آراءسياسة
أخر الأخبار

كولومبيا تعيد رسم بوصلتها.. هل تتغير قواعد اللعبة في ملف الصحراء المغربية؟

نجح المغرب خلال السنوات الأخيرة في تحويل ملف الصحراء من ساحة صراع دبلوماسي تقليدي إلى مساحة بناء تحالفات تدريجية، قائمة على الاقتصاد والتعاون والتموقع الاستراتيجي، وهو ما جعل عدداً من العواصم تعيد النظر في مواقفها دون ضجيج، ولكن بثبات

لم يكن فوز أبيلاردو دي لا إسبريا في الانتخابات الرئاسية الكولومبية مجرد نتيجة انتخابية عابرة في بلد من بلدان أمريكا اللاتينية، بل يبدو أقرب إلى بداية إعادة تشكيل هادئة، ولكن عميقة، لخرائط الاصطفاف السياسي في القارة، بما قد ينعكس خارج حدودها، وعلى ملفات دولية حساسة طالما تأثرت بتقلب المزاج الأيديولوجي في بوغوتا.

ففي قارة اعتادت أن تتأرجح بين موجات يسارية صاخبة وأخرى يمينية براغماتية، يأتي هذا التحول ليطرح سؤالاً أكبر من كولومبيا نفسها: إلى أي مدى ستستمر السياسة الخارجية لدول أمريكا اللاتينية رهينة الانقسام الأيديولوجي، بدل أن تُبنى على حسابات الدولة والمصلحة؟

خلال سنوات غوستافو بيترو، اتجهت كولومبيا نحو خطاب سياسي واضح الانحياز، أعادها إلى مربع الاصطفاف مع أطروحات مثيرة للجدل في ملفات دولية، وفي مقدمتها ملف الصحراء.

كان قرار إعادة الاعتراف بالكيان الانفصالي سنة 2022 تعبيراً صريحاً عن هذا التوجه، أكثر منه خياراً دبلوماسياً محسوباً، ما وضع السياسة الخارجية الكولومبية في مسار تصادمي مع توجهات دول عديدة، وفتح باب التوتر مع شركاء تقليديين في شمال إفريقيا.

لكن ما حدث في صناديق الاقتراع لا يمكن قراءته فقط باعتباره رفضاً لليسار، بل يبدو أيضاً كتصويت ضد تسييس السياسة الخارجية نفسها. فالفارق الضئيل في النتائج يعكس مجتمعاً منقسماً، لكنه في الوقت ذاته يمنح الرئيس الجديد تفويضاً هشاً لكنه كافٍ لإعادة ضبط البوصلة.

الرهان اليوم لا يتعلق فقط بتغيير أسماء أو وجوه في السلطة، بل بإعادة تعريف وظيفة السياسة الخارجية: هل هي امتداد للخطاب الأيديولوجي أم أداة لخدمة المصالح الاستراتيجية؟ وهنا تحديداً يبرز ملف الصحراء كاختبار مبكر للرئيس الجديد، ليس لأنه الملف الأهم لكولومبيا، بل لأنه أصبح مؤشراً على طبيعة التموضع الدولي للدول المتأرجحة بين المعسكرات.

المؤشرات الأولية توحي بأن بوغوتا تتجه نحو مقاربة أكثر براغماتية، أقل اندفاعاً خلف الشعارات، وأكثر التصاقاً بموازين المصالح. وهذا وحده كفيل بإعادة فتح كل الملفات التي جرى حسمها سابقاً تحت ضغط الاصطفاف الإيديولوجي، بما في ذلك الاعتراف السابق الذي اتخذ في سياق سياسي مختلف تماماً.

لكن الأهم من ذلك أن التحول الكولومبي، إن تأكد، لن يكون حدثاً معزولاً. فالقارة اللاتينية نفسها تعيش حالة مراجعة صامتة لميراث سنوات من الخطاب السياسي الحاد، وسط إدراك متزايد بأن كلفة “السياسة الموقفية” أصبحت أعلى من عوائدها الدبلوماسية والاقتصادية.

في المقابل، نجح المغرب خلال السنوات الأخيرة في تحويل ملف الصحراء من ساحة صراع دبلوماسي تقليدي إلى مساحة بناء تحالفات تدريجية، قائمة على الاقتصاد والتعاون والتموقع الاستراتيجي، وهو ما جعل عدداً من العواصم تعيد النظر في مواقفها دون ضجيج، ولكن بثبات.

من هنا، فإن أي تحول في موقف كولومبيا المحتمل لن يكون مجرد تعديل تقني في وثيقة دبلوماسية، بل سيكون إشارة سياسية أوسع على تراجع تدريجي لخطاب الاصطفاف، لصالح منطق جديد أكثر بروداً وواقعية.

ومع ذلك، فإن الرهان لا يزال مفتوحاً. فالرئيس الجديد، رغم خطابه المختلف، سيواجه شبكة معقدة من التوازنات الداخلية والخارجية، وقد يجد نفسه مضطراً للموازنة بين وعود التغيير وضغوط الاستمرارية.

لكن المؤكد أن صفحة بيترو، بكل ما حملته من اندفاع أيديولوجي، قد طويت. وما سيأتي بعدها لن يكون مجرد تصحيح لمسار داخلي، بل اختباراً حقيقياً لقدرة كولومبيا على التحول من دولة “موقف” إلى دولة “مصلحة”، وهي نقلة ليست سهلة في قارة اعتادت أن تدفع السياسة الخارجية فيها ثمن التحولات الانتخابية.

https://anbaaexpress.ma/a8ktk

عبد الحي كريط

باحث وكاتب مغربي، مهتم بالشأن الإسباني، مدير نشر أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى