آراءسياسةمجتمع
أخر الأخبار

إكس ليبان جديدة.. حين تعود العقدة الفرنسية لتطارد الذاكرة المغربية

هنا يعود اسم المفكر المغربي الراحل المهدي المنجرة، الذي كان من أبرز الأصوات التي انتقدت استمرار أشكال الهيمنة بعد نهاية الاستعمار

لم تكن خسارة المنتخب الوطني المغربي أمام فرنسا مجرد نتيجة رياضية تنتهي بصافرة الحكم. بالنسبة لملايين المغاربة، كانت لحظة ثقيلة اختلط فيها الحلم بالخيبة، لأن المواجهة لم تكن أمام منتخب عادي، بل أمام خصم يحمل في الذاكرة الجماعية أكثر من مجرد قميص رياضي.

في كرة القدم، الخسارة جزء من اللعبة، والمنتخبات الكبرى تمر بلحظات تعثر. لكن ما جعل وقع هذه الهزيمة مختلفاً هو أن الجماهير المغربية لم تكن تنتظر انتصاراً عادياً، بل كانت تنتظر لحظة رمزية: لحظة يشعر فيها جيل كامل أن المنتخب تجاوز عقداً نفسية وتاريخية ظلت حاضرة لعقود.

غير أن ما زاد من مرارة الخروج لم يكن النتيجة فقط، بل الطريقة التي ظهر بها المنتخب الوطني داخل الملعب. فقد بدا الأداء باهتاً ومغايراً للصورة التي رسمها هذا الجيل في محطات سابقة، حيث غابت السرعة في بناء الهجمات، وضعفت الجرأة في مواجهة منتخب فرنسي كان ينتظر ضغطاً أكبر ومقاومة أقوى.

لم يكن الأمر مجرد خسارة في النتيجة، بل كان سؤالاً حول الشخصية التي ظهر بها المنتخب في مباراة كان ينتظر منها المغاربة أداءً يليق بحجم الرهان.

طريقة اللعب، والقرارات التكتيكية، وغياب الفعالية الهجومية، كلها عوامل طرحت أكثر من علامة استفهام لدى المتابعين. كيف يمكن لمنتخب أثبت قدرته على مقارعة كبار العالم أن يظهر بهذه الصورة في لحظة مفصلية؟ هل كان الضغط النفسي وحجم المسؤولية أكبر من قدرة اللاعبين على التعامل مع المباراة؟ أم أن هناك اختيارات تقنية تحتاج إلى مراجعة وتقييم هادئ بعيداً عن الانفعال؟

هذه الأسئلة لا تقلل من قيمة اللاعبين ولا من الإنجازات التي حققها المنتخب في السنوات الأخيرة، لكنها تعكس حجم التطلعات التي أصبحت مرتبطة بهذا الجيل.

فالمغاربة لم يعودوا ينظرون إلى المنتخب باعتباره مجرد فريق يشارك، بل أصبحوا ينتظرون منه المنافسة الحقيقية وكتابة صفحات جديدة في تاريخ كرة القدم الوطنية.

ومع ذلك، فإن هذه الخسارة أعادت إلى الواجهة أسئلة تتجاوز المستطيل الأخضر. فليس من الإنصاف القول إن كل خسارة أمام منتخب قوي تخفي خلفها مؤامرة، لأن كرة القدم تحكمها عوامل كثيرة، من الجاهزية البدنية إلى الاختيارات التكتيكية وصولاً إلى تفاصيل صغيرة قد تغير مسار المباراة.

لكن من حق الشعوب أيضاً أن تقرأ الأحداث في سياقها التاريخي والنفسي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعلاقات لم تُغلق كل ملفاتها بعد.

ففرنسا، رغم تغير الزمن، ما زالت حاضرة بقوة في محيطها التاريخي، وتحافظ على نفوذ سياسي واقتصادي وثقافي في عدد من المناطق التي كانت تحت سيطرتها سابقاً. وهذا النفوذ ليس وهماً، بل موضوع نقاش مستمر في العديد من الدول التي عاشت تجربة الاستعمار، حيث انتقل التأثير أحياناً من السيطرة المباشرة إلى أدوات أكثر تعقيداً.

وفي الحالة المغربية، يبقى ملف الصحراء المغربية أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة مع القوى الدولية. فهذا الملف يمثل قضية سيادة ووحدة ترابية بالنسبة للمغرب، ولذلك فإن مواقف الدول الكبرى منه لا تمر دون اهتمام أو قراءة دقيقة داخل المجتمع المغربي. ومن هنا نفهم لماذا يرى البعض أن هذا الملف يشكل نقطة ضغط في العلاقات الدولية، ولماذا ما زالت بعض المواقف الفرنسية تثير نقاشاً واسعاً.

لكن تحويل مباراة كرة قدم إلى دليل على قرار سياسي مسبق يبقى أمراً يحتاج إلى أكثر من الشعور والانطباع. فالمنافسة الرياضية لها منطقها الخاص، والمنتخب المغربي واجه منتخباً فرنسياً يملك خبرة وإمكانيات كبيرة. غير أن السؤال الأعمق ليس فقط: هل كانت المباراة موجهة؟ بل: لماذا تجعلنا مواجهة فرنسا نستحضر كل هذا التاريخ؟

هنا يعود اسم المفكر المغربي الراحل المهدي المنجرة، الذي كان من أبرز الأصوات التي انتقدت استمرار أشكال الهيمنة بعد نهاية الاستعمار. فقد رأى أن مرحلة ما بعد الاستقلال لم تكن دائماً قطيعة كاملة مع الماضي، وأن بعض العلاقات الدولية قد تستمر فيها موازين غير متكافئة بأشكال جديدة.

وكان حديثه عن “إكس ليبان” يعكس قلقاً فكرياً حول طبيعة الانتقال من مرحلة الحماية إلى بناء دولة مستقلة القرار. ولذلك فإن استحضار “إكس ليبان” اليوم ليس بالضرورة بحثاً عن تفسير جاهز لكل حدث، بل هو تعبير عن سؤال أكبر: هل تحررت الدول فعلاً من كل أشكال النفوذ، أم أن الاستقلال السياسي يحتاج دائماً إلى تعزيز بالاستقلال الاقتصادي والثقافي والاستراتيجي؟

إن الألم الحقيقي في هذه الخسارة لم يكن بسبب نتيجة مباراة فقط، بل بسبب حجم الأمل الذي حملته الجماهير المغربية. أربعون مليون مغربي عاشوا حلماً جماعياً، وانتظروا من منتخبهم أن يجسد صورة المغرب القادر على المنافسة ورفع التحدي. لذلك جاءت الهزيمة كجرح معنوي، لأنها اصطدمت بتطلعات شعب بأكمله.

لكن النضج يقتضي أيضاً الاعتراف بأن قوة الأمم لا تُبنى فقط على تفسير الخسارات، بل على تحويلها إلى دروس. فالرد على أي نفوذ خارجي لا يكون بالحنين إلى الماضي أو أسر الذاكرة، وإنما ببناء مؤسسات قوية، واقتصاد متين، ورياضة قادرة على المنافسة، وقرار وطني مستقل.

ربما لا تكون “إكس ليبان جديدة” اتفاقاً سرياً خلف الأبواب كما يتخيل البعض، بل قد تكون معركة أخرى من نوع مختلف: معركة الوعي والتحرر من بقايا الماضي، وبناء حاضر يجعل المغرب شريكاً لا تابعاً.

ففي النهاية، كرة القدم ليست مجرد تسعين دقيقة، إنها مرآة تعكس أحياناً ما تخفيه المجتمعات من أحلام وأسئلة وجراح تاريخية. والخسارة أمام فرنسا يجب ألا تكون نهاية الحلم، بل مناسبة لفهم الطريق الذي ما زال ينبغي قطعه نحو مزيد من القوة والثقة بالنفس.

https://anbaaexpress.ma/5fnyr

عبد الحي كريط

باحث وكاتب مغربي، مهتم بالشأن الإسباني، مدير نشر أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى