آراء
أخر الأخبار

احكِ يا شكيب.. زراعة الأمل صناعة الحياة

ما أروعك..

بالفعل، ما أروع كل إنسان يدخل الفرحة في قلوب المحتاجين إليها، وما أكثرهم.

في ليلة قمرية، ولجت مقهى تطل على شاطئ البحر، وأخذت مكانا بها، وجلست قبالة الشاطئ أنصت لموسيقى هادئة، وفي لحظة تأمل في أمواج البحر المرتطمة على الصخر، ذهب بي خيالي لاسترجاع حكايا قلوب منكسرة من وجع صروف الحياة.

“كان جاري رجلا مكافحا، يهتم بشؤون أسرته. فجأة استيقظت على خبر صادم، توفي وترك أولادا، من بينهم ابن شاب يتابع دراسته العليا، ولم يتبق له سوى أشهر قليلة على التخرج.

وكنت عازما على القيام بجولة استجمامية، ولما علمت أن الشاب تم قبوله في مهنة المحاماة، وأن الولوج يتطلب مبلغا ماليا مهما، صرفت النظر عن السفر، وقمت بتحويله لنقابة المحامين. وتمضي الأيام والشهور والسنين، فأصبح ابن جاري محاميا ناجحا، يساعد الضعيف، ويقف بجانب المظلومين، ومساهما في العمل الخيري..”

“جاري ألمّ به مرض عضال أفقده الحركة، فهزل جسمه وتعطلت مصالحه، وكنت بصدد القيام بحجة ثانية أنا وزوجتي والأولاد، أمنية ووعدا قطعته مع نفسي. ولكن خبر الجار جعلني أصرف كل ما جمعته في القيام بعملية جراحية لجاري، فتكللت بالنجاح، وعاد لنشاطه، ففرح أولادي وزوجتي بما قمت به، وحمدت الله أنني كنت سببا في سعادة جاري وأسرته”.

“شابة في مقتبل العمر فقدت والديها في حادثة سير مروعة، جعلها تشتغل نادلة في مطعم. سألتها عن حالها، فحكت لي حكايتها المؤلمة، وأنها تخلت عن متابعة دراساتها العليا.

وبما أنني كنت حديثة عهد بمتخلف من إرث، قررت مساعدتها، فأديت لها مبلغا مهما، جعلها تترك مهنتها وتعود لمقاعد المعهد الهندسي، فتخرجت وأصبحت مهندسة، وحسنت أحوالها، وتزوجت، وأنجبت أولادا، وعاشت عيشة هادئة”.

“شاب أكمل مدة سجنه، خرج وكل الأبواب كانت موصدة في وجهه. صادفته جالسا قرب الشاطئ، مهموما حزينا، فبادرته بالسؤال: كيف حال الدنيا معك يا ابني؟ فحكى لي حكايته الموجعة، والظلم الذي عاناه، وهو اليتيم الذي تخلى عنه الجميع، ولفقت له قضية، والدموع تنهمر من عينيه.

فضربت له موعدا، وجاء مبكرا، وجعلته مساعدي في مشروعي، وأثبت نجاحه، وعادت له الابتسامة، كيف لا، وأصبح رب أسرة، وله أولاد، ومسكن، وسيارة، واندمج بعد أن كان مبعدا، وشخصا غير مرغوب فيه”.

صناع الأمل، ما أروعكم وأنتم تصنعون الحياة لمن فقدوا الأمن والأمان. بوركت أفعالكم، وما قدمتموه، فأنتم ستنسون، ولكن من كنتم سببا في سعادتهم لن ينسوا، والله لا ينسى.

أرفع القبعة عاليا، وكل التقدير والاحترام لصناع الحياة.

https://anbaaexpress.ma/ci36c

شكيب مصبير

كاتب وفنان تشكيلي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى