آراءمجتمع
أخر الأخبار

مدى دستورية منع المحامي من تملك جميع حصص شركة ذات المسؤولية المحدودة في القانون رقم 66.23

قراءة متوازنة لمشروع القانون رقم 66.23 في ضوء الدستور والتجارب المقارنة

د. خالد خالص

يثير مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة نقاشا مهما حول توسيع حالات التنافي، ومن بينها منع المحامي من تملك جميع حصص شركة ذات مسؤولية محدودة، ولو كانت تتمتع بإدارة مستقلة يتولاها مسير غير المحامي (المادة 14 ف.2).

ويطرح هذا المقتضى سؤالا جوهريا: هل يتعارض الاستثمار السلبي في الشركات مع استقلال المحامي، أم أن المنع المطلق يفرض قيدا غير مبرر على حقه في الاستثمار والمبادرة الاقتصادية؟

في تقديرنا، ينبغي التمييز بين مزاولة النشاط التجاري، أي القيام بالأعمال التجارية بصفة اعتيادية ومباشرة، وبين مجرد تملك حصص أو أسهم في شركة دون المشاركة في إدارتها أو تسييرها.

فالتشريعات المنظمة لمهنة المحاماة، سواء الحالية أو السابقة، لم تكن تعتبر مجرد ملكية الحصص التجارية سببا للتنافي، وإنما كانت تنصب أساسا على منع المحامي من ممارسة التجارة بنفسه أو من تولي مهام الإدارة والتسيير داخل الشركات التجارية، حماية لاستقلاله المهني.

فالملكية في ذاتها لا تعني ممارسة التجارة، خاصة وأن الشركة ذات المسؤولية المحدودة تتمتع بشخصية معنوية مستقلة وذمة مالية مستقلة عن ذمة الشريك، ويتولى إدارتها مسير مستقل.

ولإبراز الإشكال عمليا، يمكن تصور المثال التالي:

محام آلت إليه عن طريق الإرث بقعة أرضية داخل مدار حضري مخصص لتشييد عمارات من خمس طوابق. فإذا قام ببناء العمارة باسمه الشخصي وبيع الشقق، فإنه سيدخل في نطاق ممارسة نشاط تجاري يتنافى مع مهنته، لأن بيع أكثر من شقة في إطار مشروع عقاري يعد عملا تجاريا.

أما إذا أحدث شركة ذات مسؤولية محدودة تتولى إنجاز المشروع، وأسند تسييرها إلى مسير مستقل مختص في المجال العقاري، فإن دوره سيقتصر على الاستثمار دون ممارسة التجارة.

غير أن المنع المطلق لتملك جميع الحصص سيضطره إلى إدخال شريك صوري أو غير مرغوب فيه، ليس لحاجة اقتصادية أو قانونية، وإنما فقط لتفادي حالة التنافي، وهو ما قد يخلق مخاطر قانونية ونزاعات مستقبلية لا مبرر لها.

وتتكرر الإشكالية في حالات أخرى. فقد يرث محام جميع حصص شركة قائمة لها مسير مستقل، فيجد نفسه ملزما بالتخلي عن جزء من ملكيته أو إدخال شركاء جدد دون أي مبرر مرتبط باستقلال المهنة.

كما قد يرغب محام في الاستثمار في شركة ناشئة (Startup) تعمل في مجال التكنولوجيا القانونية أو الخدمات الرقمية، ويتولى إدارتها مختصون في المجال. فهل يشكل مجرد امتلاكه لجميع الحصص مساسا باستقلاله المهني، رغم أنه لا يمارس أي نشاط تجاري مباشر ولا يشارك في التسيير؟

وتكشف هذه الأمثلة أن جوهر الإشكال لا يكمن في ملكية الحصص، وإنما في ممارسة النشاط التجاري أو تولي الإدارة والتسيير. ومن ثم، فإن الخلط بين الأمرين يؤدي إلى توسيع غير مبرر لمفهوم التنافي.

ويزداد هذا الإشكال وضوحا إذا استحضرنا الطبيعة القانونية للشركة ذات المسؤولية المحدودة، باعتبارها شخصا معنويا مستقلا عن الشركاء، له ذمة مالية مستقلة ويتولى تسييره جهاز إداري خاص.

وبالتالي، فإن الشريك الذي لا يمارس الإدارة أو التسيير لا يباشر بنفسه النشاط التجاري، ولا يمكن اعتبار مجرد ملكيته لجميع الحصص ممارسة للتجارة.

ومن هنا، يثور التساؤل حول مدى انسجام المادة 14 من مشروع القانون مع الفصل 35 من دستور المملكة لسنة 2011، الذي لا يقتصر على ضمان حق الملكية، وإنما ينص كذلك على أن الدولة تضمن حرية المبادرة والمقاولة والتنافس الحر.

ويؤكد هذا الفصل أن الأصل هو حماية حرية الاستثمار، وأن أي قيد يرد عليها ينبغي أن يظل استثناء تبرره ضرورة حقيقية ومصلحة عامة مشروعة.

ولا خلاف في أن حماية استقلال المحامي تمثل هدفا مشروعا يبرر تدخل المشرع. غير أن المشروعية الدستورية لا تتوقف عند وجود الهدف، وإنما تمتد إلى مدى تناسب الوسيلة التشريعية مع هذا الهدف.

فالمبدأ الدستوري المستقر يقضي بأن كل تقييد لحق أو حرية يجب أن يكون ضروريا، وأن يقتصر على الحد الأدنى اللازم لتحقيق الغاية المرجوة.

ومن هذا المنطلق، فإن المنع المطلق للمحامي من تملك جميع حصص شركة ذات مسؤولية محدودة، حتى في الحالة التي لا يتولى فيها إدارتها أو تسييرها، لا يمس فقط بحرية المبادرة الاقتصادية، بل يقيد أيضا إحدى صور ممارسة حق الملكية التي كفلها الفصل 35 من الدستور. فالملكية في حد ذاتها لا تشكل تهديدا لاستقلال المحامي، ولا يثبت أنها تؤدي بذاتها إلى الإخلال بأخلاقيات المهنة.

ومن ثم، يثور التساؤل حول مدى احترام المادة 14 لمبدأ التناسب، باعتباره أحد المبادئ الدستورية الحاكمة لكل تقييد للحقوق والحريات، الأمر الذي يجعل مناقشة هذا المقتضى ليست مجرد نقاش مهني، وإنما أيضا نقاشا دستوريا يتعلق بحدود السلطة التقديرية للمشرع.

وفي التجارب المقارنة، لا يتجه التشريع إلى المنع المطلق.

ففي فرنسا، يظل مبدأ التنافي قائما، غير أن المحامي يجوز له امتلاك بعض أو كل أسهم أو حصص الشركات التجارية، شريطة ألا يتولى إدارتها أو تسييرها، مع خضوعه لقواعد صارمة تتعلق بالاستقلال وتضارب المصالح.

وفي إسبانيا، يقوم النظام على المقاربة نفسها تقريبا، حيث ينصرف المنع إلى ممارسة التجارة بصفة مهنية، لا إلى مجرد الاستثمار أو تملك الحصص، مع بقاء العبرة في المحافظة على استقلال المحامي ونزاهته.

وتؤكد هذه التجارب أن التشريعات الحديثة لا تتجه إلى الإقصاء، وإنما إلى التنظيم والرقابة وتحقيق التوازن بين استقلال المهنة والحقوق الاقتصادية للمحامي.

ولا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أن المحامي ليس مجرد فاعل قانوني، بل هو أيضا فاعل اقتصادي يساهم في ترسيخ الأمن القانوني وجذب الاستثمار وتأطير المقاولات ومواكبة المشاريع الناشئة. فالاقتصاد المعاصر يقوم على المعرفة، والمحامي أحد أهم الفاعلين في إنتاج الثقة القانونية التي تشكل أساس التنمية والاستثمار.

ومن ثم، يبدو من غير المنطقي أن يطلب من المحامي مواكبة المستثمرين قانونيا، بينما يمنع هو من الاستثمار المنظم الذي لا يمس باستقلاله ولا بأخلاقيات مهنته.

ولا يقف الإشكال عند الاستثمار المستقبلي، بل يمتد أيضا إلى أوضاع قائمة بالفعل. فماذا سيكون مصير المحامين الذين يملكون جميع حصص شركات ذات مسؤولية محدودة قبل صدور هذا القانون؟ وهل سيلزمون بالتخلي عن جزء من ملكيتهم أو إدخال شركاء جدد بعد دخوله حيز التنفيذ؟

إن هذا التساؤل يرتبط بمبدأ دستوري أصيل يتمثل في الأمن القانوني وعدم المساس بالحقوق المكتسبة، كما يستند إلى مبدأ عدم رجعية القوانين المنصوص عليه في الفصل السادس من الدستور، والذي يقتضي ألا يؤدي القانون الجديد إلى المساس بأوضاع قانونية استقرت في ظل تشريع سابق، إلا في الحدود التي يبررها الدستور.

إن المطلوب ليس فتح المجال دون ضوابط، ولا إضعاف مبدأ استقلال المحامي، وإنما اعتماد مقاربة متوازنة تميز بين الاستثمار المشروع وممارسة التجارة، وتحافظ في الوقت نفسه على أخلاقيات المهنة واستقلالها.

فاستقلال المحامي قيمة دستورية ومهنية لا خلاف حولها، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى عزلة اقتصادية أو إلى تقييد غير مبرر للحقوق والحريات التي يكفلها الدستور.

فالتنمية تحتاج إلى كفاءات قانونية مستثمرة بقدر حاجتها إلى رؤوس الأموال، والتشريع الرشيد هو الذي يحقق التوازن بين حماية المهنة وصيانة الحقوق الدستورية.

فالمحامي ليس فقط مدافعا عن الحقوق أمام المحاكم، بل هو أيضا شريك في بناء الثقة القانونية التي يقوم عليها الاستثمار والتنمية.

ومن ثم، فإن التشريع المتوازن هو الذي يحمي استقلال المهنة دون أن يضع المحامي خارج دائرة المبادرة الاقتصادية التي يسهم، بحكم رسالته، في تنظيمها وتأطيرها.

* محام بهيئة المحامين بالرباط مقبول للترافع أمام محكمة النقض

https://anbaaexpress.ma/diezc

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى