقيدا بفعل استمرار منطق المركزية في تدبير الشأن التربوي. فالمؤسسة التعليمية مطالبة بأن تكون فضاء للإبداع والمبادرة، لكنها تظل في حالات كثيرة مقيدة بتعليمات إدارية وإجراءات طويلة لا تترك لها هامشا كافيا للتحرك.

كما أن ضعف الميزانيات المخصصة للأنشطة الثقافية والفنية والرياضية يجعل كثيرا من المشاريع رهينة التطوع الشخصي أو الدعم العرضي لجمعيات الآباء والشركاء المحليين.

وتظهر الفوارق بشكل أكثر حدة عند الانتقال من المدن الكبرى إلى العالم القروي والمناطق الهامشية. فهناك مؤسسات تعاني نقصا في أبسط التجهيزات، فضلا عن افتقارها إلى القاعات المتخصصة والمكتبات والفضاءات الرياضية والنوادي. وهو واقع يجعل الحديث عن مدرسة منفتحة وجاذبة أمرا صعبا ما لم تواكبه عدالة حقيقية في توزيع الموارد.

أما الرهان الأكبر فيبقى بشريا. فالحياة المدرسية تحتاج إلى أطر مؤهلة في الدعم النفسي والاجتماعي، والوساطة، والتنشيط الثقافي والرياضي، ومواكبة المتعلمين.

غير أن هذه الوظائف لا تزال محدودة داخل كثير من المؤسسات، مما يضع الإدارة وهيئة التدريس أمام مهام متعددة تتجاوز أدوارهما الأصلية.

وحين يضاف إلى ذلك ضعف التحفيز وغياب الاعتراف المؤسسي بالمبادرات الناجحة، يصبح الحماس الفردي معرضا للتراجع مهما كانت قوة الالتزام.

الإصلاح الحقيقي يمر، لذلك، عبر الانتقال من منطق الأنشطة المتفرقة إلى مشروع متكامل للحياة المدرسية. ويقتضي ذلك منح المؤسسة استقلالية أوسع في التدبير، وتوفير موارد مالية واضحة، وإحداث وظائف متخصصة في التنشيط والمواكبة، مع تفعيل شراكات حقيقية مع الجماعات الترابية والمجتمع المدني والفاعلين الثقافيين والرياضيين، بعيدا عن المقاربات الظرفية.

كما أن المدرسة المغربية تحتاج إلى الاستفادة من التجارب الدولية التي جعلت رفاه المتعلم وصحته النفسية وإدماجه الاجتماعي جزءا من جودة التعليم، لا موضوعا ثانويا يأتي بعد المقررات والامتحانات.

إن إصلاح الحياة المدرسية لا يكتمل بإعادة ترتيب الجداول أو مضاعفة عدد الأنشطة، بل يبدأ من إعادة تعريف وظيفة المدرسة نفسها: هل نريدها فضاء لعبور المتعلم نحو الامتحان فقط، أم فضاء يتعلم فيه كيف يفكر ويشارك ويبدع ويتحمل المسؤولية؟ فكلما اتسعت مساحة المبادرة داخل المؤسسة، ووجد المتعلم من يصغي إليه ويواكبه، تحولت المدرسة من مكان يؤدي فيه واجبا يوميا إلى فضاء يصنع فيه جزءا من شخصيته ومستقبله.

ولهذا فإن الرهان على مدرسة مغربية أكثر جودة يمر حتما عبر حياة مدرسية حقيقية، دائمة ومندمجة في المشروع التربوي، لا عبر أنشطة موسمية تنتهي بانتهاء مناسبتها.

فالمستقبل لا يبنى بالمقررات وحدها، بل بما تزرعه المدرسة في الإنسان من ثقة وانتماء وقدرة على العيش مع الآخر.

وحين تصبح المدرسة مكانا يرغب الطفل في دخوله لا فضاء ينتظر لحظة مغادرته، يمكن عندها القول إن الإصلاح بدأ يلامس جوهره الحقيقي.

https://anbaaexpress.ma/o8cke

منير لكماني

مهندس مدني خبير في الإنشاءات والطاقة كاتب مغربي من ألمانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى