الشرق الأوسطتقارير
أخر الأخبار

أجور الصحفيين في إسرائيل: بين الاستقرار المهني وهيمنة السوق وسلطة رأس المال

ولا يقتصر التفاوت في سوق الصحافة الإسرائيلية على الفارق بين الصحفيين العاديين والإعلاميين البارزين، بل يظهر أيضا في القدرة الاقتصادية الهائلة التي يمنحها "الاسم الإعلامي" لبعض الشخصيات البارزة في التلفزيون التجاري

فايز أبو رزق

عند دراسة أجور الصحفيين في إسرائيل، فإن السؤال الأولي ينبغي ألا يتعلق بالراتب وحده، بل بما هو أبعد من الرقم، ما المكانة التي يحتلها الصحفي داخل المؤسسة الإعلامية؟ وإلى أي حد تؤثر ظروفه الاقتصادية في قدرته على ممارسة دوره المهني باستقلالية؟ فحرية الصحافة لا تقاس فقط بالقوانين التي تحمي حرية التعبير أو بقدرة الصحفي على الوصول إلى المعلومات، وإنما ترتبط أيضا بالبيئة التي يعمل داخلها، فالأجر، والاستقرار الوظيفي، والحقوق الاجتماعية، كلها عناصر تحدد موقع الصحفي وقدرته على مواجهة الضغوط.

ومن هنا، يصبح تحليل بنية الأجور مدخلا لفهم العلاقة المعقدة بين الصحفي والمؤسسة الإعلامية، وبين المهنية المستقلة من جهة، وتأثيرات رأس المال والسلطة من جهة أخرى.

ويتجلى هذا الارتباط البنيوي بشكل واضح في تجربة البث الرسمي الإسرائيلي، إذ شكلت الاتفاقية الجماعية لهيئة البث العامة “كان” الموقعة في مارس 2024 وثيقة بالغة الأهمية لفهم التحولات البنيوية التي شهدها القطاع الإعلامي خلال العقد الأخير.

فقد جاءت هذه الاتفاقية بعد الهزة التي تعرضت لها سلطة البث القديمة إثر إغلاقها عام 2017 كإجراء حمل في طياته دوافع سياسية واقتصادية، وتأسيس هيئة البث الجديدة كبديل مؤسسي.

وبعد مفاوضات مضنية استمرت نحو ست سنوات بين إدارة الهيئة ومنظمة الصحفيين والصحفيات في إسرائيل، نجحت الاتفاقية في إرساء إطار تنظيمي جديد للأجور والحقوق الاجتماعية وشروط العمل.

ولم تكن هذه الاتفاقية مجرد تنظيم إداري، بل كانت إنجازا نقابيا انتزع زيادة إجمالية في الأجور بلغت 9% موزعة على ثلاث سنوات لتستمر مفاعيلها حتى نهاية عام 2026، إلى جانب تقليص يوم العمل الرسمي للصحفيين إلى 8.5 ساعة يومياً، بما يعكس انتقال العاملين في الإعلام العام إلى مرحلة أكثر استقرارا وتنظيما.

ولم تقتصر هذه المكتسبات على زيادة الرواتب، بل وفرت شبكة أمان وظيفي تمنع الفصل التعسفي عبر منح الصحفي فترتي تحسين أداء (مدتهما 120 يوما كحد أقصى) قبل تسريحه بدعوى عدم الكفاءة المهنية، إلى جانب تحسينات معيشية ملموسة مثل رفع قيمة بطاقة وجبات الطعام المدعومة (Cibus) — بطاقة شحن إلكترونية تمنحها المؤسسات الكبرى للموظفين لتغطية مصاريف طعامهم بأسعار مخفضة— لتصل إلى 500 شيكل شهريا.

ولكن لفهم موقع الصحفي في السلم الاقتصادي العام في إسرائيل، يبرز الحد الأدنى القانوني للأجور كخط أساسي للمقارنة، حيث تشير بيانات مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية إلى أن الحد الأدنى للأجور للعامل بدوام كامل يبلغ 6,443.85 شيكلا شهريا ابتداء من 1 ابريل للعام 2026، (ما يعادل قرابة 2,147 دولاراً أمريكيا، على أساس سعر صرف تقريبي يبلغ 3 شواكل للدولار)، بمتوسط أجر ساعة يبلغ حوالي 34.64 شيكلا. وعند مقارنة متوسط دخل الصحفي في إسرائيل، تشير تقديرات مواقع إسرائيلية متخصصة في الرواتب، ومنها موقع “مو جوب”، إلى أنه يبلغ نحو 14,000 شيكل شهريا، (أي ما يعادل حوالي 4,660 دولارا)، وذلك وفق بيانات محدثة لعام 2026، ويعطي هذا المتوسط انطباعا أوليا بوجود مستوى دخل مقبول، إلا أنه يخفي تفاوتا حادا بين فئات الصحفيين بحسب طبيعة التعاقد ومستوى المؤسسة الإعلامية، كما تختلف الأجور باختلاف الوسيلة الإعلامية، إذ تميل القنوات التلفزيونية الكبرى إلى تقديم أعلى الرواتب، بينما تنخفض في الصحافة المكتوبة والمواقع الإخبارية الرقمية.

ويتجلى هذا التفاوت بوضوح عند تشريح الأجور في قطاعي الإعلام العام والخاص، ففي هيئة البث العامة “كان”، يبدأ الصحفي المبتدئ مساره المهني براتب يتراوح بين 9,000 إلى 10,500 شيكل شهريا مستفيدا من الحماية النقابية والحقوق الاجتماعية التي أقرتها الاتفاقية الجماعية الأخيرة، بينما يتراوح راتب الصحفي ذي الخبرة في الهيئة بين 14,000 إلى 18,000 شيكل شهريا، في حين يخضع كبار مقدمي البرامج والمحللين لحد أعلى للأجور تفرضه وزارة المالية لضبط المال العام يتراوح بين 35,000 إلى 48,000 شيكل شهريا.

في المقابل، يسيطر نظام العقود الشخصية الفردية على الإعلام التجاري والخاص مثل القناتين 12 و13 والمواقع الإخبارية الكبرى، حيث تتسع الفجوة الطبقية بشكل صارخ، إذ يتقاضى الصحفي المبتدئ أو المحرر الميداني هناك أجرا هزيلا يتراوح بين 7,500 إلى 9,000 شيكل شهريا دون أي حماية نقابية، بينما يقفز أجر كبار المحللين والمذيعين إلى أرقام فلكية تبدأ من 70,000 شيكل وتتجاوز 100,000 شيكل شهريا، وهي أرقام يحددها منطق السوق الحر ونسب المشاهدة والإعلانات التجارية. وتعكس هذه الفجوة استمرار اعتماد عدد من المؤسسات الإعلامية الخاصة على نظام العقود الفردية، مع محدودية التنظيم النقابي داخلها، الأمر الذي يضعف القدرة الجماعية للعاملين على التفاوض بشأن الأجور وشروط العمل.

ولا يقتصر التفاوت في سوق الصحافة الإسرائيلية على الفارق بين الصحفيين العاديين والإعلاميين البارزين، بل يظهر أيضا في القدرة الاقتصادية الهائلة التي يمنحها “الاسم الإعلامي” لبعض الشخصيات البارزة في التلفزيون التجاري. وبحسب تقرير نشره موقع (آي سي إي) الإسرائيلي في ديسمبر 2025 حول أجور كبار الإعلاميين، فإن بعض مقدمي البرامج والصحفيين البارزين يحصلون على مداخيل تصل إلى ملايين الشواكل سنويا، حيث يقدر أجر إيال بركوفيتش، مقدم البرامج في القناة 13، بنحو 200 ألف شيكل شهريا (قرابة 2.4 مليون شيكل سنويا)، بينما يقدر أجر داني كوشمارو، مقدم الأخبار في القناة 12، بين 125 و165 ألف شيكل شهريا (ما يقارب 1.5 إلى 2 مليون شيكل سنويا). وتمثل هذه الأرقام عقود العمل الإعلامي التلفزيوني المباشر دون احتساب مصادر الدخل الإضافية الأخرى.

وعلى الطرف النقيض تماما من هذه الرواتب الفلكية لنجوم الشاشة، تبرز ملامح أزمة بنيوية طاحنة تلتهم أمان الصحفيين العاديين، فلم تسلم الصحافة المكتوبة من هذه التحولات، إذ أدى تراجع توزيع الصحف الورقية وانتقال سوق الإعلان إلى المنصات الرقمية إلى تقليص غرف الأخبار التقليدية، ودفع عددا من المؤسسات إلى الاعتماد على عقود أكثر هشاشة وتقليل عدد العاملين، الأمر الذي انعكس سلبا على مكانة الصحفي وقدرته التفاوضية.

ولا تقف الهشاشة عند الصحافة المكتوبة، بل تتدحرج لتلتهم حقوق فئة واسعة من صحفيي العمل الحر (فري لانسر) والمراسلين بالقطعة، الذين تحولوا إلى “عمال مياومة” في غرف الأخبار الرقمية، مجردين من أي حماية اجتماعية أو حد أدنى للأجور.

وتتزامن هذه الأزمة مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى غرف الأخبار، وهو تحول يثير نقاشا متزايدا حول مستقبل الوظائف الصحفية، خاصة في المستويات المهنية الأولى.

وفق تقرير لبنك إسرائيل الصادر عام 2025 حول تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي على سوق العمل، فإن هذه التقنيات ستعيد تشكيل عدد من المهن من خلال تغيير طبيعة بعض المهام أو أتمتة بعضها، الأمر الذي يثير تساؤلات داخل القطاعات المهنية، ومنها الصحافة، حول مستقبل بعض الوظائف التقليدية، وتزداد تداعيات هذه التحولات وضوحا لدى الفئات التي تعاني أصلا من محدودية الحماية المهنية وضعف فرص التقدم الوظيفي.

ولا تتوقف الفجوات عند حدود القطاع المهني، بل تمتد لتلتهم البعد الجغرافي والاجتماعي، فالكتلة المالية الكبرى وسلالم الأجور المرتفعة تتركز بشكل شبه احتكاري في منطقة المركز وتل أبيب الكبرى حيث تكلفة المعيشة الباهظة، في حين تنخفض الأجور بشكل ملحوظ في الهوامش والمدن البعيدة مثل بئر السبع في الجنوب، وحيفا والناصرة في الشمال، مما يؤثر سلبا على جودة التغطية في الأطراف واستقرار كوادرها الإعلامية.

وتؤدي هذه الهشاشة الاقتصادية، لا سيما بين الصحفيين المبتدئين في الإعلام الخاص، إلى تسهيل عملية توجيه التغطية الإعلامية من قبل كبار ملاك الصحف والقنوات الذين يشكلون جزءا من النخبة الاقتصادية المؤثرة في إسرائيل، حيث قد يجد الصحفي نفسه، في ظل ضعف الاستقرار الوظيفي وغياب الحماية الكافية، أمام ضغوط تدفعه إلى تجنب الصدام مع مصالح المالكين أو الجهات المؤثرة، وربما ممارسة قدر من الرقابة الذاتية حفاظا على موقعه المهني. ولذلك، فإن توفير أجر عادل وشروط عمل مستقرة لا يمثل مجرد مطلب اقتصادي، بل يعد عنصرا أساسيا في تعزيز استقلالية الصحفي وقدرته على ممارسة عمله بعيدا عن التأثيرات غير المهنية.

ولا تنفصل قضية الأجور عن النقاش الأوسع حول استقلالية الصحافة في إسرائيل. ففي جلسة عقدتها المحكمة المركزية في القدس في 16 يوليو 2026، ضمن محاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الملف 2000، قال وزير الطاقة الإسرائيلي السابق وعضو الكنيست زئيف إلكين: “إن العلاقة بين بعض السياسيين ووسائل الإعلام تقوم في كثير من الأحيان على تبادل المصالح، حيث يحصل السياسي على تغطية إعلامية مقابل إتاحة المعلومات أو فرص الوصول”. وأشار إلكين إلى أن هذا النمط من العلاقات يشمل الصحفيين والمحررين والناشرين”.

ويعزز هذا الجدل الطرح القائل إن تعزيز الاستقرار الاقتصادي للصحفيين يبقى أحد العوامل التي تساعد على الحد من تأثير الضغوط السياسية والاقتصادية في العمل المهني.

ويرى البروفيسور داني غوتوين، أستاذ التاريخ الاجتماعي-الاقتصادي في جامعة حيفا، أن تراجع المكانة الاقتصادية للصحفيين قد يؤثر في قدرتهم على ممارسة دورهم الرقابي باستقلالية، إذ إن ضعف الاستقرار المهني يزيد من احتمالات تعرضهم لضغوط المؤسسة وأصحاب المصالح. ويلخص غوتوين هذا الخطر بالقول إن “الصحفي الجائع أو المجوع يتحول إلى صحفي ودود وأليف”.

بذلك تكشف قضية أجور الصحفيين في إسرائيل أن الصراع على مكانة الصحفي لا يدور فقط حول قيمة الراتب، بل حول شروط إنتاج المعرفة نفسها، ومدى قدرة الصحفي على الحفاظ على استقلاليته داخل بيئة تتداخل فيها اعتبارات السوق والسياسة والملكية الإعلامية.

المصادر والمراجع:

1- منظمة الصحفيين والصحفيات توقع، للمرة الأولى، اتفاقية عمل جماعية شاملة مع هيئة البث العامة “كان”

הסכם קיבוצי רחב נחתם לראשונה בתאגיד השידור הציבורי

2- مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية

بيانات الحد الأدنى للأجور في إسرائيل.

https://www.btl.gov.il/Mediniyut/GeneralData/Pages/%D7%A9%D7%9B%D7%A8%20%D7%9E%D7%99%D7%A0%D7%99%D7%9E%D7%95%D7%9D.aspx

3- Mojob

بيانات أجور الصحفيين في إسرائيل، وفق بيانات محدثة لعام 2026 (متوسط الأجر الشهري الإجمالي).

https://mojob.co.il/salary/journalist

4- ICE

تقرير حول أجور كبار الإعلاميين في إسرائيل والفجوة بين رواتب الشخصيات الإعلامية البارزة وبقية العاملين في القطاع.

https://www.ice.co.il/media/news/article/1095904

5- Ynet

“نتنياهو حضر وغادر.. إلكين يدلي بشهادته في المحاكمة: أشعر بعدم ارتياح” — تغطية شهادة زئيف إلكين في محاكمة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ضمن الملف 2000، وتناوله للعلاقة بين السياسيين ووسائل الإعلام.

https://www.ynet.co.il/news/article/b1uqk2n4mx

6- موقع العين السابعة

مقابلة مع البروفيسور داني غوتوين، أستاذ التاريخ الاجتماعي-الاقتصادي في جامعة حيفا، حول التحولات في سوق الإعلام والعلاقة بين الاستقرار الاقتصادي للصحفيين واستقلالية العمل الصحفي.

https://www.the7eye.org.il/28493

* كاتب وصحفي من غزة

https://anbaaexpress.ma/6hrnc

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى