من أكثر الأفكار رسوخًا في الوعي الإسلامي أن التوراة والإنجيل قد تعرضا للتحريف، حتى أصبح هذا القول يبدو وكأنه حقيقة قرآنية لا تقبل النقاش.
غير أن العودة إلى القرآن نفسه تضعنا أمام مفارقة فكرية تستحق التأمل: إذا كانت الكتب السابقة قد حُرِّفت بالفعل قبل نزول القرآن، فلماذا لم يأمر القرآن أهل الكتاب بتركها؟ ولماذا لم يقل لهم إن المرجعية الوحيدة أصبحت القرآن؟ بل لماذا دعاهم، على العكس من ذلك، إلى الاحتكام إلى كتبهم؟
ليس هذا السؤال استفزازًا للدين، بل هو استفزاز للعقل الذي اعتاد أن يكرر ما ورثه دون أن يعيد النظر في النص المؤسس نفسه. فالقرآن يقول: ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله﴾.
والآية لا تتحدث عن توراة مفقودة، ولا عن نسخة محفوظة في السماء، وإنما عن التوراة التي كانت بين أيدي اليهود في زمن النبي. ولو كانت تلك التوراة قد فقدت حقيقتها وتحولت إلى كتاب محرّف بالكامل، لما كان لوصفها بأنها “فيها حكم الله” أي معنى.
ثم تأتي آية أخرى أكثر وضوحًا: ﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم﴾.
فكيف يمكن أن يطالبهم القرآن بإقامة كتاب لم يعد صالحًا؟ وكيف يجعل إقامة التوراة والإنجيل شرطًا لصحة موقفهم الديني إذا كانا قد فقدا قيمتهما بسبب التحريف؟ إن المنطق البسيط يقول إن الله لا يأمر الناس بالاحتكام إلى كتاب باطل، ولا يجعل الهداية مرتبطة بكتاب لم يعد يحمل من الوحي شيئًا.
والأكثر إثارة أن القرآن نفسه يصف التوراة بأنها هدى ونور، ويصف الإنجيل أيضًا بأنه هدى ونور. ولو كان المقصود مجرد الحديث عن النسخة الأصلية التي لم تعد موجودة، لكان السياق مختلفًا، لكن الخطاب القرآني موجه إلى جماعات كانت تمتلك هذه الكتب وتقرأها وتحتكم إليها.
صحيح أن القرآن يتحدث عن التحريف، لكنه لا يستخدم لغة واحدة في جميع المواضع. فهو يتحدث عن قوم يحرفون الكلم عن مواضعه، ويتحدث عن قوم يكتمون بعض ما أنزل الله، ويتحدث عن آخرين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله.
وهذه التعبيرات لا تؤدي بالضرورة إلى نتيجة واحدة، وهي أن النصوص كلها قد تبدلت. فالتحريف قد يكون تحريفًا في الفهم، أو في التأويل، أو في النقل الجزئي، أو في الكتمان، أو في نسبة نصوص جديدة إلى الله، دون أن يعني ذلك زوال النص الأصلي كله.
إن الفرق بين تحريف النص وتحريف قراءته فرق جوهري. فقد يبقى النص كما هو، بينما تتحول دلالته تحت سلطة رجال الدين، فيصبح الناس أسرى للتفسير لا للنص. وهذا النوع من التحريف أخطر من تغيير الكلمات، لأن النص يبقى حاضرًا بينما يغيب معناه الحقيقي.
وربما لهذا ركز القرآن مرارًا على الكتمان واللبس والتأويل أكثر من تركيزه على القول إن الكتب نفسها اختفت أو تبدلت بالكامل.
ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا أصبح مفهوم التحريف في الثقافة الإسلامية أوسع بكثير مما يبدو عليه في القرآن؟ وكيف انتقلنا من الحديث عن تحريف يمارسه بعض أهل الكتاب إلى الاعتقاد بأن جميع نصوص التوراة والإنجيل قد فسدت ولم يعد لها أي اعتبار؟ هل جاء هذا التصور من القرآن نفسه، أم أنه تشكل لاحقًا في سياق المناظرات العقدية بين المسلمين واليهود والمسيحيين، حيث أصبح نفي صحة كتب الآخر جزءًا من الدفاع عن صحة العقيدة؟
إن التراث الإسلامي، مهما بلغت قيمته، يظل اجتهادًا بشريًا، بينما يبقى القرآن هو المرجع الأول. ولذلك فإن من حق الباحث أن يعود إلى النص القرآني مباشرة، وأن يسأل: هل يقول القرآن فعلًا إن التوراة والإنجيل قد حُرِّفا تحريفًا كاملًا قبل الإسلام؟ أم أنه يتحدث عن صور متعددة من الانحراف البشري في التعامل مع الوحي، مع بقاء أصل الهداية في تلك الكتب؟
إن إعادة طرح هذا السؤال ليست محاولة لهدم العقائد، وإنما محاولة لتحرير القراءة من سلطة التكرار. فالحضارات لا تتقدم حين تكرر ما قاله السابقون، بل حين تمتلك شجاعة إعادة قراءة النصوص المؤسسة بعقل مفتوح ومنهج نقدي.
ولعل أعظم ما يمكن أن يقدمه الباحث للنص الديني ليس الدفاع عنه بترديد الموروث، بل الدفاع عنه بإعادته إلى مركز النقاش. فالقرآن لا يخشى السؤال، بل يدعو إليه.
أما الذي يخشى السؤال فهو غالبًا التفسير، لا النص. وبين قداسة الوحي وقداسة التأويل مسافة واسعة، وما لم نتعلم التفريق بينهما، فسنبقى نقرأ القرآن بعيون التراث، بدل أن نقرأ التراث في ضوء القرآن.




