آراء
أخر الأخبار

أنا والقرآن..

حاليا طريقتي في التعامل مع القرآن أصبحت مختلفة، مثلا على مدى أيام وأنا أقرأ سورة الرعد واكتشف أسرارها، وليست هي السورة الوحيدة، ثم إنني اكتشف كل يوم العديد من يشكك في القرآن الكريم، أو أنه مفهوم على نحو مغلوط..

قد يتعجب القاريء لو أخبرته أنني حينما كنت طالبا في المرحلة الإعدادية شابا يافعا لم أكن أحسن قراءة القرآن فضلا عن حفظه، ولكن حفظه رفع عندي ثلاث مستويات: نطق سليم، وصقل للكتابة رائع، وفوقها بركة القرآن في ذاكرتي وحياتي، وأنا أسجل هذه اللحظات وقد قاربت الثمانين من العمر؛ لذا كانت روايتي للقرآن الكريم مفيدة للكل مؤمنين كانوا أم ملاحدة مارقين.

وقد راسلني مجهول من المغرب قبل أيام يعلق على مقالتي حول كارثة الحضارة الغربية مثلثة الإضلاع؛ بالمادية والعدمية والتهديد بفناء البشرية مع أسلحة الدمار الشامل، كما صرح بذلك كارل ساغان بقوله دامت الحرب الكونية الأخيرة ست سنوات (1939 ـ 1945) استخدم فيها مايزيد عن 100 ألف قنبلة بقوة نارية بلغت 2 ميجاطن، أما إذا جن البشر طبعا من وراء السفهاء السياسيين الذين يحفرون مدنا تحت الأرض، كما سمعت عن جبل السكر امبراطور اليوتيوب (Zuckerberg) كيف يستعد للقيامة النووية، فسوف يكون صاروخ واحد مجهز بأكثر من رأس نووي سوف يمسح دولا بأكملها، وفي ست ساعات وليس ست سنوات سوف تسقط الحضارة الإنسانية.

لم يكن هدفي قط حفظ كتاب الله، ولكنه تحقق على نحو غريب، أقصه للقاريء والمستفسر، فائدة للباحثين، وتذكرة للحافظين. أول سورة حفظتها كانت سورة (مريم)، أما سورة (المؤمنون) فكان حفظها في معتقل المخابرات العسكرية في القامشلي، قبل التقدم إلى امتحان البكالوريا بشهرين؛ فكاد الامتحان أن يضيع علي لولا لطف الله؛ فمكثنا في أقبيتهم أربع عشرة يوما عددا، فخرجت وأمامي 43 يوما للامتحان؛ فنجحت وكنت الأول في المحافظة (الحسكة). حفظت سورة المؤمنون برفقة الدكتور (عبد الجبار يوسفان)، الذي كان معنا معتقلا هو طبيب مميز بقي في القامشلي ردحا من الزمان حيث التهم الأكراد الشوفينيون (قسد فسد في جيبها حبل من مسد = البعث الكردي).

وما زلت أتذكر تخوفي يومها أن تضيع السنة لأنني كنت قد حضرتها على نحو مكثف، ولما انتهى الامتحان كابدت من الجهد ماجعلني استلقي على ظهري شهرا كاملا، ولكن دماغي كان يتالقوقرأت يومها كتابا كاملا عن علم المواريث للقلعجي وفهمت مسألة العول حتى أرسل لي أخ فاضل هو علوش يشرح وجهة نظره وكيف يفهم علم المواريث في كتاب جميل.

وآخر سورة حفظتها كانت سورة (يونس) على ظهر بناية (حسان جلمبو) (يسمونه في دمشق الملحق) الذي تخرج مهندسا لاحقا، وانتهت حياته في جحيم تدمر على مابلغني في قصة عجيبة فقد بذل أهله طائل الأموال لإخراجه؛ وفعلا صدق زبانية سجن تدمر فخرج ولكن جثة؛ فعرفت زوجته أنها في حل فتزوجت وبنت عائلة جديدة، وسبحان الباقي، وأرسلت لي ابنته بنان صورة قبره، وفي نيتي إن دخلت سوريا بلدي حيث منه فررت أن أزور قبره وأبكي حنانا عليه، وأمر على فروع جهنم التسعة عشر (فروع المخابرات) حيث اعتقلت وعذبت لأرى ماذا حل بها؟

والدتي (جاهدة شيخموس وصفي) رحمة الله عليها كانت معجبة جدا بسورة مريم. ربما لجرسها الموسيقي. كانت تشجعني فأرسلتني لأخذ مواعظ دينية عند سيدة اسمها (زكية) إذا لم تخني الذاكرة. كانت امرأة بسيطة تقية بدون علم. وهكذا حفظت أول سورة في حياتي ولحبي لها فقد سميت ابنتي الثانية بها فهي مريم الموجودة حاليا في نيويورك وهي تمارس السياسة وإعادة الاعتبار للمرأة في دنيا العرب.

كنت في المرحلة الإعدادية (الصف الثامن = مايعادل الثاني إعدادي). كانت البرية والخلاء أصدقائي المقربين (نسميه الجول بتعطيش الجيم بثلاث نقط). وهكذا كانت أول سورة دخلت مستودعات الذاكرة عندي هي (سورة مريم).

لم يكن يخطر في بالي ولا للحظة أن المشروع سوف ينتهي بحفظ كامل القرآن؛ لأكتشف في النهاية أن الحفظ هي المرحلة السهلة، ولكن (الحفاظ) على ماحفظ هي المرحلة الأصعب، فهناك الكثيرين ممن حفظوا فنسوا؛ أو اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، أو لبسوا الحق بالباطل، أو كتموا الحقيقة كما فعل الكثير من فقهاء الحقبة الأسدية الجهنمية.

ثم تأتي المرحلة الأعظم مما مر وهي تدبر القرآن وفهم آياته وكلماته. بالمناسبة من أجل المحافظة على الحفظ يحتاج يوميا تكرار أربع ساعات؟

البارحة كنت استمع لعالم شيعي (القبانجي) يزعم التجديد الديني، وهو يتكلم عن القوس والقاب، وأن القاب هو زاوية أو نهاية القوس. كان كلامه في موضوع القرب والبعد. قلت هو ما أبحث عنه؛ لأن العديد من الكلمات في القرآن يجب الوقوف أمامها.

مثلا الطير الأبابيل مامعناها بالضبط؟ هل هي طيور من نوع خاص؟ أم كناية عن الكثرة؟ مثلا الكهف والرقيم؟ نعرف الكهف فماهو الرقيم؟ ثم لم نعرف شيئا عن مصير الكلب بعد أن رجع السبعة إلى الحياة؟ وفي هذا الاتجاه هناك مئات المواضع في القرآن، تحتاج أن يسلط عليها الضوء؟

بعد أن انتهيت من حفظ سورة مريم وفرحت والدتي بهذا الخبر، قلت لها إن حفظ (سورة البقرة) فيها حديث ينفع للوالدين، وهكذا توجهت لأعظم سورة، ولكن بعد المرور على سورة (فصلت = كنا مطالبين بحفظها في المرحلة الإعدادية ). لم يكن حفظي بالترتيب أو من البداية للنهاية كما في معاهد تحفيظ القرآن؟

كانت سورة فصلت مقررة علينا في الصف التاسع (ثالث إعدادي). كان الجميل في السورة مقطع روعة عن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا كيف تتزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأنهم أولياء الله.

هذه الصفحة من السورة أشجع فيها من يريد أن يزيد من حفظ القرآن، أن يركز على هذه الصفحة، وفيها دفع السيئة بالحسنة؟ ياحسرة على العباد. أحيانا أسمع تصرف الناس عكس الآية قلت إنه دفع الحسنة بالسيئة، على صورة مقلوبة لما جاء في القرآن.

بعد تجربتي مع حفظ القرآن رأيت أمكنة تصلح جدا للتلاوة وبشكل مكرر ومؤثر، أما آية التداين والربا والميراث وما شابه فهي أقرب للمتخصصين، كما ألفت النظر إلى أن (التورط) في حفظ القرآن بدون فهمه، ولو بشكل بسيط، لايعني أكثر من نسخة مكررة للمطبوعات، كما نقل يوما عن (محمد عبده) حين بلغه أن فلانا حفظ كتاب الله، فعلق: زادت نسخ القرآن نسخة.

أما الفهم والتفكيك والتحليل، بل واستخدام العلوم الإنسانية المساعدة؛ فهو شيء مختلف، ويعطي المعنى لماذا نزل هذا الكتاب المبين هدى للناس.

حاليا طريقتي في التعامل مع القرآن أصبحت مختلفة، مثلا على مدى أيام وأنا أقرأ سورة الرعد واكتشف أسرارها، وليست هي السورة الوحيدة، ثم إنني اكتشف كل يوم العديد من يشكك في القرآن الكريم، أو أنه مفهوم على نحو مغلوط، ولعل أشهر من كتب على حد علمي من الوسط السني هو (الشحرور) ومن الوسط الشيعي (القبانجي) وقد كتبت حول (الأخير) بحثا مطولا نشرناه في جريدة الأخبار في المغرب.

كلا الرجلين أي (الشحرور والقبانجي) اجتهدا وهو أمر مزكى ومبارك، وإن كان أسلوب الثاني لايخلو من السخرية، التي لا أظن أنها ستخدمه في اتجاهه، أما الشحرور فكان ملتزما أكثر، وهو يقول كما قال أيضا المصري (جمال البنا) أنه ليس ثمة نسخ في القرآن، ولكنه اعتمد أداة اللغة لفك مغاليق القرآن، ولا أظنه وصل إلى أساسات تفيد الضمير المسلم الحالي، باستثناء دعوته للمراجعة، كما فعل البنا المصري والقبانجي.

https://anbaaexpress.ma/e37ek

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى