مجتمع
أخر الأخبار

بيان تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية.. بمناسبة الاحتفال باليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري

بمناسبة الاحتفال باليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الذي تصادفه الأسرة الدولية في 30 غشت من كل سنة، يجدد تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية تضامنه الكامل مع جميع ضحايا الاختفاء القسري وأسرهم أينما كانوا، ويؤكد التزامه الراسخ بالدفاع عن الحق في معرفة الحقيقة وجبر الضرر وعدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، باعتبارها ركائز أساسية لأي مسلسل مصالحة وطنية حقيقية وشاملة.

ولا يفوت التحالف، في هذه المناسبة، أن يستحضر المسار الرائد الذي راكمته المملكة المغربية على مدى العقدين الأخيرين في مجال العدالة الانتقالية، منذ إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004 وما تلاها من كشف عن الحقيقة والاعتراف الرسمي بالمسؤولية وجبر الضرر الفردي والجماعي، إلى جانب ترسيخ آليات مؤسساتية دائمة كالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وانفتاح متواصل على الآليات الأممية التعاقدية وغير التعاقدية ذات الصلة، بما يجعل من هذه التجربة نموذجا يحتذى في طي ملفات الماضي.

غير أن هذا المسار يظل منقوصا ما دامت مصائر عدد من الأشخاص الصحراويين المحتجزين في مخيمات تندوف بالجزائر مجهولة إلى اليوم، ومن بينهم حالة المستشار الخليل أحمد ابريه التي تختزل معاناة أسر لا تزال تنتظر الحقيقة عن مصير ذويها منذ عقود، وهو ما يدفع التحالف إلى تجديد التذكير بالنداءات المتكررة الصادرة عن آليات الأمم المتحدة، التعاقدية منها وغير التعاقدية، والداعية إلى انخراط جدي وفعلي من الدولة المضيفة لمخيمات تندوف في مسار الكشف عن مصير المختفين قسرا من الصحراويين.

ويكتسي هذا المطلب راهنية خاصة في ظل المؤشرات المتزايدة على اقتراب التوصل إلى حل سياسي دائم للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي لقراره رقم 2797 الذي كرس مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا مرجعيا لأي تسوية نهائية، ذلك أن نجاح أي مسار للتسوية السياسية لا يمكن أن يكتمل دون معالجة جادة وصادقة لهذا الملف الإنساني العالق.

عدالة منجزة في الرباط.. وحقيقة منتظرة في تندوف

لقد راكمت المملكة المغربية، على مدى العقدين الأخيرين، تجربة فريدة في مجال العدالة الانتقالية تعد من بين التجارب الرائدة إقليميا ودوليا. فمنذ إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004، انخرطت الدولة المغربية في مسلسل جريء لطي ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتبطة بسنوات الاعتقال السياسي والاختفاء القسري، عبر الكشف عن الحقيقة بخصوص مئات الحالات، والاعتراف الرسمي بالمسؤولية، وتقديم الاعتذار للضحايا وذويهم؛ وقد توج هذا المسار بإحداث آليات مؤسساتية دائمة، في مقدمتها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، لضمان استمرارية الجهود المتعلقة بجبر الضرر الفردي والجماعي وإعادة الاعتبار للضحايا وصون الذاكرة.

وقد اقترن هذا المسار بإصلاحات تشريعية ومؤسساتية عميقة هدفت إلى ترسيخ دولة الحق والقانون وتعزيز الضمانات الدستورية لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، كما واصلت المملكة في السياق ذاته، تفاعلها الإيجابي والمنفتح مع الآليات الأممية التعاقدية وغير التعاقدية ذات الصلة، بما في ذلك الفريق الأممي العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي، من خلال تقديم التقارير الدورية، واستقبال الزيارات الميدانية، ومتابعة التوصيات الصادرة، في التزام واضح بمبادئ الشفافية والمساءلة.

وعلى الرغم من الرمزية الحقوقية التي يجسدها هذا المسار الرائد، إلا أنه ظل رهين فجوة إنسانية عميقة تتجسد في استمرار الغموض الذي يلف مصائر العديد من الأشخاص الصحراويين المغيبين في مخيمات تندوف فوق الأراضي الجزائرية.

فالحالة الممتدة من التغييب القسري لا تمثل مجرد أرقام في سجلات مراكز البوليساريو للاحتجاز غير النظامية، بل هي جرح نازف في جوهر العدالة الانتقالية، تبرز من خلاله حالة المستشار الخليل أحمد بريه كشاهد حي على استدامة الانتهاك الصامت الذي يصادر حق العائلات في معرفة الحقيقة ويعطل آليات الإنصاف التاريخي.

إن بقاء هذه الملفات عالقة في ردهات النسيان منذ عقود، يضع المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية لمواجهة سياسة الإفلات من العقاب التي تكرسها ظروف الاحتجاز في تلك المخيمات.

فما لم يتم جلاء مصير كافة الضحايا ووضع حد لمعاناة الأسر التي تعيش حالة انتظار أزلي لبارقة حقيقة، سيبقى أي مجهود لطي ملف الماضي منقوصا من الناحية المعيارية، ومفتقرا للشمولية الإنسانية التي تقتضي ألا يستثنى أي ضحية من حق استعادة الهوية والمكانة في الذاكرة الجمعية.

وإن تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، إذ يذكر بالنداءات المتكررة الصادرة عن آليات الأمم المتحدة، التعاقدية منها وغير التعاقدية، والتي دعت الدولة المضيفة لمخيمات تندوف إلى الانخراط الجاد والفعلي في مسار الكشف عن مصير المختفين قسرا من الصحراويين، والسماح بزيارات مستقلة ومحايدة للمخيمات، وفتح تحقيقات نزيهة وشفافة في هذه الملفات، يجدد دعوته العاجلة إلى تحمل المسؤولية الدولية الكاملة في هذا الشأن، باعتبار ذلك التزاما قانونيا وأخلاقيا لا يقبل التأجيل، وشرطا لا غنى عنه لاستكمال مسار العدالة والمصالحة في المنطقة برمتها.

لحظة مفصلية في مسار تسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية

يأتي هذا الاحتفال في سياق دولي دقيق ومتميز، تعكسه المؤشرات المتزايدة على اقتراب التوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، لا سيما بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي لقراره رقم 2797، الذي كرس مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس المرجعي الجدي والواقعي لأي تسوية نهائية للنزاع.

وإن تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية يعتبر أن نجاح أي مسار للتسوية السياسية لا يمكن أن يكتمل دون معالجة الملفات الإنسانية العالقة، وفي مقدمتها ملف الأشخاص مجهولي المصير في مخيمات تندوف، بما يستوجب انخراطا جادا وصادقا من كافة الأطراف المعنية، وفي مقدمتها الدولة المضيفة، لطي هذا الملف الإنساني بشكل نهائي، بما ينسجم مع روح المصالحة والانفتاح التي يجسدها المسار المغربي.

إن تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، وهو يستحضر في هذا اليوم معاناة كل ضحايا الاختفاء القسري وأسرهم، يدعو إلى:

  1. تفعيل عاجل وفعلي لتوصيات آليات الأمم المتحدة المعنية بشأن الكشف عن مصير المختفين قسرا في مخيمات تندوف.
  2. فتح المخيمات أمام بعثات مستقلة ومحايدة للتحقيق في حالات الاختفاء القسري وتوثيقها بشفافية.
  3. ضمان حق الأسر الصحراوية في معرفة الحقيقة الكاملة عن مصير ذويها، تماشيا مع القانون الدولي الإنساني ومواثيق حقوق الإنسان.
  4. مواصلة دعم المسار المغربي الرائد في العدالة الانتقالية وتعميم تجربته كنموذج يحتذى في معالجة ملفات الماضي.
  5. اغتنام الزخم السياسي الحالي المتمخض عن قرار مجلس الأمن رقم 2797 لطي كافة الملفات الإنسانية العالقة في سياق تسوية شاملة ونهائية للنزاع.

إن تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية يجدد التأكيد على أن لا مصالحة حقيقية ولا استقرارا دائما في المنطقة دون طي هذا الملف الإنساني المؤلم بشكل كامل ونهائي، وأن الاحتفال بهذا اليوم العالمي هو فرصة لتذكير الجميع بواجب العمل المشترك من أجل انتصار الحقيقة والعدالة وكرامة الإنسان.

العيون – تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية

https://anbaaexpress.ma/8qgaw

عبد الوهاب الكاين

رئيس منظمة أفريكا ووتش Africa Watch كاتب صحفي وباحث في حقوق الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى