بقلم: الدكتورة أميرة عبد العزيز
لم تعد كرة القدم الحديثة تُحسم بالمهارة الفنية والخطط التكتيكية فقط، بل أصبحت الساحة التي تتجلى فيها بوضوح تأثيرات العقل والانفعال والإدراك النفسي.
فكلما تقاربت المنتخبات في الإمكانات البدنية والفنية، أصبح العامل النفسي أكثر حضورًا في صناعة الفارق، سواء في اتخاذ القرار، أو الثقة بالنفس، أو القدرة على مواجهة الضغوط في اللحظات الحاسمة.
ومن هذا المنطلق، أطرح فرضية تستحق التأمل والبحث العلمي، وهي أن اللاعب قد يتأثر على مستوى العقل الباطن عندما يواجه منتخبًا يضم لاعبين اعتاد اللعب معهم أو أمامهم في الدوري الذي يمارس فيه نشاطه الاحترافي.
فهذا الاحتكاك المتكرر لا يقتصر على الجانب الفني، بل قد يصنع صورة ذهنية راسخة تمنح المنافس مكانة نفسية تتجاوز حدود المباراة الدولية.
في هذا السياق، يمكن قراءة أداء المنتخب المغربي أمام فرنسا من زاوية نفسية مختلفة. فعدد كبير من لاعبي المنتخب المغربي ينشطون في الدوري الفرنسي، ويواجهون لاعبي المنتخب الفرنسي بصورة مستمرة داخل الأندية أو المنافسات المحلية.
ومن الممكن أن يؤدي هذا الاحتكاك المستمر إلى تكوين انطباعات لا واعية حول قوة هؤلاء اللاعبين أو مكانتهم، وهو ما قد ينعكس على الجرأة في المواجهات الفردية، وسرعة اتخاذ القرار، والثقة في تنفيذ الحلول الهجومية، دون أن يكون اللاعب مدركًا لهذا التأثير.
وإذا كانت هذه الفرضية قابلة للتطبيق في هذه الحالة، فمن المنطقي التساؤل عما إذا كان المنتخب الفرنسي قد مر بتجربة نفسية مشابهة أمام المنتخب الإسباني، خاصة أن عددًا كبيرًا من لاعبي فرنسا يمارسون في الدوري الإسباني، ويتشاركون مع لاعبي إسبانيا غرف الملابس أو يواجهونهم أسبوعيًا في واحدة من أقوى المنافسات الكروية في العالم.
فهل يمكن أن يؤدي هذا القرب المهني إلى بناء صورة ذهنية تمنح المنافس أفضلية نفسية غير مقصودة عند الانتقال من هوية النادي إلى هوية المنتخب؟
إن العقل الباطن لا يخزن المهارات فقط، بل يخزن أيضًا الخبرات والانطباعات والتقييمات المتكررة. وعندما تتكرر مواجهة لاعب معين بوصفه نجمًا بارزًا أو قائدًا داخل فريق كبير، فقد تتحول هذه الصورة مع مرور الوقت إلى مرجع نفسي يؤثر في الإدراك والسلوك أثناء المنافسة، حتى وإن كان اللاعب يمتلك القدرة الفنية الكاملة على التفوق عليه.
وهنا لا يكون التأثير في صورة خوف مباشر، وإنما في شكل تردد بسيط، أو احترام مفرط، أو انخفاض في المبادرة، وهي تفاصيل صغيرة قد تصنع الفارق في المباريات الكبرى.
وتنسجم هذه الرؤية مع عدد من المفاهيم الراسخة في علم النفس الرياضي، وعلى رأسها مفهوم الكفاءة الذاتية الذي قدمه عالم النفس ألبرت باندورا، والذي يوضح أن اعتقاد الفرد بقدرته على النجاح يعد من أهم محددات الأداء.
كما تشير الأدبيات العلمية إلى أن الصورة الذهنية للمنافس، والثقة بالنفس، والإدراك المعرفي للقدرات، كلها عوامل تؤثر في جودة الأداء واتخاذ القرار تحت الضغط، إلا أنها لا تقدم دليلًا مباشرًا على أن الانتماء إلى دوري المنافس يؤدي بذاته إلى تراجع الأداء.
ولهذا، فإن ما أطرحه هنا ليس حقيقة علمية مثبتة، وإنما فرضية نفسية قابلة للاختبار، قد تفتح بابًا جديدًا في الدراسات المتعلقة بعلم النفس الرياضي، من خلال البحث في العلاقة بين البيئة الاحترافية التي ينتمي إليها اللاعب، وبين أدائه الذهني والانفعالي عندما يمثل منتخب بلاده أمام لاعبين اعتاد رؤيتهم داخل تلك البيئة نفسها.
وربما آن الأوان لأن تتوسع الأبحاث في هذا الاتجاه، فلا تكتفي بقياس اللياقة البدنية أو الكفاءة الخططية، بل تدرس أيضًا أثر الهوية الاحترافية، والانتماء إلى الدوريات الكبرى، والصور الذهنية التي يبنيها اللاعب عن منافسيه، ومدى انتقال تلك الصور من مستوى الأندية إلى مستوى المنتخبات.
فإذا كانت الخطط تُرسم في غرف المدربين، والمهارات تُصقل في الملاعب، فمن يرسم الخرائط الخفية داخل العقل الباطن للاعب؟ وهل يمكن أن تكون بعض الهزائم قد بدأت في الذهن قبل أن تبدأ على أرض الملعب؟
يمكن أن يكون هذا التساؤل نواةً لأبحاث مستقبلية قد تعيد النظر في أحد الجوانب الأقل تناولًا في علم النفس الرياضي، وتثري النقاش العلمي حول العلاقة بين الخبرة الاحترافية والأداء الدولي.




