ترتفع حرارة السياسة، لكن الخطر لا يكمن في اشتداد الاختلاف بقدر ما يكمن في ضياع البوصلة. فالمجتمعات تحتاج إلى التنافس بين الأفكار والبرامج، لكنها لا تحتاج إلى حروب كلامية تستنزف المجال العام وتدفع بالمواطن إلى موقع المتفرج على خصومات لا يرى لها أثرا في حياته.
وعندما يصبح السؤال السياسي الأبرز هو: من يهزم من؟ بدل: من يقدم الأفضل؟ تكون السياسة قد بدأت تفقد وظيفتها الأساسية بوصفها تدبيرا للمصلحة العامة.
تشتد المعركة السياسية يوما بعد يوم، وتتسع دوائر التراشق، وتتبادل الأطراف الاتهامات والردود، فيما تستعاد ملفات قديمة وتستخرج عبارات من سياقاتها لتصبح ذخيرة في معارك جديدة.
ومع استمرار هذا الإيقاع، يتحول الخلاف من تنافس حول الخيارات إلى خصومة بين الأشخاص، ويصبح إسقاط المنافس أحيانا أكثر حضورا من إقناع المواطن.
وليس في الاختلاف السياسي ما يعيب، بل إن السياسة بلا اختلاف تتحول إلى فراغ. غير أن هناك مسافة واسعة بين خلاف ينتج أفكارا وتراشق ينتج ضغائن، وبين نقد يراقب الأداء وخطاب يجعل من التجريح بديلا عن الحجة.
فالسياسي الذي ينفق جهده في إضعاف خصمه أكثر مما ينفقه في فهم مشكلات المجتمع، يبتعد، من حيث يشعر أو لا يشعر، عن جوهر المسؤولية العامة.
والأخطر أن الخصومات الطويلة تخلق منطقها الخاص. تبدأ بسبب موقف أو قرار، ثم تتحول مع الزمن إلى ذاكرة متراكمة من الردود والإهانات، حتى يصبح اسم الخصم وحده كافيا لإشعال جولة جديدة.
عندئذ لا يعود النقاش حول الفكرة، بل حول صاحبها، ولا يعود الهدف تصحيح مسار، بل تسجيل نقطة في مواجهة لا تنتهي.
وقد عرفت الحياة السياسية والاجتماعية، قديما وحديثا، خصومات طال أمدها حتى انفصلت عن أسبابها الأولى. يبدأ الخلاف حول موقف أو قرار، ثم يتسع بفعل الردود المتبادلة وتراكم الحسابات، إلى أن تتحول الخصومة نفسها إلى غاية قائمة بذاتها.
عندها لا يعود الطرفان منشغلين بأصل القضية بقدر انشغالهما بإثبات التفوق على بعضهما، ويغدو التراجع صعبا لأن كل جولة جديدة تستدعي ما سبقها وتضيف إليه مزيدا من التوتر. وهكذا قد يبدأ الإنسان دفاعا عن فكرة، ثم ينتهي مدافعا عن خصومة لم يعد يعرف على وجه الدقة كيف بدأت ولا لماذا استمرت.
أما المسؤولية العامة، فتنتمي إلى منطق مختلف تماما. المنصب ليس غنيمة، ولا شهادة تفوق، ولا امتيازا يرفع صاحبه فوق الناس. إنه عبء أخلاقي وقانوني، وكل من يطلبه ينبغي أن يسأل نفسه قبل أن يسأل الآخرين: ماذا سأقدم؟ وهل أملك الكفاءة والقدرة والنزاهة التي تجعلني أهلا لهذه الأمانة؟
الأصل أن تقدم الإنسان أعماله إلى المسؤولية، وأن يقدمه الناس إليها ثقة في كفاءته وسيرته، لا أن تتحول حياته إلى مطاردة دائمة للمنصب. فثمة فرق بين طموح مشروع، وشهوة سلطة لا ترى في الموقع إلا وجاهة ونفوذا.
ولهذا لا يكون الخوف من المسؤولية ضعفا، بل قد يكون دليلا على يقظة الضمير. فمن يدرك أن قرارا واحدا قد يؤثر في مدرسة أو مستشفى أو مشروع أو رزق أسرة، لا يستطيع أن يتعامل مع السلطة بخفة. وتبدأ المسؤولية الحقيقية مع إدراك صاحبها ثقلها، لا مع الفرح بمزاياها.
ثم تأتي لحظة القسم. وهي ليست تفصيلا بروتوكوليا ولا كلمات تنتهي بانتهاء المراسم. القسم عهد، وقيمته الحقيقية تظهر بعد انطفاء الأضواء وابتعاد الكاميرات.
ويختبر الوفاء به عند تعارض المصلحة العامة مع الحساب الشخصي، أو عندما يكون القرار الصحيح أقل ربحا سياسيا، أو يصبح الضمير الحارس الأخير للمنصب.
السياسة التي يحتاجها المجتمع ليست سياسة الصوت الأعلى، بل سياسة العقل الأرجح. وليست سباقا في كشف عيوب المنافسين، بل تنافسا في تقديم الحلول. فالناس لا ينتظرون من السياسي أن يكون أبرع في الخصومة، بل أقدر على الخدمة.
وقد يربح السياسي معركة كلامية، وقد يهزم خصما، وقد يصل إلى منصب كان يطمح إليه طويلا، لكن كل ذلك يظل مؤقتا. فالمناصب تتغير، والتحالفات تتبدل، والخصومات تهدأ، والتصفيق ينتهي.
لا تحتفظ ذاكرة الناس بضجيج المعارك، ولا بعدد الخصوم الذين جرى إسكاتهم، بل بما تحقق فعلا تحت مسؤولية من تولى الشأن العام.
فالسؤال الأخير ليس: كم خصما هزمت؟
بل: ماذا أنجزت بعدما أصبحت الأمانة بين يديك؟
ذلك هو الفارق بين من شغل المنصب، ومن أدى واجبه بما يجعل حضوره في المسؤولية جديرا بالتقدير والذكر.




