ثقافة
أخر الأخبار

تاريخ الأغنية السودانية.. بين الأمس واليوم

إنَّ أثر الشعر والكلمة والمفردة سواء كانت بقافية أو قصيدة نثرية أو دوبيت أو مقطوعة أو خلافه، التي أشار إليها النبي الكريم ( ص) حين قال: {إنَّ من الشعر لحكمة ، وإنَّ من البيان لسحرا}

أنا مدين للفن والأغنية السودانية بعامَّة ولرواد الفن الاصيل الحقيقي بخاصَّة والفنان الكبير محمد وردي بصور أخص، بهذه الكلمة التي لا ادَّعي فيها فهمي العميق لكل تفاصيلها لكن ما هي إلا انطباعات وتذوق يختلف من شخص لآخر في مجال الفن والإبداع بقدر مقدور.

لا شك عندي أنَّ الأساس الذي قامت عليه الأغنية السودانية قديماً نحو الحداثة اليوم وغداً هو المديح النبوي الشريف، لغايات شريفة هي الإسلام والنبي واللغة العربية والناس، وتختلف بطبيعة الحال من متذوق مُؤَدِّي للمتلقي ومستمع لآخر كلٌ يشرب من كأس فنه ما يخاطب به شعوره وفكره بصورة من الصور ثم ما يلبث أن اصطلح على كل تلك المشارب بتكوين الشعور أو الوجدان الشعبي الوطني العام في كل أغراض الشعر الشعبي والعربي مما هو ذائقة عامَّة وخاصَّة.

إنَّ أوَّل ما نما إلى علمي من بدايات الأداء الفني للأغنية السودانية هي أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وبداية القرن العشرين 1918 – 1919 من بعض الفنانين الذين كانوا يسجلون اغانيهم في اسطوانات بمصر أمثال الفنان الحاج محمد أحمد سرور (ببكي وبنوح وبصيح) التي كتب كلماتها الشاعر القدير / إبراهيم العبَّادي سنة 1918، وثنائي شمبات وأولاد الموردة وعبد الكريم عبد الله كرومة وغيرهم، باعتبار أنَّ السودان لم تكن به أجهزة تسجيل سواء للبرامج أو الأغاني أو خلافه، وفيما بعد سنة 1954 عرفت حقبة “الغناء الحقيبي” نسبة لوجودها في حقيبة للأستاذ صلاح أحمد محمد صالح  لإذاعتها بإذاعة أم درمان سنوات الخمسينيات من القرن الماضي مع بدايات إطلالة تأسيس الإذاعة السودانية في أبريل أو 2 مايو 1940 بشكل رسمي، ومن ثم كانت بداية انتشار واشتهار الفن والإبداع السوداني.

هذا ! يلاحظ في تطويرها من الوصف الحسي الجسدي للمرأة والتغزل في مفاتنها بعد انتقالها من الوصفين للنبي عبر السيرة الذاتية المحمدية واستقراءها والتعلق بها حينما كان أثر التصوف غالباً على شعراء الأغنية السودانية بعامَّة مما جاءت به الطرق الصوفية واقطابها ومريديها ثم تأثرهم بحرارة اللغة العربية وحفظهم للقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وكذلك بعض فنون النحو والصرف والبيان والشعر العربي القديم أمثال المعلقات العشر وتفننهم في الاطلاع على أمهات الكتب العربية القديمة التي شكَّلت ثقافتهم التي عبَّروا عنها بصور مختلفة وكثيرة ومتنوعة في المجالات الحياتية سواء باتخاذهم مناسبات اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو خلافه، وحقيقة العبرة هنا هي من امتداد أثر الإعلام المسموع والتشبب به حين إذاعتها أو لحظة تقديم فنان جديد بصوت جديد يلامس الشعور القومي للغرض الذي من أجله كتبت القصيدة.

هنا نتخلص من فكرة حقبة مهمة في تاريخ الغناء التقليدي وهي حقبة الغناء الحقيبي، لتأتي بعدها إدخال الآلات الموسيقية ذات النفخ وذات الوتر وذات الصوت المختلف مما يُعرف عند خاصتهم بالأوركسترا الحديثة المتصلة بالطاقة الكهربائية، وهي نواة لا يمكن تجاوزها بحال من الأحوال في تالايخية الغناء المحلي، فإن لم تكن مقدَّسة لدى الكثيرين فهي مبجَّلة لدى الأكثرية الساحقة من مستمعي الفن والإبداع السوداني.

فيما أعرف، إنَّ أوَّل من أدخل الآلات الموسيقية في الغناء هو الفنان الذري الكبير إبراهيم عوض والفنان الكبير إبراهيم الكاشف وعبد العزيز محمد داوود وأحمد المصطفى وحسن عطية وآخرين، ومما يُذكر في هذا المقام محاوراً أساسية في انتشار واشتهار ونقل الأغنية الحقيبية من مكمنها إلى مصاف الفنون العالمية إن لم تكن المحلية لكل مديريات السودان المختلفة سواء عبر المسارح المفتوحة أو المتنقلة أو المذاعة أو المناسبات الاجتماعية الخاصة وهي: المفردة، المُعَبَّر عنها بكتابة القصيدة المُغَنَّاه أو الشعر إذا أردت التدقيق، فهذه المفردة سيقت من وراء حجب الحس المكنون في سويداء الوجدان الشعبي الوطني العام لأي غرض كان، مما كان له أثره المباشر في تقبل هذا الصوت أو ذاك المُؤَدِّي لأنَّه يمثلهم حساً وفكراً، ثم اللحن، وهو الأداة الموصلة للمعنى المُراد بمحاولة تخفيف وزن المفردة أو كلمات القصيدة المُغَنَّاه للمتلقي لتصل لا لأذنه فقط بل لتصل لهدف شريف هو قيادة المجتمع نحو الحداثة الشعرية أو لرسالة قيمية مراد الكاتب والملحن والمُؤَدِّي، وسأذكر لاحقا أمثلة على ذلك وهي كثيرة للغاية وتعد من أبرز ملكات الملحن حين يشترك مع الكاتب ليصل للمتلقي ومستمع لآخر، ثم المُؤَدِّي، وهو عليه العبء الأكبر في ترجمة الاحساس والغرض سواء بالرقص أو بملكة الصوت أو التعبير الجسدي أو الحالة المزاجية والنفسية له أثناء الترنم، ومن هنا تبرز أهمية التنسيق والتنافس والتناغم بينهم جميعاً في اصطحاب الأوركسترا الموسيقية أو الآلات الشعبية ذات المناطقية المختلفة لتعكس ثورة من صور الحياة المعاشة في هذه المنطقة أو تلك المكانة الاجتماعية الخاصة التي هي بطبيعة الحال موروث ثقافي اجتماعي مؤصل يعكسه المردد البارز بينهم كالأستاذ الكبير عبد القادر سالم، وارتباط أغنية التراث الكردفاني المتنوع به في قالب حداثي وكذلك كروان الغرب عبد الرحمن عبد الله وآخرين، هم نقلوا فكرة التراث المحلي لمصاف العالمية فيما بعد حينما عبَّروا عن مشاعرهم وحياتهم بطريق الغناء المحلي الرائع.

أمر لا يقل أهمية مما سبق، هو الصقل الأكاديمي والمهني للمُؤَدِّي، فنشأ سنة 1968 -1969 المعهد العالي للموسيقا والمسرح بالخرطوم، وسلفت الإشارة إليه من قبل في مقالة مطولة مما يغني عن الإعادة ههنا، لكن ما يُشار إليه هنا هو التوافقية الفنية السابق ذكرها مع التأهيل والتدريب المهني على الأداء الفني الموسيقي صوتاً وعزفاً، فهو إخراج ميمون بلا منازع.

إنَّ أثر الشعر والكلمة والمفردة سواء كانت بقافية أو قصيدة نثرية أو دوبيت أو مقطوعة أو خلافه، التي أشار إليها النبي الكريم (ص) حين قال: {إنَّ من الشعر لحكمة ، وإنَّ من البيان لسحرا} هي التي شكَّلت مفاهيماً توسعية في الفكرة والغرض والشعور والأداء المتميز فإنَّ المُؤَدِّي حين يؤديها بطريقته الخاصة إنما يعبر عن تقاسيم داخلية مترجمة بشكل صوت أو حركة أو موسيقا، فهو يعبر عن غاية تختلف من شخص لآخر لكنه يحسها بإحساس مختلف عن غاية الاختلاف للكاتب نفسه، وبعد هذا وذاك إمَّا يتقبلها المتلقي أو يعرض عنها لكنها تظل مفتوحة على القبول الحسي من مُؤَدِّي معين لفنان مقلد أو محاكي أو خلافه.

كنت قد سألت الشاعر الكبير التجاني حاج موسى، عن كيف كتبت العبارة في قصيدتك التي يغنيها الأستاذ كمال ترباس (جاي تفتش الماضي، الماضي ولَّى زمان – وبغفر ليك ما عشان عينيك ، “عشان تتعلم الغفران وتغفر لو زمن جار بيك”) فأخذ سكتة قصيرة وقال: (ومضة، زي ومضة كِدَه لكن ما قصدتها).

تتجلى عندي هنا قمة الاحساس والغرض الذي كتبت من أجله القصيدة فهي ومضة إشراقية ظلت من أيقونات الفن المكتوب بإلهام إلهي في لحظة تجلي لموقف ما عبَّر عنه صاحبه بما عبَّر.

التجاني حاج موسى (نيلك أرضك ، ناسك زرعك ، بحبك يا سودان، احبك مهما كان) له في ذاكرة العقل الجمعي السوداني مسجلا بمكتبة الإذاعة والتلفزيون أكثر من 221 أغنية، وله دور مباشر وفاعل ومهم رئاسته المجلس الأعلى للمصنفات الأدبية والفنية من ناحية إجازة النصوص وشروطها وواجباتها والتزاماتها وقوانينها وتشريعاتها، فهذا الدور والواجب المقدس يلزم أن نفرد له مساحات أوسع فلولا تقنينه للأدب وما أسهم فيه مع آخرين بوضع حجر الأساس لمشروع قانون المصنفات الأدبية والفنية لما وصلنا لما نحن عليه الآن من هذه الكلمة المقتضبة زد عليه اسهامه الرائع الرائد الذي لا يخفى على ذي عينين في مجال الأغنية السودانية التي هي بجدارة من أيقونات الفن السوداني الأصيل الراقي، ولك أن تغني معي انشودته الخالدة (أمي الله يسلمك) و(قصر الشوق) و(تباريح الهوى) و(في عز الليل) التي سجلتها منه مباشرة واذعتها بقناتي على اليوتيوب و(زي القمر، زي القمر) و(كلمني يا حلو العيون) وغيرها الكثير.

إنَّ تجربة الأستاذ الكبير الشاعر الدكتور التجاني حاج موسى، تجربة فريدة ومحطَّة مهمَّة في التاريخ لمسيرة الأغنية السودانية بكل درجاتها وانواعها للستين سنة الماضية (1966 – 2026) لا يمكن تجاوزها بحال من الأحوال، مما أسهم بشكل مباشر في نقل وتوظيف الكلمة الدلالية البسيطة أو المعقدة لتصل للمتلقي دون عناء وتحقق غرضها منها مع استجابة اللحن الجميل والعزف الرقيق على اوركسترا الفن والإبداع السوداني.

إنَّ انتقال الفن المكتوب في تاريخ الغناء السوداني، يمثِّل الشاعر الملهم الذي يقود شعبه وقومه متصدراً قضاياهم متحدثاً عن همومهم وما تعتريه مشاعرهم هو هو ، الذي وصف عند قدماء النُقَّاد (الشاعر عند العرب كالنبي في بني إسرائيل) وهم الموصوفون في سورة الشعراء: {والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} هذه القفزة الحداثية منشأها تطور المجتمع البشري وتطور قضاياه واهتماماته بكيفية التعبير عنها بأي شكل كان، ويحضرني هنا الشاعر الكبير الكوني محمد مفتاح الفيتوري (1936 – 2015)، الذي لم ينل حقَّه وحظَّه من الدراسات الأدبية والفنية والعلمية والثقافية والاجتماعية والسياسية بالتحديد بشكل يعكس أهميَّة شاعر موغل في الهم السوداني مكلفاً نفسه فوق طاقتها ليعبِّر عنه وعن أفريقيا وهو الذي أصدر أكثر من اثنين وعشرين ديواناً من الشعر لم يسبقه عليه أحد.

قال : واتصيد هنا مختاراً ومحتاراً ومختالاً بعضاً من كلماته الدلالية الحارة التي عبَّر عنها الأستاذ محمد وردي (لو لحظة من وسني) واختارها كلها واخص بالتنبيه والانتباه لــــلكلمة ــ : (أجمل من رائحة النضال لم اشم رائحة)، بالله عليكم أليست هذه ذاتها ومضة التجاني حاج موسى ، واشراقاته الربانية ؟؟ .

لو لحظة من وسني

تغسل عني حزني

تحملني

ترجعني

إلى عيون وطني

يا وطني

يا وطني يا وطن الأحرار والصراع

الشمس في السماء كالشراع

تعانق الحقول والمراعي

وأوجه العمال والزراع

يا وطني ..

أصبح الصبح كأن الزمن الماضي على الماء نقوش

فارفعي راية اكتوبر فالثورة مازالت تعيش

وانا ما زلت في البعد انادي

يا بلادي

يا مغاني وطني..

أجمل من فراشة مجنحة على ضفاف المقرن الجميل

أجمل من نوّارة مفتحة ترقد تحت ذهب الأصيل

أجمل من رائحة النضال لم أشم رائحة في صبحك الجليل

يا فخر هذا الجيل

يا وطني..

أنا شخصياً أعجز عن كتابة مثل هذه الومضات والاشراقات الإلهية في رسم الكلمة الدلالية حرفاً ومعنىً وأداءً.

وبهذه المناسبة، أذكر علاقتي الثقافية مع ابنه الراحل الشهيد تاج الدين الفيتوري، الذي استشهد مؤخراً هو ووالدته الأستاذة الفاضلة آسيا إبَّان الحرب القائمة اليوم في السودان قبل سنتين، فارتقيا شهيدين بإذن الله إثر دانة سقطت عليهما، رحمهما الله رحمة واسعة، وكانت تربطني به المعرفة والشعر وبعض تبادل الرسائل عبر الميديا وهو أحد أعضاء صحيفة النيمة التي يصدرها شباب شمبات بالخرطوم بحري، واذكر أنني حضرت ليلة ثقافية هنا بمصر المحروسة باتحاد الأدباء والكتاب المصريين بحي الزمالك قبل تسع سنوات 2017 على خلفية تأبين الراحلين الشاعرين الأستاذ فراج الطيب السرَّاج والأستاذ محمد مفتاح الفيتوري وقد حضر الفعالية ابنه الفيتوري، سولارا الفيتوري، مع ابنيها اسباط الشاعر الكوني محمد مفتاح الفيتوري، ولم ألحق اعرفها بنفسي، ولنا فيهما أسوة حسنة بلا شك، وهاك منه خريدة:

اصبح الصبح

ولا السجن ولا السجان باقي

واذا الفجر جناحان يرفان عليك

واذا الحزن الذي كحَّل هاتيك المآقي

والذي شد وثاقا لوثاق

والذي بعثرنا في كل وادي

فرحة نابعة من كل قلب يا بلادي

أصبح الصبح

وها نحن مع النور التقينا

التقى جيل البطولات

بجيل التضحيات

التقى كل شهيد

قهر الظلم ومات

بشهيد لم يزل يبذر في الأرض

بذور الذكريات

أبدا ما هنت يا سوداننا يوما علينا

بالذي اصبح شمسا في يدينا

وغناء عاطرا تعدو به الريح

فتختال الهوينى

من كل قلب يا بلادي

فرحة نابعة من كل قلب يا بلادي

مما يُقال هنا أيضاً، عبارة الشاعر محمد عبد الله شمو، التي غنَّاها الفنان الكبير الراحل مصطفى سيد أحمد، قال: (الأرض تغطَّت بالتعب، والبحار اتخذت شكل الفراغ / مريم الأخرى)، مثل هذه الومضات والاشراقات الإلهية المتنقلة والمتنزلة على الشاعر أو الكاتب من الصعوبة بمكان التعبير عنها بالتحليل أو إبداء الاعجاب والاشارة لأنها تحمل في طيِّاتها معانٍ أكبر من التعبير فهي مشحونة ومحاطة بكم هائل للغاية من عمق الفكرة والغرض والشعور والأداء المتميز، فليس من الحَسَن أن نقوم بتحليلها لكن نفرض حسن الانتباه إليها من الناحية الفنية الرمزية الخاصَّة، قال:

ها هي الأرض تغطَّت بالتعب

والبحار اتخذت شكل الفراغ

وأنا مقياس رسم للتواصل والرحيل

أنا الآن الترقب وانتظار المستحيل

انجبتني مريم الأخرى قطاراً وحقيبة

ارضعتني مريم الأخرى قوافي

ثم اهدتني المنافي

هكذا قد خبروني ثم قالوا لي ترجل

ومثل قولهم: (سطوة محاسنك عندي ما كسرة جفون، سطوة محاسنك عندي وكتين كبريائك ينهزم لي طيبتي بي لفظه حنان)

وهي كلمات صلاح حاج سعيد ، هنا قلب المعادلة رأساً على عقب ولك أن تحسها كيفما شئت.

كان نفسي اقولك من زمان

بالكاتموا في سري ومكتم

في حشاي مدسوس سنين

كان نفسي اقولك من زمان

بالشايلوا في عيني معزة

وفي القلب ريدا

يخاف

الغربة والشوق والحنين

زاملني ذي خاطر الفرح

وكتين يقاسم الهم عزا

وكتين مدامعي تكون جزا

وتفتح مباهج الليل ظنون

كان نفسي اقولك من زمان

سطوة محاسنك عندي ما

كسرة جفون

وكت العيون تعبرني ذي خاطر المساء

سطوة محاسنك ما الرخام الفي الحرير

وكت الثغير يفجعني بي حرفا قسا

سطوة محاسنك عندي وكتين كبريائك

ينهزم

لي طيبتي بي لفظه حنان

وكتين مشاعرك تنسجم في عمري تنفخ قلبي بي رعشه امان

سطوة محاسنك عندي وكتين

شوقي يصبح في هواك ليل

عزه ما بتعرف هوان

كان نفسي اقولك من زمان

عينيك وحاتك غربتي واهلي

وبلادي الفيها ضايع لي زمن

عينيك وحاتك شوقي لي زولا

ولوف من بعدو ساب عيني سهن

وانا كنت داير من زمان اشرح

حكايتي معاك الف

احكيك وازيد القول ولف

واتمنى لو قلبك عرف

كان من زمان

من قبل ما في قلبي يتحكر زمان

الفرقة في جرح الأسى

من قبل ما حرف الحقيقة الحلوة يتبدل

عسى

ويصبح اماني كثيرة في

خاطر الحنان

كان نفسي اقولك من زمان

هذا ! الشاعر الكبير الدوش، عمر الطيب الدوش (1948 – 1998)، كتب مبكيته التي غنَّاها وردي آية من آيات الفن والإبداع السوداني حينما ينقل الشاعر الزمان ويعلو فوق المكان بخياله أو بحياته أو بتجربته الخاصَّة، قال:

(بتطْلَعِي انتِ من غابات

ومن وديان ومني أنا

ومِن صحْيَة جُروف النيل

مع الموجَهْ الصباحيَّه

ومن شهقَة زهور عطشانَهْ

فوق احزانهْا متْكَّيهْ

بتَطْلَعى انتِ من صوت طِفلَهْ (طفلة / دقق النظر يا صاح كيف يتلوها على مسامعنا وردي مع الأوركسترا المجنونة / وسط اللمة منسية).

وسط اللمَّهْ منْسيَّهْ

تَجينى

تَجينى

يجيني معاكْ زمن

امتّع نفسى بالدهشَهْ

طبول بتْدُق وساحات

لفرح نَوّر

وجمّل للحُزن ممْشى

وتمشي معايّ خُطانا الإلفَهْ والوحشَهْ

وتمشى معاي وتْرُوحى

وتمشى معاي وسط رُوحي

ولا البلْقاهُ بِعْرِفني

ولا بعرِف معاكْ

روحي

وما بِنْتِ ولا التذكار

ولا كُنْتِ

إنَّ انتقال الفن والفنانين من جيل لآخر عبر الكلمة والمعنى والغرض والشعور والأداء واللحن ينبئ عن غاية مدبَّجة بديباجة الأصالة والمعاصرة لينقل المتلقي من جديد لحياة أفضل ومشرق بإذن الله.

هذا ! في التعريف بانتقال الأغنية الوطنية السودانية من طور وجيل التغني بالوصف الحسي الحركي وتوظيف المفردة ذات المرجعية الدينية العربية اللغوية، إلى جيل التفنن بالرمزية الموغلة في الوصف المعنوي والنفسي لشعب أو لجماعة أو لغيرهما، لهي منزلة لا بد من الوقوف عليها لنرى ثمرتها وتجربتها ومثاله من أغاني وردي ما يتعلق بالشعر الوطني وهدك من اكتوبريات محمد المكي إبراهيم إلى وَلَه الفيتوري لأفريقيا وللسودان، زاد العمق المعنوي والنفسي والاجتماعي والثقافي طورا جديداً في الكلمة والمفردة واللحن والأداء والتوزيع الموسيقي صوتاً وعزفاً من ناحية التجديد في الفكرة والمضمون، ولك أن تلاحظ أيقونة الأستاذ الفنان الكبير عبد الكريم الكابلي في أغنيته (أي صوت زار بالأمس خيالي) فقد أدخل هنا اتجاهاً فنياً رائعاً بتحويل التغزل في مفاتن المرأة إلى دورها المجتمعي الطليعي في كل المجالات الحياتية وأخص بالذكر دورها النضالي والسياسي والتعليمي، وهذا مردَّه بالطبع إلى تغلغل المشاركة الأصيلة مع الرجل كتفاً بكتف وقدماً بقدم في التعريف بالمرأة السودانية بعامَّة وللشعب السوداني بشكل مغاير مما عهدته أُذُن المتلقي إلى المتلقي العربي أو العالمي بتغيير الظروف الزمانية والمكانية القيمية لها وتعريفها بشكل حداثي يسهم في تغيير الخارطة الوجدانية عالمياً كما هو الحال في تسنم المرأة السودانية للاتحاد النسائي في البرلمان أوائل سنوات الستين ممثلة إياهم الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم، وهي من روَّاد النساء الأحرار الطليعية في المجتمع المدني السوداني، لحقها من بعد أخريات بانتسابهن وتكوينهن لاتحاد المرأة أو الاتحاد النسائي آنذاك.

يرجع الفضل في ذلك لثورة التعليم التي قادها المناضل المهدوي الكبير بابكر بدري بتأسيسه أوَّل نظام تعليمي في السودان ١٩٠٣ وطورت تجربته حتى بلوغها النظام الجامعي في جامعة الاحفاد للبنات اليوم.

أنا استمعت قبل أكثر من خمسة عشر سنة إلى تسجيل صوتي للفنان وردي، يمجد فيه تجربة الاتحاد النسائي السوداني وكلية الاحفاد للبنات قبل أن تصير جامعة ، وكذلك للنقابات العمالية والمهنية وحركات التحرر الوطني لا باعتباره كان منتظماً في أيديولوجية معينة، بل باعتباره فناناً يتلمس مكامن الاحساس والغرض العامَيْن لحوجا المتلقي سواء كان محلياً أو إقليمياً كما في تجربته في دول الجوار الجغرافي الافريقي وإثيوبيا بالتحديد أو عالمياً لأنه غنى في أوروبا وامريكا وغيرها.

لا أبعد عن مضمون هذه الكلمة إذا اتجهت لتجربة الفنان المثقف العضوي أو النوعي إن شئت الأستاذ الدكتور عبد الكريم الكابلي، فهي تجربة تستحق الوقوف عندها لإضافته لما سبق ذكره، التغني باللغة الإنجليزية في بلاد الفرنجة ليعطي بعداً موغلاً في المحلية السودانية للعالم أجمع وتعريفه بالهوية السودانية وهدَّك من ايقونته التراثية التي أدَّاها قبل عشرين سنة تقريباً بقاعة الصداقة من كلمات المفكر السياسي المخضرم زين العابدين الشريف الهندي، طيَّب الله ثراه، في ملحمة فريدة من نوعها وقيمتها الفنية التي لم يسبق لها مثيل لأنها لا تحتوي فقط على حسن اختيار المفردة واللحن والأداء العالي للموسيقا بل لأنها شملت جغرافية وتاريخ السودان في قالب ملحمي عجيب بين طيات معانيها التي قدمت للعالم كله باعتبارها واحدة من أهم واميز وأكبر انتاج فكري لهوية السودان الوطنية التي تلمس خطاها من قبل أصحاب مدرسة الغابة والصحراء.

إنَّ الفن والفنانين السودانيين في القرن الماضي يستحقون التأمل من زوايا مختلفة لا فقط من حيث البناء اللفظي وتركيب الجملة فقط بل من حيث المضامين المستقلة من الواقع المحلي للعالمية وهي تجربة في تقديري الشخصي أكبر وأجل من التجربات العربية المعاصرة إذا ما قورنت بها من حيث الكم والكيف إلا أنَّها ينقصها التسويق الاعلامي المعاصر بشكل احترافي ليعكس للعالم الهوية الوطنية السودانية في إحدى صورها العظيمة.

خذ معي هداك الله تجربة الفنان الكبير الرائع الرائد مصطفى سيد أحمد المقبول التي وصفها محمد وردي بأنَّها: (قصيرة التجربة عظيمة الأثر) ذلك لأنَّه توفي في سن مبكرة (1953 – 1996) لكن ظل أثر أغنياته أحد ملهمات وملهبات الوجدان الشعبي الوطني الثوري النضالي والسياسي بلا شك ، سواء اتفقنا أو اختلفنا في ذلك ، لكن أثره حين يغني الخليل أو يغني مريم الأخرى (أنجبتني مريم الأخرى) أو عم عبد الرحيم (الجاي من الجبل والجاي من الجريف) أو حين يغني (كتبت ليك لا بيني بينك ريدة لا قصة غرام) فهو يؤصل للفن الراقي الأصيل الذي يحمل في جعباته المعاني المقدسة سواء للوطن أو الحبيبة أو لرمزية الغرض الشعري، ولك أن تقرأ روائع محمد الحسن سالم حميد التي يقدسها الكثير من أبناء الوطن.

أنا لم أنس تجربة الشعر الثوري للمبدع الكبير محجوب شريف التي يغنيها وردي أو محمد الأمين، ذلكم الموسيقار الكبير الذي عرفته زوايا الأرض بإتقانه لعزفه لآلة العود والصفارة، فإنَّ تجربة شاعر الشعب في وجدان الشعب لهي مندوحة لا تنسى في ذاكرة الوطن الحياتية بلا منازع، وهدك حين يقول (السجن ترباسه انخلع) و(يا شعبا لهبك ثوريتك، تلقى مرادك والفي نيتك) وغيرها الكثير.

لا يفوتني أن أذكر صناع المحتوى الفني من موسيقيين وعازفين وأخص بالذكر الأساتذة الذين اغنوا الحس الفني الشعبي الوطني بروائع العزف المنفرد والجماعي على رأسهم محمد عبد الله حمديه، ذلكم الهرم الفني الجليل (ساحر الكمنجة) الذي لا تفارق بسمته المحببة للنفس شفتيه حال يعزف على الكمنجة أو بطبيعته الشخصية، ولقد رأيته يقود عربته السوبارو بنفسه جوار الطابية منذ فترة طويلة، ولقد استمعت إلى عدة حلقات توثيقية معه في إذاعة البيت السوداني إف ام ١٠٠ قبل أكثر من خمسة عشر سنة مما يؤكد ثقافته العالية والمتخصصة عندي في مجاله على مستوى العالم العربي والغربي نظرياً وعملياً وهو أحد خريجي المعهد العالي للموسيقا والمسرح إن لم تخني الذاكرة.

أيضاً، الأستاذ الكبير عبد الله عربي على آلة الكمنجة، وعلي ميرغني، وبشير عباس، الماهر الحذق على آلة العود ولا ينبئك مثل خبير، وتجربته مع البلابل الناجحة لا تخفى على أحد زد عليها تأليفه للمقطوعات الموسيقية لأكثر من خمسة وثلاثين عملاً فنياً مسجلاً بإذاعة أم درمان واذاعات العالم العربي والغربي (الجور، مثالاً)، وكذلك الأستاذ القدير سعد الدين الطيب على آلة الاورغ، وحدِّث عن البحر ولا حرج، ولؤي على آلة الكمنجة، والموسوعي برعي محمد دفع الله، على الكمنجة أيضاً، والجميل أسامة بيكلو على آلة الفلوت، الذي غيَّبه الموت غيلة وصبراً مؤخراً في أحداث الحرب في السودان، ولقد شهدته يتفنن مع الراحل المقيم محمد الأمين في لياليه بنادي الضباط بالخرطوم قبل أكثر من عشرين سنة، في تبادل محموم بين العود والفلوت، وعلى آلة البيز المبدع “زمبة” كورس ود اللمين، وكان يعزف قبلها مع الفنان المتواضع حاتم البنا قبل أن يذيع صوته ويشتهر بداية التسعينيات من القرن الماضي وآخرين نسيتهم فلهم العتبى حتى يرضوا.

أمَّا الموسيقار الكبير حافظ عبد الرحمن مختار، فهو مدرسة قائمة بحد ذاتها في العزف على الفلوت والذي مثَّل السودان في المحافل الدولية هو والرائع الباقي فينا عبد القادر سالم حين جالا في أوروبا الشرقية والغربية يعرِّفان العالم بحضارتنا لسبع آلاف سنة ماضية، وكذلك الموسيقار الكبير الدكتور الفاتح حسين، الذي بدأ عازفاً بفرقة الفنان محمد الأمين ثم تخصص في الجيتار مباهياً بنا الأمم في روسيا وفرنسا وبريطانيا، والموسيقار الفلتة الاستثنائي العجيب عوض احمدون، على آلة العود، وأخشى عليه من العين والحسد فهو لا يمكن تخطيه بحال من الأحوال في تاريخ الفن والإبداع السودانيين المعاصرين، وكذلك المكتبة الفنية المتحركة الفنان المبدع عاطف عبد الحي، وشهد شاهد من أهل العلم بالغناء والشعر والفنون المعاصرة لقرن كامل واقترح على الدولة ممثلة في وزارة الثقافة والإعلام منحه وسام الجمهورية لما قدمه من عطاء ووفاء وحفظ للتراث والثقافة المحلية في مجاله.

وعبد اللطيف خضر “ود الحاوي” أيقونة العزف على الآلات الموسيقية وبالتحديد آلة الساكسفون إلى جانب أنه ملحن كبير وموزع موسيقي محترف، متخصص في آلة الساكسفون، لله دره واطال عمره، الذي تضح بصماته في أغنيات إبراهيم عوض وعبد الرحمن الريح وآخرين.

الجدير بالذكر أنَّ التجربة الفنية لمائة وثمانية عام ماضية منذ تاريخ كتابة هذه السطور للشاعر والمُؤَدِّي والملحن والعازف ( 1918 – 2026 )، نقلت فكرة الفن والإبداع السوداني إلى مصاف الفنون العالمية بل فاقتهم جميعاً لما فيها من حسن البحبوحة ولذيذ النغم ورقة الصوت ومنطق الكلمة وغاية النص وجودة التوظيف الحسي والمعنوي للمتلقي والمستمع للفن الجيد المتماسك، ولك أن تلاحظ الفرق بين ما سبق ذكره من تطور وحداثة ونقلة نوعية للفن الادائي المُغَنَّى من روَّاد الفن مثل وردي وود اللمين وكابلي وود سيد أحمد (والله نحن مع الطيور الما بتعرف ليها خرطة، ولا في أيدها جواز سفر) والحوت واسحاق الحلنقي (هجرة عصافير الخريف ، في موسم الشوق الحلو) وصلاح أحمد إبراهيم (الطير المهاجر)، إلى عهد خليل فرح وأغاني الحقيبة وروَّادها أمثال ثنائي شمبات وأولاد الموردة وعبد العزيز محمد داوود وإبراهيم عوض وعبد الرحمن الريح ومحمد عبد الكريم القرشي وعبد المنعم عبد الحي وآخرين، وما شاكلها من فنون وابداع، ولنا أن نحكم لا بالذوق فقط بل بالفترة الزمنية والظروف التي أنتجت ذلكم الفن والفنانين السودانيين فلكلٍ تقييمه الفني حسب فترته الزمنية وحاجة المجتمع للتذوق والاستماع آنذاك بلا ريب.

هذا الموضوع طويل وشجون وليس لي فيه باع ولا ذراع، بل ما امليته محض الاعجاب والاشارة والذوق والتذوق فاعتذر لمن فاتني ذكرهم فأنا لست متخصصاً في هذا المجال ولكن تأثري وادماني الشديدين للاستماع والامتاع والمؤانسة لأغاني وردي هي ما جعلني اكتب غير مبالٍ بالتخصص واردت أن أنقل واغير فكرة المستمع السوداني والمتخصصين لفكرة لا حفظ مناسبة القصيدة وفي أي حفلة كتبت وفي أي ظرف وهلم جرا، بل لأًعطي مساحة أوسع في البحث والتأمل في المضامين ومفاهيم الرسالة الوطنية القومية المجتمعية الثقافية السودانية الباقية في وجدان الشعب السوداني مستلهماً أفكاره وأغراضه الشعرية للمناسبات العظيمة لفنانين عظيمين افنوا جهدهم وحياتهم لبلوغ غاية شريفة في اعتقادي الشخصي هي السودان شعباً وفناً وهويةً وانتماءً، فعسى إن مدَّ الله في الآجال أن أزيد هذه الومضات والاشراقات بالمزيد من البحوث والدراسات والتعليق عليها، ولله الأمر من قبل ومن بعد وما توفيقي إلا بالله.

أنا لم انته من كلمتي هذه بقدر ما أحسه من حق يرد لأصحابه في زمن الحداثة التكنولوجية الحديثة والتقليدية التي بدَّدت الشعور القومي وبدَّلته من رقي لانهزام أمام الآلة الرقمية المعاصرة والتي لا يمكن الفكاك عنها ولا تغابيها لكن من الأفضل ترويضها بما يحقق الغايات والأهداف الشريفة التي سبق ذكرها أوَّل المقال، ولم أشرع في الحديث عن الغناء المناطقي لديمغرافية السودان فهذا باب كبير لم استعد له بعد وهو من الأهمية بمكان لا يستهان من أجل حفظ التراث المجتمعي المحلي في ذاكرة الشعب الملهم والله المستعان.

https://anbaaexpress.ma/h4qmi

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى