سؤال يبدو، للوهلة الأولى، بديهياً إلى درجة لا تستحق التفكير. لكن كلما اقتربنا منه، اتسع كالصحراء نفسها، وتكاثرت فيه الطرق والقبائل واللغات والآلهة، والملوك، والرحّل، والتجّار.
فالعروبة التي نعرفها اليوم ليست شهادة ميلاد واحدة، ولا دماً صافياً، ولا خيمةً خرج منها الجميع في ليلة واحدة. إنها، في الحقيقة، حكاية طويلة ومعقّدة، كُتبت على الصخور، وفي الأسواق، وعلى طرق البخور، وفي المدن التي تعاقبت عليها الإمبراطوريات.
اعتدنا أن نبحث عن أبٍ واحدٍ لتاريخنا، عن جدٍّ كبير نجلس جميعاً في ظلّه ونقول: من هنا بدأنا. لكن التاريخ لا يحب هذه الراحة. التاريخ يقول لنا إن البشر لا يولدون من اسم واحد، بل يصنعون أسماءهم عبر القرون. واسم «العرب» نفسه لم يكن دائماً يعني ما يعنيه اليوم.
في المصادر القديمة، ظهر غالباً بوصفه تسمية لجماعات تعيش في أطراف الصحراء، أو تتحرك فيها، وأطلقه الآخرون أحياناً قبل أن يتحول، في مراحل لاحقة، إلى هوية واسعة يتبناها الناس لأنفسهم.
لهذا، حين نقول إن العرب «أتوا من الجزيرة»، علينا أن نعرف أي جزيرة نقصد، وأي زمن نقصد، وأي عرب نقصد.
فالجزيرة العربية لم تكن صحراء فارغة تنتظر أن يملأها التاريخ. كانت عالماً من الواحات والقبائل والمرافئ والأسواق والممالك، فيها البدو والرعاة، نعم، لكنها عرفت أيضاً الزراعة، والتجارة، والكتابة، والسلطة.
كانت فيها ممالك كندة ولحيان ودادان، ومراكز تجارية ربطت جنوب الجزيرة بالشام والعراق ومصر والبحر المتوسط. لم يكن البدوي هو الصورة الوحيدة للإنسان العربي القديم، كما لم تكن الخيمة نقيض المدينة، فكثير من الناس تنقلوا بين الرعي والتجارة والاستقرار، بين الصحراء والواحة، وبين القافلة والسوق.
أما اليمن، فقصته أكثر ثراءً من أن تُختصر في العبارة السهلة: «اليمن أصل العرب» أو «اليمنيون ليسوا عرباً». كلا القولين يظلم التاريخ.
في جنوب الجزيرة قامت حضارات سبأ ومعين وقتبان وحضرموت وحِمير، وبنت السدود ونظمت الريّ وأدارت تجارة البخور واللبان.
كانت لها نقوشها ولغاتها الجنوبية القديمة، التي تختلف عن العربية الفصحى، وإن كانت تنتمي معها إلى العائلة السامية. لم يكن السبئيون مجرد قبائل تنتظر أن تُلحق بسردية لاحقة، بل كانوا أصحاب عالم كامل: ممالك، معابد، مدن، كتابة، وذاكرة سياسية خاصة.
لكن هذا لا يعني أن اليمن يقف خارج تاريخ العروبة، كما لا يعني أن العروبة تمحو سبأ وحِمير. الأدق أن نقول إن اليمن دخل، مع الزمن، في فضاء العروبة الواسع، وشارك في صنع لغته وثقافته وأنسابه ومخيلته، من دون أن يتخلى عن طبقاته الأقدم.
فالهوية ليست باباً مغلقاً: إما أن تكون سبئياً أو عربياً، كنعانياً أو عربياً، آرامياً أو عربياً. يمكن للإنسان أن يرث أكثر من طبقة، وأن يحمل في لغته الحاضرة صدى لغة قديمة، وفي ذاكرته أسماء ممالك لم تعد قائمة.
في بلاد الشام، تتضح هذه الحقيقة أكثر. سكان الشام ليسوا صفحة بيضاء بدأت مع الفتح الإسلامي، ولا مجرد هوامش في تاريخ الجزيرة.
هنا عاش الكنعانيون والفينيقيون والآراميون، ثم تعاقبت عصور آشورية وبابلية وفارسية، ويونانية، ورومانية، وبيزنطية. وحين انتشرت العربية بعد الإسلام، لم تهبط على أرض بلا تاريخ؛ دخلت إلى مدن وقرى تتكلم الآرامية واليونانية ولهجات محلية، ثم صارت، عبر قرون، لغة الحياة والإدارة، والشعر، والدين، والأسواق. كان ذلك تعريباً ثقافياً ولسانياً عميقاً، لا محواً سحرياً للناس الذين كانوا هنا قبل العربية.
لعل الأنباط يقدمون لنا المثال الأجمل على عبث السؤال، حين يطلب جواباً بسيطاً. هل كان الأنباط عرباً؟ أم آراميين؟ أم شعباً مستقلاً؟ الجواب: كانوا أنباطاً أولاً. مملكتهم، التي جعلت من البتراء مدينةً منحوتة في الصخر، نشأت بين الصحراء والتجارة، بين شمال الجزيرة وبلاد الشام.
كتبوا في كثير من وثائقهم ونقوشهم بالآرامية النبطية، لكن عالمهم اللغوي لم يكن آرامياً خالصاً، فالنقوش تكشف حضوراً عربياً واضحاً، والبحث الحديث يرجّح أن العربية والآرامية عاشتا معاً في مملكتهم.
لذلك فإن وصفهم بالعرب قد يكون صحيحاً في جانب، لكنه يصبح مضللاً حين يلغي خصوصيتهم النبطية، أو يجعلهم نسخة مبكرة من هوية لم تكن قد اكتملت بعد.
هذا هو الدرس الذي تمنحنا إياه البتراء: الهوية لا تسير في خط مستقيم. مدينة نبطية تكتب بالآرامية، تتنفس العربية، وتتاجر مع المتوسط وبلاد الرافدين ومصر؛ أيّ اسم واحد يستطيع أن يحيط بها؟
وإذا كانت البتراء تفتح لنا باب الأنباط، فإن تدمر تفتح باباً آخر لا يقلّ التباساً وثراءً. تلك المدينة التي نهضت في قلب البادية السورية لم تكن رومانية خالصة، ولا عربية خالصة، ولا آرامية خالصة؛ كانت تدمرية، وهذا يكفي لفهم عظمتها.
كتبت أهلها لغتهم الآرامية التدمرية، وبنوا معابدهم وأسواقهم تحت ظلال الإمبراطورية الرومانية، لكن أسماءهم وعلاقاتهم بالقبائل والبادية تكشف حضوراً عربياً واضحاً في نسيج المدينة.
كانت تدمر محطةً كبرى للقوافل بين الشرق والغرب، تتكلم أكثر من لغة، وتعبد آلهة متعددة، وتعرف كيف تحوّل موقعها بين الإمبراطوريات إلى قوة.
حين نذكر زنوبيا، لا ينبغي أن نسارع إلى وضعها في صندوق قومي حديث: عربية أم آرامية أم رومانية؟ كانت ملكة تدمر، ابنة مدينة تعرف أن الهوية ليست علماً واحداً يُرفع فوق الأسوار، بل قدرة على جمع العوالم المتباعدة في مكان واحد.
في تدمر، كما في البتراء، نرى أن الصحراء لم تكن هامشاً للحضارة، بل كانت قلباً نابضاً لها؛ وأن العرب، والآراميين، وسكان المدن، والقبائل، لم يعيشوا دائماً في جزر منفصلة، بل تداخلوا وتبادلوا اللغة، والتجارة، والدم، والخيال.
ربما كان العرب الأوائل، في جانب مهم من صورتهم القديمة، جماعات بدوية ورعوية عاشت في صحاري الجزيرة وشمالها. لكن اختزالهم في البداوة خطأ يشبه اختزال البحر في موجة واحدة. البداوة كانت نمط عيش، لا قدراً عرقياً؛ والمدينة لم تكن امتيازاً غريباً عن العرب.
من مكة ويثرب والطائف إلى الحيرة ودومة الجندل والبتراء، كانت الطرق التجارية تصنع عالماً متشابكاً، تتبادل فيه الجماعات اللغة والبضائع والعادات والآلهة، ثم الأفكار والأديان.
العروبة، إذاً، ليست إنكاراً للكنعاني في الشام، ولا للسبئي في اليمن، ولا للنبطي في البتراء، ولا للرافدي في العراق، ولا للأمازيغي في المغرب، ولا للمصري في وادي النيل.
إنها ليست ممحاةً تمر فوق الخرائط القديمة. إنها طبقة كبرى أضيفت إلى طبقات أقدم، ثم صارت مع الزمن لغة مشتركة، وفضاءً ثقافياً، وتاريخياً، واسعاً.
لسنا بحاجة إلى أن نثبت أننا «أنقى» من غيرنا، ولا إلى أن نفتش في عظام الأجداد عن وثيقة انتماء. قيمة العروبة ليست في أن تكون سلالة مغلقة، بل في أنها استطاعت أن تجمع، رغم الحروب والانقسامات، شعوباً متعددة تحت لغة واحدة وذاكرة مشتركة.
وحين نفهم ذلك، نتحرر من وهم الأصل الواحد، ومن الخوف من التعدد. نكتشف أن جذورنا ليست شجرة واحدة، بل غابة؛ وأن العروبة ليست سجناً للتاريخ، بل إحدى أجمل لغاته.




