آراء
أخر الأخبار

من صخب المنابر إلى سكينة الروح

حين نجد أنفسنا محاصرين بأصوات تدعي امتلاك مفاتيح السماء وتوزيع صكوك الغفران والوعيد في آن واحد، يدفعنا العقل المتأمل للبحث عن جدوى هذا الركام اللفظي الذي يغمر المدى دون أن يلامس شغاف الروح أو يروي عطش الحيرة.

إننا نقف اليوم أمام مشهد يختلط فيه الصياح بالغياب، وتضيع فيه ملامح الإيمان الحق خلف أقنعة التلقين، وهو ما يضعنا وجهاً لوجه أمام مفارقة الوجود التي تتأرجح بين خطاب يصرخ في الفراغ ونفس تموج بالأسئلة المكتومة.

فكيف يتحول الكلام المباح إلى أداة للصمت القاتل عن جوهر المعنى، وهل يمكن لذاك الغليان الداخلي أن يكون هو الطريق الأوحد نحو سكينة الله بعيداً عن وصاية البشر؟

حين تتأمل تلك الوجوه التي تعتلي المنابر وتغرق الشاشات بوعيد لا ينقطع، تدرك أن المسافة بين الروح وجوهر الإيمان قد اتسعت حتى صارت فجوة لا تردمها الصرخات، وأن ذاك اليقين الذي يوزعونه مجاناً قد تحول إلى نوع من الصمت الصاخب الذي يستغل الفراغ بكلمات مكررة تخلو من نبض الحياة، فهو خطاب يغمر المدى عويلاً وصخباً لكنه يسكت تماماً عن عطش الروح للحقيقة، وكأنه فراغ مغلف بالصوت وصمت مطبق يسكن في قلب العبارات الجاهزة التي لا تفتح أفقاً ولا تمنح سكينة.

وهنا تكمن إجابة سؤالنا الأول؛ إذ يتحول الكلام المباح إلى أداة للصمت القاتل حين يُستخدم لتغييب المعنى بدلاً من كشفه، وتصبح الأصوات العالية ستاراً يداري غياب الرؤية الحقيقية التي تلامس جوهر الوجود، مما يجعل من الواعظ مجرد صدى لآلية قديمة تعيد إنتاج الخوف بدلاً من بث الطمأنينة في القلوب الظمأى التي تبحث عن الجوهر خلف ركام الألفاظ الجوفاء.

على الجانب الآخر، نجد أنفسنا نعيش ذلك الصخب الصامت الذي يرافق كل من يحاول البحث عن الحقيقة بعيداً عن التلقين، حيث الجلبة ليست في الخارج بل في تلك العاصفة التي تدور في خلد الإنسان الباحث، زحام الأفكار وتصادم الأسئلة التي لا تجد لها صدى في المنابر المعتادة لكنها تهز كيان الفرد وتدفعه نحو مراجعة كل الثوابت بيقين هادئ، فهو غليان الوعي الذي يرفض الوصاية وقلق الروح الذي يفضل البحث الذاتي على الانصياع لقوالب جاهزة تُعرض كحقائق مطلقة، وفي هذا المواج نكتشف أن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ لكي توجد بل تحتاج إلى إنصات عميق لنبض الروح الذي يتجاوز كل الخطابات المعلبة، ليصبح هذا الزحام الداخلي المكتوم هو الطريق الأوحد والبوصلة الحقيقية نحو سكينة الله بعيداً عن جلبة الوسطاء الذين يتاجرون باليقين، مما يمنح الفرد بصيرة نافذة تترفع عن المزايدات وتنسج من الصمت سجادة صلاة ممتدة نحو أفق لا يحده نص بشري ضيق.

هذه المواجهة مع الخطاب المتداول ليست لعبة فكرية نمارسها للترف الأدبي أو لغة اصطلاحية ننمق بها تمرداً عابراً، بل رؤية عميقة تنبثق من تجربة صهرتها سنوات من مراقبة هذا الاستلاب الروحي، وهي رؤية تختلف مع كل تلك القناعات التي تحول الدين إلى مجرد طقوس وشكليات تفتقر للمعنى الجوهري، ومتى استبد بنا هذا الوعي ندرك أننا لم نعد نحتاج لمن يمارس علينا الوصاية الروحية بقدر ما نحتاج إلى فضاء حر يتسع لهذا الوجع الراقي الذي يسكننا في بحثنا الصادق عن الخالق بعيداً عن جلبة المخلوقين وتجارتهم باليقين الذي لا يغني من جوع المعنى شيئاً، فالحق أبهى من أن يُحصر في نبرة حادة، وأسمى من أن يُقيد في حنجرة تقتات على الترهيب.

وهنا يبرز اليقين البديل، ذاك الذي ينمو في تربة العزلة المختارة بعيداً عن وصاية حراس العقيدة، حيث نكتشف أن الله لا يُدرك بالصراخ بل بالهمس الوجداني وبالتأمل في تجليات الجمال التي تحيط بنا، ليكون هذا الإيمان الوجداني هو الملاذ الأخير والرحم الذي يولد منه إنسان جديد يرى في الوجود قصيدة صوفية لا تنتهي، ويجد في قلبه بوصلة تغنيه عن اتباع خطى التائهين في دروب التلقين العمياء.

فمهما حاول هؤلاء المشرعون للضمائر استعادة سلطتهم، فإنهم يكتشفون أن النضج الإنساني قد سلبهم تلك القدرة ليمنح للفرد بصيرة نافذة ترى في الإيمان رحلة ذاتية لا يحدها سطر ولا يغلقها قالب جاهز، ليبقى الفرق دائماً هو الفرق الجوهري بين الادعاء والتجربة، وبين خطاب يضج بالخواء وروح تكتنز بالمعنى المنساب في صمتها الرصين.

وإذا كان هذا الارتقاء بالوعي يضعنا في مواجهة حتمية مع السلطة التي تسعى لتدجين أرواحنا، فإنه في الوقت ذاته يفتح أمامنا دروباً غير مألوفة للتحرر والاتصال المطلق، لنبقى معلقين بين عالمين؛ عالم يطالبنا بالانصياع والعمى، وعالم ندخله بقلوبنا وحدها لنتلمس فيه ملامح الحق والجمال بعيداً عن فوضى الفتاوى.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه علينا ونحن نخطو نحو هذا المجهول المضيء: هل نحن مستعدون حقاً لدفع ضريبة هذه الحرية الروحية والعيش في صخبنا الصامت الذي قد لا يفهمه أحد سوانا، أم أن وحشة الغربة في هذا الوعي هي أقصى ما يمكن للإنسان تحمله في رحلته نحو الحقيقة؟

https://anbaaexpress.ma/1mcsv

عبدالله فضول

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى