آراءالشرق الأوسط
أخر الأخبار

إيران.. تضع لبنان أولاً ” تحليل “

المشكلة لم تكن في مبدأ التفاوض بحد ذاته، بل في وهم أن التفاوض وحده يستطيع تغيير طبيعة الصراع

لم يكن التفاوض، في تاريخ الصراعات، فعلاً أخلاقياً منفصلاً عن موازين القوة، ولا مساحة محايدة يجلس فيها الخصوم لتبادل الحجج ثم الوصول إلى تسوية عادلة. منذ أقدم العصور، كان التفاوض امتداداً آخر للحرب، لكن بأدوات أقل صخباً. فالقوة التي تعجز عن فرض إرادتها في الميدان، أو عن رفع كلفة العدوان على خصمها، تدخل غالباً إلى قاعة المفاوضات، وهي تحمل شروط الطرف الآخر لا شروطها.

تروي المصادر القديمة أن من أقدم نماذج التسويات بين قوتين متنازعتين كانت المعاهدة المصرية–الحثية، التي أعقبت معركة قادش بين رمسيس الثاني وملك الحثيين حاتوسيلي الثالث. لم يأتِ الاتفاق، لأن أحد الطرفين اكتشف فجأة فضائل السلام، بل لأن الحرب أثبتت أن الحسم الكامل مكلف ومتعذر. كان لكل طرف جيش، ومجال نفوذ، وقدرة على الإيذاء والردع، لذلك جاءت المعاهدة اعترافاً متبادلاً بحدود القوة، لا استسلاماً من طرف لطرف.

هذه القاعدة بقيت صالحة حتى اليوم: لا تفاوض بلا أوراق، ولا اتفاق متوازن بين طرف يملك أدوات الضغط وطرف يذهب إلى الطاولة حاملاً طلب الرضا.

في التجربة الإيرانية، يمكن رؤية هذا الدرس بوضوح. لسنوات طويلة، فاوضت طهران في ظروف كان فيها الضغط الاقتصادي والعقوبات والحصار جزءاً ثابتاً من المشهد. قدّمت تنازلات، وقبلت رقابة، ووقّعت اتفاقات، لكن النتيجة لم تكن رفعاً نهائياً للعقوبات ولا استقراراً في العلاقة مع الغرب. بل إن الاتفاق النووي نفسه، الذي قُدّم بوصفه بوابة لتسوية كبرى، تعرّض لاحقاً للانهيار بعد الانسحاب الأميركي منه، وعادت العقوبات بأشكال أشد.

المشكلة لم تكن في مبدأ التفاوض بحد ذاته، بل في وهم أن التفاوض وحده يستطيع تغيير طبيعة الصراع. حين يكون الطرف المقابل مقتنعاً بأن خصمه محاصر، متردد، وخائف من التصعيد، فإنه لا يرى سبباً لتقديم تنازل حقيقي. أما حين يثبت الخصم أنه قادر على الصمود، وعلى تعطيل الخطط المعادية، وعلى جعل كلفة الحرب مرتفعة، فإن لغة التفاوض تتبدل. لا يعود الحديث عن الإملاء، بل عن المقايضة، ولا عن الشروط النهائية، بل عن المصالح المتبادلة.

في المواجهة الأخيرة مع العدوان الصهيو-أميركي، تقول طهران، عبر سلوكها السياسي والعسكري، إنها لا تدخل أي مسار تفاوضي من موقع الباحث عن مخرج بأي ثمن. لقد جعل الصمود والقدرة على الردّ إيران طرفاً لا يمكن تجاوزه، وأعاد إلى طاولة البحث ملفات كانت القوى الغربية ترفض مجرد مناقشتها. قد لا تكون كل المطالب قد تحققت، لكن الفارق بين تفاوض الحصار وتفاوض الندّية هو الفارق بين من يطلب تخفيف العقوبة، ومن يفرض نفسه شريكاً في رسم الشروط.

ومن هنا يصبح السؤال اللبناني أكثر إلحاحاً. لبنان بلد صغير، نعم، لكنه ليس بلا عناصر قوة. مشكلته أن حكوماته تتصرف أحياناً كما لو أن التفاوض مع العدو هو واجب إداري، لا معركة سياسية وسيادية. تذهب إلى الوساطات الأميركية بلا استراتيجية معلنة، وبلا تعريف وطني واضح لما هو قابل للتفاوض وما هو محرّم، فيما يملك الطرف الآخر تفوقاً عسكرياً ودعماً أميركياً مفتوحاً وقدرة على الضغط والتهديد.

الأخطر أن لبنان يذهب إلى المفاوضات في واشنطن، وهو يتنازل مسبقاً عن أوراقه: عن حقه في المقاومة، وعن قوة الردع التي منعت إسرائيل طويلاً من تحويل لبنان إلى ساحة مستباحة، وعن حقه في ربط الملفات بعضها ببعض. في المقابل، تقدّم إيران نموذجاً مختلفاً في إدارة الأوراق، إذ جعلت وقف الحرب على لبنان بنداً أولياً في أي بحث مع الأميركيين، لا تفصيلاً مؤجلاً ولا ملفاً تابعاً. هنا يتجلى معنى القوة في التفاوض: أن تفرض على الطاولة القضية التي تريدها، وأن تجعل أمن حلفائك ومصالحهم جزءاً من شروط النقاش، لا ثمناً يُدفع بعد انتهاء النقاش. أما لبنان، فإذا ذهب إلى التفاوض منفرداً، ومن دون أوراق ردع أو سقف وطني واضح، فسيجد نفسه أمام طاولة تُكتب أولوياتها في واشنطن وتل أبيب، ويُطلب منه فقط التوقيع.

التفاوض ليس عيباً، بل قد يكون ضرورة. لكن التفاوض بلا قوة هو اسم آخر للاستسلام المؤجل. ومن يريد سلاماً عادلاً، عليه أولاً أن يملك القدرة على رفض السلام المفروض.

https://anbaaexpress.ma/pmw2o

شادي منصور

كاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى