آراءثقافة
أخر الأخبار

اسئلة فلسفية.. بدون جواب 

نفوس عظيمة، وأدمغة متوقدة. عيون تلتمع بالذكاء والنباهة، ومسلك طاهر ونظافة أخلاقية، ومواقف تشع بالحكمة، والتصرف المحير، الذي لا يخطر على بال..

ثمة أمور فلسفية لايملك أحد الجواب عليها، وقبل أيام حكم عاطف نجيب في سوريا بالإعدام لإنه كان مع آلة القتل الأسدية فترك خلفه خرابا وقتلا لاينسيان.
لماذا يشعر الإنسان بالملل؟ ولماذا يكافحه باللهو والتسلية؟

وهل اللهو واللغو يكسران حلقة الضجر والسآمة حقاً؟ بل لماذا ارتبط الشعور بالملل مع الوحدة والانفراد؟ بل حتى التقاعد يمكن أن يكون جنة أو موتا بطيئا؟

لماذا شكلت قضية العدالة المشكلة الإنسانية العظمى حتى اليوم، واستعصت على الحل؟!

ما معنى الثنائية المشحونة بالتناقض المحيرة في الإنسان؟ بين قطبي الشيطان والملاك، والموت والحياة، والحزن والحب، والشقاء والسرور، واللانهائية والعدم؟
** لماذا لا يتدفق برد اليقين إلى صدر الإنسان؟ ويبقى على سطح المعلومات؟ أين ينبوع السعادة الذي يغتسل فيه الإنسان فيولد من جديد؟ مكتشفاً المعنى في الحياة؟

باختصار هل هناك حل للمشكلة الإنسانية الثلاثية؟ وهل استطعنا فهم الإنسان؟ أو على الأقل وضعنا قدمنا في طريق فهمه؟ هذه المسائل الفلسفية الضخمة المليئة بالتحدي، أغرت الفيلسوف الفرنسي (بليز باسكال) فتصدى لمواجهتها، في محاولة للامساك بمفاتيح الفهم الكبرى للإنسان، وهي تروي لنا قصة طريفةً من روائع مغامرات العقل الإنساني في القرن السابع عشر للميلاد، يقوم بها إنسان مثقل بالأمراض، يكاد دماغه يتفجر من الصداع، فيحل أعقد المسائل الهندسية، وهو يئن تحت وطأته، ويتلوى كالأفعى من آلام الأمعاء التقرحية، ويقترب من الشلل النصفي السفلي فيمشي على عكازين، ولا يعمر في النهاية أكثر من تسعٍ وثلاثين عاماً، في شهادة واضحة أن العمر في إنجازاته، وليس في امتداده، وأن الزمن هو حالة النفس، وليس دورة الفلك، كما يشير إلى ذلك الفيلسوف المسلم (محمد إقبال) في كتاباته.

هناك ظاهرة محيرة عند المفكرين، فالكثير منهم ذو أجسام نحيلة، يعضها المرض حيناً، وتفترسها العلل طوراً آخر، وتقضي عليها الأمراض في سن مبكرة، أشبه بآلة استُهلكت بكثافة لا متناهية، فطواها الموت بسرعة.

نفوس عظيمة، وأدمغة متوقدة. عيون تلتمع بالذكاء والنباهة، ومسلك طاهر ونظافة أخلاقية، ومواقف تشع بالحكمة، والتصرف المحير، الذي لا يخطر على بال. ومن أعجب الأمور التي رواها لي صديقي الدكتور حسن عن فتاة أصيبت بالقمه العصبي (Anorexia Nervosa) فلم تعد تأكل في الوقت الذي كان دماغها يعمل بأفضل من عشرة كمبيوترات، وأنا شخصيا حين قدمت على فحص البكالوريا أجهدت نفسي جدا ولكن حققت تفوقا ملحوظا فكنت الأول في محافظة الحسكة (هي المحافظة في شرق سوريا) ولكن بلغ مني الجهد أنني كنت مستلقي على ظهري لمدة شهر ولكن دماغي كان يفترس المعلومات ومازال في ذاكرتي كتاب رواس قلعجي عن علم المواريث والعول (حين لاتقبل القسمة فيوزع بما يرضي الجميع ولكن من إنقاص حصص البعض)

ومن التاريخ يخبرنا الإنجيل أن طائفة من اليهود تقدموا إلى عيسى بن مريم عليه السلام، وهم يدفعون أمامهم الزانية، كان حرصهم شديدا على الإيقاع به عند السلطات الرومانية، بتعطيل إقامة الحد، كما يروي القصة أبو الأعلى المودودي، لأنه سيكون بين مطرقة السنهدرين المحكمة اليهودية، وسنديان الحكم الروماني (بيلاطس الحاكم الروماني وهيرودوتس حاكم اليهودية).

والمسيح إن تأخر في النطق بالحكم اعتُبر هرطيقاً مرتدا وشيطانا مريدا، وإن نفذ الحكم أصبح قاتلاً، أو محرضاً على القتل، في نظر التشريع الروماني. كان جواب عيسى عليه السلام عجيباً، غير متوقع، هادئاً عميقاً، في حل لم يكن بحسبان الفقهاء المتجمعين فوق رأسه، فقال: من كان منكم بلا خطيئة فليتقدم فليرمها بحجر. وبالطبع فليس منا من لم يحمل خطيئة كبيرة او صغيرة، وهكذا انقشع جمهور المزورين عن رأسه….

ظاهرة ملفتة للنظر تصدمنا بين الحين والآخر، ونحن نقرأ للمفكرين والفلاسفة، فنرى التحدي المخيف في إعاقة مرض وسيطرة علة كما كان الحال مع صديقنا باسكال، ولكنها أطلقت كوامن طاقة غير معقولة في التاريخ، بين ظلام الرؤية في عمى أبو العلاء المعري، وموت سبينوزا المبكر عن اثنين وأربعين عاماً، بسلٍ رئوي افترس رئتيه، ولكنه ترك خلفه أربع كتب، مازالت تهز الفكر الإنساني حتى هذه اللحظة، وتعتبر محطات عقلية، لكل من دخل الأوقيانوس العقلي، لمعرفة مغامرات الفكر الإنساني الضخمة. كان صديقي البليهي يقول خطأ من قال العقل السليم في الجسم السليم تاملوا قصة باسكال المعتل المريض مع التوهج الفلسفي.

والتقرح المعوي الممض عند باسكال. وجنون نيتشه بمرض الإفرنجي الذي استلب دماغه. وشلل هاينه الشاعر الألماني. ويصل المرض إلى ذروته عند (ستيفن هوكينج) الفيزيائي الكوني البريطاني، الذي صعد عنده الشلل إلى أطرافه الأربعة ورقبته، فكان مشلول الأطراف الأربعة، مربوط إلى عربة، معاق يستطيع تحريك إصبعين من يده اليسرى، ويتنفس بثقب صناعي في الرغامى، ويتكلم عبر كمبيوتر مربوط إلى حلقه. وعاش طويلا خلاف توقع الأطباء من نوع المرض الذي سطا عليه وتوفي من وقت قريب (توفي عالم الفيزياء البريطاني الشهير ستيفن هوكينغ في يوم 14 مارس (آذار) 2018 عن عمر ناهز 76 عاماً في منزله بمدينة كامبريدج)  باختصار كان دماغا فقط، ولكنه اعتبر نيوتن القرن العشرين، بالاختراق العلمي الذي قام به، عندما طرح كتابه قصة قصيرة للزمان، الذي أثار ضجة كبيرة في الأوساط العلمية، وفتح الطريق إلى فهم جديد للكون، ويجب أن يكون في مكتبة كل قاريء مهتم بالكدح والبناء المعرفي.

https://anbaaexpress.ma/1zplp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى