“ما الحضارات إلا معلّقات كبرى، يكتب كلُّ شعبٍ بيتاً منها، ثم تأتي الإنسانية لتجمعها في ديوانٍ واحد”.
لا أزال أشعر بقشعريرةٍ تسري في جسدي النحيل، لم تفارقني منذ قرأت عن الحي اللاتيني في “مدينة الجن والملائكة” ضمن كتاب “أيام” لطه حسين.
فمنذ أن راودتني آلهةُ الترحال إلى ألمانيا، وقبل أن تطأ قدماي ضفاف البودِنسي (بحيرة كونستانس)، كانت تلك القشعريرة تتسلل إلى أعماقي وكأنها نذيرُ تحوّلٍ جديد في حياتي.
شعرتُ وكأنني “عصفورٌ من الشرق”، تملؤه رهبةُ الخطوة التالية، وتحثّه على المضي قدماً، فأستعين حينها بكرامات الأولياء ودعاء والدتي النيليّ المقدّس.
وهكذا، أخيراً، “دخلت على حورية الجنوب وبنيت بها”، مُلقياً عصاي، كما دخل طه حسين عالم مونتمارتر والشانزليزيه وحي نوتردام دي باري؛ بقلبٍ يفيض دهشةً، وعينين تبحثان في كل لمحةٍ ونَفَسٍ عن آفاقٍ جديدة ورؤى لم تُعش بعد.
لم تكن تلك الدهشة وليدة تلك البقعة وحدها، بل كانت، على الأرجح، بداية اكتشاف عالمٍ لم أكن أتخيّل سعته وامتداده. فقبل قدومي إلى جامعة كونستانس لتعلّم اللغة الألمانية، بغرض الدراسة والبحث، لم أكن أعلم أن وراء هذه اللغة التي جئت أبحث عن مفاتيحها عالماً هائلاً من الشغف العلمي؛ عالماً أبدع فيه الأكاديميون الألمان في دراسة الشرق، وأدب الرحلات، وصناعة المعاجم، وتوثيق اللهجات العربية، وتحقيق المخطوطات، والغوص في أعماق الآداب الشرقية والفلسفات التي ساهمت في تشكيل جزءٍ مهم من ذاكرة الإنسانية.
انفتح أمام ذلك الشاب الطموح القادم من الجنوب بابٌ جديد، لم يكن يتوقع يوماً مدى اتساعه. أتيتُ إلى هذه البلاد التي “تموت من البرد حيتانها”، كما وصفها الأديب السوداني الطيب صالح في رائعته “موسم الهجرة إلى الشمال”، أبحث عن لسان العم غوته، وعن الدروب التي سلكها ذلك الرحالة في عوالم الفكر والشعر، لا يلوي على شيء إلا الاغتراف من معين الشرق، والنهل من ينابيع حضاراته وآدابه.
فإذا بي أجد خلف اللغة عالماً آخر؛ عالماً من الجسور الممتدة بين الشرق والغرب، بين بغداد ودمشق وفارس والأندلس من جهة، وبرلين وفايمار وكونستانس من جهة أخرى. وهناك أدركت عمق مقولة الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين: “حدود لغتي هي حدود عالمي”.
ومنذ ذلك الحين استقرت في نفسي حكمة طالما آمنت بها: أحمل وطني وهويتي كظلي؛ “من نسي قديمه تاه”. فقد أدركت أن الحضارات لا تعيش في جزرٍ منفصلة، ولا تزدهر خلف الأسوار، بل هي أنهارٌ متعددة تصب جميعها في بحر الإنسانية الواحد.
ولن نبني مستقبلاً راسخاً ما لم نحافظ على جذورنا، وننفتح في الوقت ذاته على العالم؛ فالحوار بين الحضارات ليس تنازلاً عن الهوية، بل هو الطريق إلى اكتشافٍ أعمق لذواتنا وللآخر.
ومن هنا بدأ فضولي يتجه نحو سؤالٍ أوسع: كيف نظر هذا البلد إلى الشرق؟ وكيف تشكّل هذا الإرث الطويل من المعرفة والتواصل بين الثقافات؟
ألمانيا والشرق.. رحلة معرفية بين الثقافات
أما المدرسة الألمانية في دراسة الشرق، فذلك بابٌ واسع لا ينتهي الحديث عنه. فقد أفنى علماء ألمان أعمارهم في تعلم العربية والفارسية والتركية، ووضع المعاجم، وتحقيق المخطوطات، وتسجيل الرحلات التي حفظت صوراً دقيقة عن بلاد العرب والإسلام.
وقد جعلني هذا الإرث أرى ألمانيا لا بوصفها بلد الفلسفة والموسيقى والعلوم فحسب، بل بلداً حمل أيضاً شغفاً عميقاً بمعرفة الآخر، والاقتراب من ثقافاته ولغاته وآدابه.
غوته وحافظ.. حوار شعري عبر الزمن
في قلب هذا الإرث المعرفي والثقافي، يبرز اسم يوهان فولفغانغ فون غوته (1749–1832)، شاعر ألمانيا الأكبر، وصاحب الرؤية الإنسانية التي تجاوزت حدود القومية والجغرافيا. فعندما يُذكر غوته في الغرب، يحضر مباشرة اسما “فاوست” و”آلام فرتر”، أما عمله العظيم “الديوان الغربي الشرقي” (West-östlicher Divan)، الصادر عام 1819، فرغم قيمته الأدبية والفكرية الفريدة، فإنه لم يحظَ في الوعي العام بالمكانة التي تليق به.
وهنا تكمن المفارقة؛ فهذا الديوان، الذي يمثل إحدى أكثر لحظات غوته انفتاحاً على العالم، ليس مجرد مجموعة قصائد عن الشرق، بل هو حوارٌ شعري عميق وشفاف بين ثقافتين، ومحاولة نادرة لرؤية الآخر بعيداً عن الصور النمطية، من خلال المعرفة والاحترام والإعجاب.
لم يرَ غوته في حافظ شاعراً شرقياً غريباً، بل رأى فيه أخاً في الشعر، ورفيقاً في رحلة البحث عن الجمال والحكمة ومعنى الوجود. كان اللقاء بين شاعرٍ فارسي من شيراز وشاعرٍ ألماني من فايمار لقاءً يتجاوز حدود الزمن والجغرافيا.
فقد وصل غوته إلى شعر حافظ عبر ترجمات جوزيف فون هامر-بورغشتال (1774–1856)، الذي قدّم له نصوصاً من ديوان حافظ، فأنس غوته بها وأُعجب بروحها الصوفية.
وفي “الديوان الغربي الشرقي” أثبت غوته أن الكلمة الصادقة لا تعرف حدود اللغة ولا قيود المكان. وفي قصيدته “الحنين المبارك” (Selige Sehnsucht)، يكتب: “من يعرف نفسه والآخر، فله شرق وغرب، ومن يفهم نفسه يعرف الآخر أيضاً”.
لم تكن عبقرية غوته مقتصرة على نقل صور الشرق إلى الأدب الألماني فحسب، بل تجلت في قدرته على التقاط جوهره الإنساني. فقد بحث في الشرق عن الإنسان قبل أن يبحث عن المادة الأدبية، ورأى في شعر حافظ ذلك التآلف العجيب بين الحب والجمال والحكمة، وبين نشوة الحياة وتأمل أعماقها.
ولم يكن هذا اللقاء بين الشرق والغرب حدثاً منفصلاً عن التاريخ؛ فقد كانت الأندلس جسراً عظيماً عبرت من خلاله المعارف والآداب العربية إلى أوروبا، وساهمت الموشحات والأزجال في إثراء التجربة الشعرية الأوروبية، كما كان شعراء التروبادور في جنوب فرنسا جزءاً من ذلك التفاعل الثقافي الطويل بين ضفتي المتوسط.
غوته والشعر.. جسرٌ بين الحضارات
إن رسالة غوته اليوم تبدو أكثر حضوراً من أي وقت مضى. ففي عالمٍ تتصاعد فيه أحياناً أصوات الخوف والانغلاق والانقسام، يبقى الأدب قادراً على تذكيرنا بأن الآخر ليس تهديداً، بل نافذة نطل منها على جانبٍ آخر من إنسانيتنا.
فمن حافظ إلى غوته، ومن شيراز إلى فايمار، ظل الشعر شاهداً على أن الأرواح قادرة على اللقاء، رغم اختلاف اللغات والأزمنة والأمكنة. ولهذا يبقى “الديوان الغربي الشرقي” أكثر من مجرد عملٍ أدبي في تاريخ الشعر العالمي؛ إنه رسالةٌ مفتوحة إلى المستقبل، وقصيدةٌ كبرى تقول لنا إن الشرق والغرب ليسا خطين متوازيين لا يلتقيان، بل بيتا شعرٍ يلتقيان في بحر الإنسانية الواحد.




