أفريقيامجتمع

أزمة الأجور تتسع في ليبيا.. وتضع المالية العامة أمام اختبار صعب

تتسع في ليبيا دائرة الاحتجاجات المطالبة بزيادة الرواتب وتسوية المستحقات المالية، بعدما انتقلت من قطاع التعليم إلى الصحة والجامعات والمتقاعدين، في وقت تواجه فيه المالية العامة ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع فاتورة الأجور واستمرار اعتماد الدولة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية.

ودخل معلمون في اعتصامات احتجاجية للمطالبة بتحسين أوضاعهم المالية والوظيفية وتسوية المستحقات المتأخرة، بينما بدأت مطالب مماثلة تظهر في قطاعات أخرى.

وأفادت وكالة الأنباء الليبية بأن نقابة معلمي طرابلس تحدثت عن سنوات من المطالب والانتظار، وسط مخاوف من اتساع نطاق التحركات.

ولم تقتصر المطالب على التعليم، إذ امتدت إلى العاملين في القطاع الصحي وأساتذة الجامعات والمتقاعدين، الذين يطالبون بدورهم بتحسين أوضاعهم المالية وتسوية المستحقات، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

وتأتي هذه التحركات في وقت أظهرت فيه بيانات مصرف ليبيا المركزي حجم الضغط الذي تمثله فاتورة الأجور على الإنفاق العام.

فقد بلغ الإنفاق الحكومي خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 نحو 68.61 مليار دينار، استحوذ منها بند المرتبات على 46.9 مليار دينار، من دون احتساب مرتبات غشت، فيما بلغت النفقات التسييرية 9 مليارات دينار والدعم 11.8 ملياراً، مقابل نحو 912.8 مليون دينار فقط للتنمية.

وتكشف هذه الأرقام عن الوزن الكبير للرواتب داخل الإنفاق العام، في وقت بلغ فيه عدد موظفي القطاع العام المسجلين في منظومة «راتبك لحظي» نحو 1.75 مليون موظف حتى أغسطس، من إجمالي يقدّر بنحو 2.2 مليون موظف وفق بيانات المصرف المركزي.

وتزداد حساسية الملف مع اعتماد المالية العامة على النفط. فقد سجلت الإيرادات العامة خلال الفترة نفسها نحو 98.98 مليار دينار، بينها 80.8 مليار دينار من مبيعات النفط و15.3 ملياراً من الإتاوات النفطية، مقابل نحو ملياري دينار من الضرائب.

وتعني هذه التركيبة أن أي زيادات مستمرة في الرواتب والعلاوات ترتبط بدرجة كبيرة باستقرار الإيرادات النفطية، في اقتصاد يمكن أن تتأثر موارده بسرعة بأي اضطراب سياسي أو أمني ينعكس على إنتاج النفط أو تدفقاته.

وفي مؤشر على استمرار معالجة ملف الأجور، بحث محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، الاثنين، مع وزير المالية ورئيس ديوان المحاسبة جدول المرتبات الموحد ومنظومة «راتبك لحظي»، إلى جانب إجراءات تهدف إلى ضبط الإنفاق وتعزيز الاستدامة المالية.

وتضع هذه المعطيات السلطات أمام معادلة صعبة: فعدم الاستجابة للمطالب قد يؤدي إلى اتساع الاحتجاجات وتعطيل خدمات أساسية، بينما تعني الزيادات الشاملة في الأجور إضافة التزامات مالية دائمة إلى ميزانية تعتمد بدرجة كبيرة على مورد نفطي متقلب.

وبذلك لم تعد أزمة الرواتب في ليبيا مجرد مطالب قطاعية متفرقة، بل تحولت إلى ملف اقتصادي واجتماعي واسع، يتقاطع فيه مستوى دخل الموظفين مع قدرة الدولة على تمويل الإنفاق العام والحفاظ على الخدمات والاستثمار.

وبينما تبدو زيادة الأجور مطلباً مطروحاً بقوة من قطاعات واسعة، فإن استدامتها تبقى مرتبطة بقدرة المالية العامة على توفير موارد مستقرة تتجاوز الاعتماد المفرط على النفط.

https://anbaaexpress.ma/y38tn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى