عودتنا إلى مقالنا السابق المعنون “انتخابات 2026.. عودة التماسيح وسماسرة المقاعد إلى الواجهة“، والذي أكدنا فيه أن المواطن اليوم لا يبحث عن تمساح أقوى أو حمار أكثر ضجيجًا، بل عن مسؤول يمتلك الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة الوطن، لم تكن من باب الإثارة، بل كانت قراءة لواقع سياسي يتكرر مع كل محطة انتخابية.
ولعل ما شهدته الجزائر في الانتخابات التشريعية الأخيرة خير دليل على عمق أزمة الثقة بين المواطن والطبقة السياسية، بعدما سجلت الانتخابات أدنى نسبة مشاركة منذ استقلال البلاد، في مشهد اعتبره مراقبون انعكاسًا لحالة من الإحباط وتراجع الثقة.
وأعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 20.79 في المائة من أصل نحو 24 مليون ناخب، وهو مؤشر يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل المشاركة السياسية في المنطقة، بالتزامن مع اقتراب المغرب من استحقاقات انتخابية جديدة تعيد إلى الواجهة السؤال نفسه: هل يتغير المشهد، أم تتكرر الوجوه والشعارات ذاتها؟
فمع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يعود المشهد نفسه، وتظهر الوجوه ذاتها، وتُبعث الوعود نفسها، وكأن الزمن توقف عند شعار واحد: “داوي خاوي”.
لقد تحولت هذه الظاهرة إلى ثقافة سياسية لدى فئة لا يهمها الإصلاح ولا خدمة المواطنين، بقدر ما يهمها الوصول إلى المناصب والمكاسب.
إنها سياسة تقوم على الكلام المنمق، والشعارات البراقة، والتسويق للوهم، بينما يكشف الواقع عن تحالفات مصلحية مع المفسدين وتجار الأزمات، ممن جعلوا من المحطات الانتخابية مواسم للاسترزاق السياسي.
ولم يعد غريبًا أن نرى أشخاصًا نعرف ماضيهم وحاضرهم، يقدمون أنفسهم اليوم في ثوب المنقذين، بعدما انتظروا اللحظة المناسبة للعودة إلى الواجهة.
فالمهم بالنسبة إليهم ليس المصلحة العامة، وإنما اقتناص الفرصة، ولو كان الثمن إعادة إنتاج الفشل نفسه.
واليوم، وقبل الانطلاق الرسمي للحملة الانتخابية، بدأت حملات سابقة لأوانها يقودها من يرفعون شعار التغيير، بينما لم ينجحوا حتى في تغيير أساليبهم أو مراجعة مواقفهم. وجوه تتحدث عن الإصلاح، لكنها جزء من الأزمة، وتعد بالتنمية، بينما لا يحمل سجلها سوى المزيد من الإخفاقات.
وإذا كانت الجزائر قد بعثت برسالة سياسية من خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، بعدما سجلت نسبة مشاركة متدنية عكست أزمة ثقة بين المواطن والفاعل السياسي، فإن المغرب يقف بدوره على أعتاب استحقاقات انتخابية تثير أكثر من علامة استفهام.
وللإشارة، فقد أصبح المشهد مألوفًا، التماسيح تعود، وسماسرة المقاعد يتحركون، وأصحاب الوعود الكاذبة يستعدون لجولة جديدة من الخطابات الرنانة، بينما تواصل بعض المنابر الإعلامية، التي أصبحت رهينة لمصالح مموليها وخطوطها التحريرية، الترويج لهذا الواقع بدل مساءلته.
إن أخطر ما يواجه الديمقراطية ليس فقط ضعف المشاركة، بل استمرار تدوير النخب نفسها، وإعادة إنتاج الخطاب ذاته، وكأن المواطن محكوم عليه بأن يعيش الحلقة نفسها في كل موعد انتخابي.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ستفرز انتخابات 2026 نخبًا سياسية جديدة تعيد الثقة للمواطن، أم أننا سنجد أنفسنا مرة أخرى أمام المشهد ذاته، حيث ينتصر “داوي خاوي” على الكفاءة، وتظل الوعود أكبر من الإنجازات؟




