آراءسياسة
أخر الأخبار

الحرب على الوعي.. هل يعيش لبنان مراحل بيزمينوف الأربع؟

هذا السؤال يكتسب خصوصية في الحالة اللبنانية. فمنذ مطلع الألفية، لم يكن لبنان ساحة مواجهة عسكرية فحسب، بل تحول أيضًا إلى ساحة تنافس مفتوح بين مشاريع سياسية ورؤى متناقضة لمستقبل الدولة

منذ أكثر من أربعة عقود، حذّر الصحفي السوفييتي المنشق يوري بيزمينوف من حروب تستهدف وعي المجتمعات قبل حدودها. فهل تساعد أفكاره، اليوم، على قراءة جانب من التحولات التي شهدها لبنان خلال العقدين الماضيين قد يحتاج جيش إلى أيام حتى يحتل أرضًا، لكنه قد يحتاج إلى جيل كامل حتى يحتل وعي شعب.

ليست هذه عبارة أدبية، بل الفكرة التي اشتهر بها الصحفي السوفييتي المنشق يوري بيزمينوف عندما حذّر، في مقابلة أجراها عام 1984، من أن أخطر الحروب ليست تلك التي تُخاض بالدبابات والصواريخ، بل تلك التي تُدار بصبر، عبر الإعلام والتعليم والثقافة والاقتصاد، حتى يصل المجتمع، من تلقاء نفسه، إلى إعادة النظر في تاريخه وهويته وأولوياته.

لم يكن بيزمينوف قائدًا عسكريًا ولا فيلسوفًا سياسيًا، بل صحفيًا عمل في وكالة «نوفوستي» السوفييتية، قبل أن ينشق عن الاتحاد السوفييتي ويستقر في الغرب. وبعد سنوات من انشقاقه، قدّم قراءة لطبيعة ما سمّاه «التخريب الأيديولوجي»، معتبرًا أن الصراع بين الدول لا يُحسم دائمًا في ساحات القتال، بل قد يُحسم داخل العقول، عندما تتبدل طريقة فهم المجتمع لنفسه ولتاريخه ولما يعتبره مصلحة وطنية.

قسّم بيزمينوف هذه العملية إلى أربع مراحل متتابعة: تبدأ بما سماه «الإحباط الأيديولوجي»، وهي مرحلة طويلة يُعاد خلالها تشكيل وعي جيل كامل عبر التعليم والإعلام والثقافة. تليها مرحلة «الإضعاف»، حيث تصبح ركائز الدولة، من الاقتصاد إلى المؤسسات والعلاقات الاجتماعية، أكثر هشاشة وقابلية للاهتزاز.

ثم تأتي «الأزمة»، وهي لحظة التحول الحاد التي تدفع المجتمع إلى البحث عن أي مخرج مهما كانت كلفته. أما المرحلة الأخيرة فهي «الاستقرار» أو «تثبيت الواقع الجديد»، حيث تُقدَّم التحولات التي فرضتها الأزمة باعتبارها الحل الطبيعي والوحيد.

قد يختلف كثيرون مع هذه القراءة، أو يرون أنها ابنة ظروف الحرب الباردة، لكن اللافت أن أفكار بيزمينوف عادت إلى التداول في السنوات الأخيرة كلما طُرحت أسئلة حول طبيعة الحروب الحديثة، وحول قدرة الإعلام والاقتصاد والثقافة على التأثير في المجتمعات بقدر لا يقل عن تأثير القوة العسكرية.

ومن هنا، يبرز سؤال يستحق النقاش: هل يمكن قراءة بعض التحولات التي عاشها لبنان خلال العقدين الماضيين من خلال هذا الإطار التحليلي، أم أن خصوصية الحالة اللبنانية تجعل أي إسقاط مباشر أمرًا مضللًا؟

ليست أفكار بيزمينوف، بطبيعة الحال، نظرية علمية مكتملة، ولا تحظى بإجماع الباحثين في العلوم السياسية، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى إطار يستحضره كثيرون عند مناقشة ما يُعرف اليوم بالحروب الهجينة أو الصراع على الإدراك.

فجوهر ما طرحه لا يقوم على عدد المراحل أو تسلسلها الزمني بقدر ما يقوم على فكرة واحدة: قد تتمكن دولة من التأثير في خصمها من دون احتلال أراضيه، إذا نجحت في التأثير في الطريقة التي يفهم بها نفسه، ويقرأ بها تاريخه، ويحدد بها أولوياته.

هذا السؤال يكتسب خصوصية في الحالة اللبنانية. فمنذ مطلع الألفية، لم يكن لبنان ساحة مواجهة عسكرية فحسب، بل تحول أيضًا إلى ساحة تنافس مفتوح بين مشاريع سياسية ورؤى متناقضة لمستقبل الدولة، ترافقت مع معارك إعلامية، وضغوط اقتصادية، واستقطاب داخلي حاد، وتدخلات إقليمية ودولية متشابكة.

ولم يقتصر الخلاف على السياسات، بل امتد إلى تفسير الأحداث نفسها، وإلى تعريف مفاهيم مثل السيادة، والمقاومة، والإصلاح، وحتى إلى قراءة التاريخ القريب.

بعد تحرير الجنوب عام 2000، انقسم اللبنانيون في قراءة الحدث. بالنسبة إلى فريق، شكّل التحرير محطة مفصلية أعادت جزءًا من الأرض والكرامة الوطنية، ورسخت معادلة ردع جديدة في مواجهة إسرائيل.

وفي المقابل، رأى فريق آخر أن مرحلة ما بعد التحرير كان يفترض أن تؤدي إلى حصر السلاح بيد الدولة، وأن استمرار المعادلة السابقة سيقود إلى أزمات داخلية متلاحقة. لم يكن الخلاف، منذ تلك اللحظة، على الوقائع بقدر ما كان على تفسيرها، وعلى المعنى السياسي الذي ينبغي أن يُستخلص منها.

وتكرر المشهد بعد حرب تموز 2006. فبينما اعتبرها مؤيدو المقاومة نموذجًا للصمود العسكري في مواجهة إسرائيل، رأى خصومها أنها أدخلت لبنان في مواجهة دفع ثمنها المجتمع والدولة. لم تكن الحرب، في نظر الطرفين، الحدث ذاته، بل روايتين متوازيتين للحدث نفسه، لكل منهما لغته، ورموزه، واستنتاجاته.

ومن هنا، بدأت معركة من نوع مختلف. لم تعد المسألة تقتصر على موازين القوى العسكرية، بل أصبحت معركة على تشكيل الرأي العام، وعلى الطريقة التي ستُروى بها هذه الأحداث للأجيال التي لم تعشها.

فالأجيال الجديدة لا تبني مواقفها من التجربة المباشرة، بل من الصورة التي تصلها عنها، عبر الإعلام، والتعليم، والفضاء الرقمي، والخطاب السياسي. وعندما تصبح الرواية نفسها موضع نزاع، يتحول الصراع من مواجهة على الأرض إلى مواجهة على الوعي.

إذا كانت مرحلة ما بعد عام 2000 قد كرّست الانقسام حول قراءة المقاومة ودورها، فإن السنوات اللاحقة وسّعت دائرة الاشتباك لتشمل كل ما يصنع الرأي العام. لم يعد الصراع يقتصر على الخطابات السياسية أو المواجهات العسكرية، بل امتد إلى الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، والجامعات، ومراكز الأبحاث، والمنظمات غير الحكومية، وهي ساحات باتت تؤدي دورًا متزايدًا في تشكيل الاتجاهات العامة، لا في لبنان وحده، بل في معظم دول العالم.

ومن وجهة نظر جمهور المقاومة، لم يكن هذا التحول عفويًا. فخلال العقدين الماضيين، توسعت برامج غربية وخليجية معلنة لتمويل وسائل إعلام، ومشاريع تدريب صحافي، ومبادرات شبابية، ومنظمات مجتمع مدني، تحت عناوين مثل دعم الديمقراطية، وتعزيز الشفافية، وتمكين المجتمع المدني، ومكافحة الفساد والتطرف.

ولا يعني ذلك، بالضرورة، أن كل هذه المبادرات كانت أدوات سياسية، أو أن جميع العاملين فيها يتحركون وفق أجندة واحدة، لكن أنصار هذا الطرح يرون أن تراكم هذه البرامج أسهم في إنتاج بيئة ثقافية وسياسية أكثر تقبلًا لقراءة مختلفة لدور المقاومة وسلاحها ومستقبل لبنان.

وفي المقابل، يرى آخرون أن هذا التفسير يمنح العامل الخارجي وزنًا يفوق حجمه الحقيقي، وأن التحولات التي شهدها المجتمع اللبناني تعود، في المقام الأول، إلى أزمات داخلية متراكمة، من الفساد وسوء الإدارة إلى الانهيار الاقتصادي وانعدام الثقة بالمؤسسات.

وهو اعتراض لا يمكن تجاهله، لأن أي قراءة جادة للحالة اللبنانية تبقى ناقصة إذا أعفت الداخل من مسؤوليته أو حمّلت الخارج وحده كل أسباب الأزمة.

غير أن السؤال الذي يطرحه هذا المقال مختلف. فهل يمكن أن تكون الأزمتان، الداخلية والخارجية، قد عملتا في الاتجاه نفسه؟ وهل يمكن أن تكون الضغوط السياسية والاقتصادية والإعلامية قد التقت، من حيث النتيجة، مع الانهيار الداخلي، بحيث عزز كل منهما أثر الآخر؟

يستند مؤيدو هذا الطرح إلى سلسلة من الوقائع التي يرون أنها تستحق التوقف عندها. فالعقوبات الأميركية التي استهدفت شخصيات ومؤسسات مرتبطة بحزب الله، والضغوط التي مورست على القطاع المصرفي اللبناني خلال السنوات الماضية، لم تُقرأ داخل بيئة المقاومة باعتبارها إجراءات مالية معزولة، بل كجزء من سياسة أوسع هدفها تضييق هامش الحركة أمام الحزب وبيئته الاجتماعية.

وفي الوقت نفسه، جاء الانهيار المالي الذي انفجر عام 2019 ليضيف طبقة جديدة من الإنهاك، بعدما طال مختلف اللبنانيين، لكنه ترك أثرًا مضاعفًا على المناطق التي كانت تعاني أصلًا من تداعيات المواجهة المستمرة مع إسرائيل.

ولم يكن الاقتصاد وحده ساحة الاشتباك. فمع الانتشار الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد صناعة الرأي العام حكرًا على الصحف والقنوات التلفزيونية، بل أصبحت تُدار عبر آلاف الحسابات والمنصات والمحتويات القصيرة التي تنتشر بسرعة غير مسبوقة.

وفي هذا الفضاء المفتوح، اختلطت المعلومة بالرأي، والخبر بالدعاية، والتحليل بالحملات المنظمة، إلى درجة بات معها التحقق من الوقائع أكثر صعوبة، وباتت القدرة على التأثير في المزاج العام أكبر من أي وقت مضى.

هنا، تحديدًا، يستعيد بعض أنصار المقاومة أفكار بيزمينوف. ليس لأنهم يرون فيها تفسيرًا كاملًا لما جرى، بل لأنها تطرح سؤالًا عن الكيفية التي يمكن أن يتحول فيها الإعلام، والاقتصاد، والثقافة، إلى أدوات تأثير سياسي طويلة الأمد، تعمل بهدوء، وبعيدًا عن ضجيج الحروب التقليدية.

وجاءت الحرب الأخيرة لتمنح هذا النقاش بعدًا جديدًا. فبعد أشهر من المواجهات العسكرية، وما رافقها من اغتيالات ودمار واسع ونزوح وضغوط اقتصادية غير مسبوقة، لم يعد النقاش يقتصر على نتائج الحرب الميدانية، بل امتد إلى شكل لبنان الذي سيخرج منها، وإلى طبيعة التوازنات التي ستُبنى في مرحلة ما بعدها.

ومنذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن إعادة الإعمار لم تعد تُطرح بوصفها ملفًا هندسيًا أو اقتصاديًا فحسب، بل ارتبطت، في كثير من المواقف السياسية المحلية والدولية، بنقاش أوسع حول مستقبل الدولة اللبنانية، والإصلاحات المطلوبة، ودور المؤسسات الرسمية، ومستقبل سلاح حزب الله، وشكل العلاقة مع المجتمع الدولي. وهنا، عاد الانقسام اللبناني ليظهر بأوضح صوره.

فريق رأى أن اللحظة تمثل فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، وإنهاء ازدواجية القرار الأمني والعسكري، فيما اعتبر فريق آخر أن ما يجري يتجاوز الإصلاح الداخلي، ويهدف إلى استثمار نتائج الحرب سياسيًا، وانتزاع عبر الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية ما لم تتمكن إسرائيل من فرضه في الميدان.

وبغض النظر عن الموقف من أي من هاتين المقاربتين، فإن الثابت هو أن الصراع لم يتوقف مع توقف العمليات العسكرية. لقد انتقل إلى مرحلة مختلفة، أصبحت فيها اللغة السياسية، والخطاب الإعلامي، والضغوط الاقتصادية، والمفاوضات الدولية، أدوات لا تقل أهمية عن القوة العسكرية في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

وهنا، ربما تكتسب شهادة بيزمينوف معناها الحقيقي، لا باعتبارها نبوءة عن لبنان، ولا بوصفها تفسيرًا شاملًا لكل ما جرى، بل لأنها تذكّر بأن الصراعات الحديثة لا تُحسم دائمًا في لحظة إطلاق النار، بل قد تستمر سنوات طويلة بعد صمت المدافع، عبر معركة أكثر هدوءًا وأبعد أثرًا، تدور حول الطريقة التي يفسر بها المجتمع ما جرى، وكيف يعيد ترتيب أولوياته، وما إذا كان سيعتبر ما حدث هزيمة، أو انتصارًا، أو بداية لمرحلة جديدة.

وربما لهذا السبب، تبدو معركة الوعي، في نظر كثير من الباحثين في الصراعات الحديثة، جزءًا لا ينفصل عن أي مواجهة كبرى. فالدول لا تسعى فقط إلى تغيير موازين القوى، بل إلى التأثير في البيئة التي تُنتج القرار السياسي، وفي الرأي العام الذي يمنح هذا القرار شرعيته أو يسحبها منه. وعندما يصل الصراع إلى هذه المرحلة، تصبح السيطرة على السردية، بالنسبة إلى أطراف النزاع، هدفًا لا يقل أهمية عن السيطرة على أي موقع عسكري.

وهنا تحديدًا، يصبح السؤال الذي طرحه بيزمينوف قبل أربعة عقود أكثر إثارة للاهتمام: هل تستطيع أمة أن تحافظ على قدرتها في الدفاع عن خياراتها إذا فقدت ثقتها بقراءتها لتاريخها، أو أصبحت ترى ماضيها بعين خصومها؟ قد يختلف اللبنانيون في الإجابة، لكنهم يكادون يتفقون على أن معركة الأفكار والروايات أصبحت اليوم جزءًا لا يتجزأ من الواقع السياسي الذي يعيشونه.

في النهاية، قد يختلف اللبنانيون حول يوري بيزمينوف، كما يختلفون حول معظم القضايا الكبرى. وقد يرى البعض أن ما طرحه لا يعدو كونه قراءة وُلدت في ذروة الحرب الباردة، بينما يعتبر آخرون أن كثيرًا من أفكاره لا يزال يجد صداه في صراعات اليوم، وإن اختلفت الأدوات واللاعبون. لكن قيمة شهادته لا تكمن في أنها تقدم تفسيرًا جاهزًا لكل ما جرى، بل في أنها تدفعنا إلى التوقف أمام سؤال غالبًا ما يضيع وسط ضجيج السياسة والأحداث اليومية.

فلبنان لم يكن، خلال العقدين الماضيين، ساحةً لحروب عسكرية وأزمات اقتصادية وتجاذبات سياسية فقط، بل كان أيضًا ساحةً لصراع على المعنى؛ على كيفية فهم الماضي، وتفسير الحاضر، ورسم صورة المستقبل. وفي مثل هذه الصراعات، لا يكون التنافس على الأرض وحدها، بل على الرواية التي ستبقى في أذهان الناس بعد أن يصمت الرصاص.

لهذا، لا تبدو أهمية بيزمينوف في أنه قدّم نظرية تفسّر الحالة اللبنانية، ولا في أن مراحله الأربع تنطبق حرفيًا على كل ما عاشه لبنان. فالتاريخ أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في نموذج واحد، والسياسة لا تخضع لقوانين جامدة.

غير أن التحذير الذي أطلقه قبل أكثر من أربعة عقود يبقى جديرًا بالتأمل: فالمجتمعات لا تُختبر فقط بقدرتها على الصمود في الحروب، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على ثقتها بنفسها، وعلى قراءة تاريخها من دون أن تفقد حسّها النقدي أو تسمح للآخرين باحتكار روايته.

وربما لهذا السبب، لا يكون السؤال الحقيقي: هل عاش لبنان مراحل بيزمينوف الأربع؟ بل سؤالًا أكثر اتساعًا: كيف تحمي الأمم وعيها، في زمن أصبحت فيه معارك الإدراك، والصورة، والرواية، جزءًا لا يتجزأ من الصراعات الكبرى؟

ذلك سؤال لا يجيب عنه بيزمينوف، ولا يجيب عنه هذا المقال. لكنه سؤال يبقى مطروحًا أمام اللبنانيين جميعًا، لأن الإجابة عنه قد تحدد، أكثر من أي معركة عسكرية، شكل لبنان الذي سيختاره أبناؤه.

https://anbaaexpress.ma/vrkxv

داني الامين

صحفي لبناني ومستشار علاقات عامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى