آراءسياسة
أخر الأخبار

المنطقة المغاربية ما بعد الحرب على إيران: نحو مغرب عربي جديد أم جغرافيا جديدة للفوضى؟

ويبدو أن منطقة المغرب العربي قد تكون من بين أكثر المناطق المرشحة للتأثر بهذه التحولات، ليس باعتبارها مسرحاً للحرب، وإنما باعتبارها فضاءً استراتيجياً مرشحاً لإعادة التموضع داخل الحسابات الدولية الجديدة

د. أبوبكر ناصر الحاسي

قد تبدو الحرب على إيران، للوهلة الأولى، حدثاً بعيداً عن جغرافيا المغرب العربي، غير أن التجارب التاريخية أثبتت أن التحولات الكبرى في النظام الدولي نادراً ما تبقى محصورة داخل حدودها المباشرة.

فالحروب الكبرى لا تنتهي عند خطوط النار، بل تمتد آثارها إلى إعادة رسم خرائط النفوذ، وتحديد أولويات القوى الدولية، وإعادة تشكيل الأقاليم السياسية بأكملها.

ولعل التاريخ الحديث يقدم أمثلة واضحة على ذلك. فقد أسفرت الحربان العالميتان الأولى والثانية عن إعادة رسم الخريطة السياسية لأوروبا والشرق الأوسط، وانهيار إمبراطوريات وصعود قوى دولية جديدة.

كما أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى إعادة تشكيل موازين القوى العالمية وإعادة تعريف مناطق النفوذ في أوروبا وآسيا وأفريقيا. كذلك شكّلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر نقطة تحول استراتيجية أعادت صياغة أولويات الأمن الدولي، بينما أفضت الحرب الروسية الأوكرانية إلى إعادة ترتيب خرائط الطاقة والتحالفات السياسية والعسكرية على نطاق عالمي.

وعلى هذا الأساس، لا تكمن أهمية الحرب على إيران في نتائجها العسكرية المباشرة فحسب، بل في قدرتها على إعادة توجيه الاهتمام الدولي نحو أقاليم وقضايا ظلت لسنوات طويلة تدور في دائرة الجمود.

ويبدو أن منطقة المغرب العربي قد تكون من بين أكثر المناطق المرشحة للتأثر بهذه التحولات، ليس باعتبارها مسرحاً للحرب، وإنما باعتبارها فضاءً استراتيجياً مرشحاً لإعادة التموضع داخل الحسابات الدولية الجديدة.

فمع اتساع نطاق التوترات في الشرق الأوسط، تزداد حاجة القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وأوروبا، إلى بناء بيئات أكثر استقراراً على الضفة الجنوبية للمتوسط.

ومن هنا يمكن فهم الاهتمام المتزايد بعدد من الملفات المغاربية التي لم يعد يُنظر إليها كأزمات محلية منفصلة، بل كعناصر مترابطة في معادلة إقليمية أوسع تتصل بالأمن والاستقرار في شمال أفريقيا والساحل والبحر المتوسط.

وفي مقدمة هذه الملفات تبرز ليبيا باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية وتأثيراً في مستقبل المنطقة. فالأزمة الليبية تجاوزت منذ سنوات إطارها الداخلي لتتحول إلى قضية إقليمية ودولية بامتياز.

فاستمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، وتعدد مراكز النفوذ، وتداخل الأجندات الخارجية، لم يؤثر فقط على مسار بناء الدولة الليبية، بل انعكس على محيط جغرافي واسع يمتد من دول الساحل والصحراء إلى جنوب أوروبا.

لقد أثبتت التجربة أن هشاشة الدولة الليبية لا تقتصر آثارها على الداخل الليبي، بل ترتبط مباشرة بقضايا الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر وتهريب السلاح، فضلاً عن تأثيرها على الاستقرار الأمني في دول الجوار.

ولذلك لم يعد يُنظر إلى الأزمة الليبية باعتبارها تهديداً للاستقرار الوطني أو الإقليمي فقط، بل بوصفها إحدى القضايا القادرة، إذا استمر الجمود السياسي وتواصلت مسببات الأزمة، على التأثير في السلم والأمن الدوليين.

ومن هنا تبرز أهمية المؤشرات المتزايدة على وجود اهتمام أمريكي ودولي متجدد بدفع الملف الليبي نحو تسوية أكثر استدامة.

فواشنطن تدرك أن مرحلة التحولات الكبرى التي أطلقتها الحرب على إيران تفرض معالجة بؤر الهشاشة المزمنة في محيط المتوسط، وأن استمرار الفراغ السياسي في ليبيا لم يعد يتوافق مع متطلبات البيئة الاستراتيجية الجديدة.

غير أن نجاح أي مقاربة دولية سيظل مرهوناً بقدرتها على تجاوز الحلول المؤقتة نحو رؤية شاملة تعالج جذور الأزمة، وتؤسس لمؤسسات موحدة وقادرة على بسط سلطة الدولة.

كما أن أي حل مستدام لن يكون قابلاً للحياة ما لم يُبنَ بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين الأكثر تأثراً بالأزمة، بدءاً من مصر وتونس والجزائر، مروراً بالمغرب وموريتانيا، ووصولاً إلى دول الساحل والطوق الجنوبي لليبيا، فضلاً عن الدول المتوسطية التي ترتبط مصالحها الأمنية والاستراتيجية ارتباطاً مباشراً باستقرار البلاد.

وفي موازاة الملف الليبي، تبرز قضية الصحراء المغربية باعتبارها أحد أكثر الملفات تأثيراً في مستقبل المنطقة المغاربية. فمنذ ما يقارب خمسة عقود،

ظل هذا النزاع أحد أبرز العوامل التي ساهمت في تعقيد العلاقات الإقليمية وأعاقت قيام فضاء مغاربي أكثر تكاملاً وتنسيقاً. ولذلك فإن أي تحول جوهري في هذا الملف ستكون له انعكاسات تتجاوز أطرافه المباشرين لتطال مجمل التوازنات السياسية والاستراتيجية في شمال أفريقيا.

وخلال السنوات الأخيرة شهدت القضية تطورات دبلوماسية مهمة أعادت تشكيل النقاش الدولي حولها. فقد واصل المغرب الترويج لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها عام 2007 باعتبارها إطاراً سياسياً لتسوية النزاع، يقوم على منح الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها المحلية في إطار السيادة المغربية.

ومع مرور الوقت، اكتسبت هذه المبادرة زخماً متزايداً داخل عدد من العواصم الدولية التي باتت تنظر إليها باعتبارها مقاربة واقعية وعملية يمكن البناء عليها للوصول إلى تسوية سياسية دائمة.

كما شهدت السنوات الأخيرة تزايداً في عدد الدول التي عبرت، بدرجات متفاوتة، عن دعمها للمبادرة المغربية أو عن اعتبارها أساساً جدياً وذا مصداقية للتوصل إلى حل سياسي. وتعزز هذا التوجه مع قيام عدد من الدول بتوسيع حضورها الدبلوماسي والاقتصادي في الأقاليم الجنوبية، في مؤشر على تحولات تدريجية في المقاربة الدولية للملف.

أما الولايات المتحدة، فقد لعبت دوراً محورياً في هذا المسار منذ إعلانها عام 2020 الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء. ورغم استمرار التباين في القراءات السياسية والقانونية لهذا القرار، فإنه شكل محطة فارقة في مسار القضية، وأعطى زخماً إضافياً للجهود الرامية إلى الدفع نحو تسوية سياسية أكثر استقراراً.

كما أن البيئة الدولية الجديدة، التي تفرضها التحولات الجيوسياسية الراهنة، قد تدفع واشنطن إلى مواصلة تشجيع الحلول التي من شأنها تقليص بؤر التوتر المزمنة وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وفي المقابل، تواصل الأمم المتحدة التأكيد على أن الحل النهائي ينبغي أن يتم عبر العملية السياسية التي ترعاها المنظمة الدولية، وبما يفضي إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم وقائم على التوافق.

وهو ما يجعل من المسار الأممي الإطار المرجعي الذي تتحرك داخله مختلف المبادرات والجهود الدبلوماسية.

ولا تقتصر أهمية هذا الملف على أبعاده السياسية والقانونية فحسب، بل تمتد إلى تأثيره المباشر على مستقبل التكامل المغاربي.

فاستمرار النزاع يعني استمرار أحد أهم العوائق التي عطلت مشاريع التعاون الإقليمي لعقود طويلة، بينما قد يفتح أي تقدم جوهري نحو تسوية مستدامة المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون الأمني والاقتصادي والسياسي بين دول المنطقة.

وفي خضم هذه التحولات، تبرز كذلك موريتانيا بوصفها أحد الفاعلين الصاعدين في المشهد المغاربي الجديد. فالدولة التي ظلت لفترة طويلة على هامش التفاعلات الإقليمية الكبرى باتت تحظى باهتمام متزايد داخل الحسابات الأمريكية والأوروبية، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي الرابط بين المغرب العربي والساحل الأفريقي، وإنما أيضاً بسبب قدرتها على الحفاظ على درجة من الاستقرار في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

ويبدو أن الانفتاح الأمريكي المتزايد على موريتانيا يعكس تصوراً أوسع لمستقبل المنطقة، يقوم على ربط شمال أفريقيا بعمقها الساحلي والأفريقي ضمن رؤية استراتيجية أكثر شمولاً. وفي ظل التحديات التي تواجهها منطقة الساحل، قد تتحول موريتانيا إلى أحد أهم محاور الربط بين الفضاء المغاربي والفضاء الأفريقي خلال السنوات القادمة.

ومن هذا المنظور، لا تبدو الأزمة الليبية وقضية والصحراء المغربية والاهتمام بموريتانيا ملفات منفصلة، بل أجزاء مترابطة من مشهد إقليمي جديد آخذ في التشكل.

فالتقدم المحتمل في المسار الليبي، والحراك الدبلوماسي المتزايد حول قضية الصحراء، وتصاعد أهمية موريتانيا الاستراتيجية، جميعها مؤشرات توحي بأن المنطقة قد تكون أمام لحظة تاريخية مختلفة عما عرفته منذ نهاية الحرب الباردة.

ولعل السؤال الأهم لا يتعلق بما إذا كانت الحرب على إيران ستغير المغرب العربي بصورة مباشرة، بل بما إذا كانت ستوفر الظروف الدولية المناسبة لإطلاق ديناميات جديدة داخل المنطقة.

فالأمم والأقاليم كثيراً ما تعيد اكتشاف أدوارها خلال فترات التحول الكبرى، عندما تفرض المتغيرات الدولية إعادة تعريف المصالح والأولويات.

ومن هنا يمكن القول إن الحرب على إيران، رغم بعدها الجغرافي عن المنطقة، قد تصبح أحد العوامل غير المباشرة التي تدفع نحو إعادة ترتيب المشهد المغاربي، عبر تحفيز الجهود الرامية إلى تسوية الأزمات المزمنة وإعادة بناء التوازنات الإقليمية.

وإذا ما ترافقت هذه التحولات مع إرادة سياسية حقيقية لدى دول المنطقة، فقد لا يكون الحديث عن “مغرب عربي جديد” مجرد تصور نظري، بل احتمالاً سياسياً قابلاً للتبلور خلال السنوات القادمة.

وربما تكمن خصوصية هذه اللحظة في أن المغرب العربي يجد نفسه أمام فرصة نادرة للانتقال من موقع المتلقي لتداعيات التحولات الدولية إلى موقع الفاعل القادر على استثمارها.

فكما أعادت الحروب الكبرى في التاريخ رسم خرائط النفوذ وإنتاج توازنات جديدة، قد تفضي التحولات الجارية اليوم إلى إعادة تشكيل الفضاء المغاربي على أسس أكثر استقراراً وتعاوناً، بما يجعله أحد الأقاليم الصاعدة في النظام الإقليمي الذي يتشكل أمام أعيننا.

غير أن الحديث عن هذه الفرصة التاريخية لا ينبغي أن يحجب حجم التحديات والمخاطر التي ما تزال تحيط بالمنطقة. فالتجارب الدولية أثبتت أن مراحل التحول الكبرى لا تنتج بالضرورة مسارات إيجابية، بل قد تفتح المجال أيضاً أمام أشكال جديدة من الصراع والتنافس الجيوسياسي، خاصة في البيئات التي تعاني هشاشة مؤسساتية أو انقسامات سياسية مزمنة.

وفي هذا السياق، يواجه المغرب العربي احتمالين متوازيين؛ أولهما أن تنجح دوله في استثمار المتغيرات الدولية الراهنة لبناء فضاء إقليمي أكثر تعاوناً وقدرة على معالجة أزماته بنفسه، وثانيهما أن تتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية المتنافسة، بما يعيد إنتاج أنماط عدم الاستقرار التي شهدتها مناطق أخرى من الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين.

وتزداد أهمية هذا التحذير في ظل البيئة الأمنية المعقدة المحيطة بالمنطقة. فاستمرار الأزمات دون حلول مستدامة قد يهيئ الظروف لعودة الجماعات المتطرفة وإعادة تموضعها داخل الفراغات الأمنية الممتدة من الساحل الأفريقي إلى جنوب المتوسط.

كما قد يعزز من نفوذ شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، التي تستفيد عادة من ضعف مؤسسات الدولة وهشاشة الرقابة على الحدود وتراجع مستويات التنمية والاستقرار.

ويكتسب هذا التحدي أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمغرب العربي، الذي يتقاطع مع واحدة من أكثر المناطق هشاشة في العالم، وهي منطقة الساحل والصحراء.

فالتدهور الأمني في هذه المنطقة لا يتوقف عند حدودها المباشرة، بل يمتد تأثيره إلى شمال أفريقيا وأوروبا والبحر المتوسط عبر شبكات التهريب والهجرة غير النظامية وتدفقات السلاح وتنامي الجماعات المسلحة.

كما أن استمرار النزاعات الإقليمية وتعثر التسويات السياسية قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة تتعلق بإضعاف الدول الوطنية واستنزاف مؤسساتها، الأمر الذي قد يحول بعض أجزاء المنطقة إلى فضاءات للفوضى المزمنة بدلاً من أن تكون منصات للتكامل والتنمية.

وقد أظهرت تجارب السنوات الماضية أن انهيار مؤسسات الدولة لا يخلق فراغاً سياسياً فقط، بل يتيح المجال أمام تعدد مراكز القوة وتوسع التدخلات الأجنبية، بما يجعل استعادة الاستقرار أكثر تعقيداً وكلفة.

ولهذا فإن نجاح أي مشروع لمغرب عربي جديد لن يقاس فقط بقدرته على تسوية الملفات السياسية العالقة، سواء في ليبيا أو الصحراء المغربية أو غيرهما، بل أيضاً بمدى نجاحه في بناء منظومة إقليمية قادرة على حماية المنطقة من مخاطر التفكك والاستقطاب والفوضى، وعلى تحويل التنوع الجغرافي والسياسي إلى مصدر قوة بدلاً من أن يكون مدخلاً للصراع.

وفي نهاية المطاف، قد تكون الحرب على إيران واحدة من تلك اللحظات المفصلية التي تفتح أبواباً متعددة في آن واحد؛ أبواباً نحو فرص غير مسبوقة لإعادة بناء التوازنات الإقليمية وتعزيز التعاون المغاربي، وأبواباً أخرى نحو مزيد من الاستقطاب والتنافس وعدم الاستقرار. وبين هذين المسارين يتحدد مستقبل المنطقة.

فإما أن تنجح دول المغرب العربي في تحويل التحولات الدولية إلى فرصة تاريخية لبناء فضاء أكثر استقراراً وتكاملاً وتأثيراً في محيطه الإقليمي والدولي.

وإما أن تجد نفسها، مرة أخرى، رهينة لصراعات الآخرين وتقلبات النظام الدولي، بما يحول المنطقة إلى جزء من جغرافيا الفوضى الممتدة بدلاً من أن تكون أحد أركان الاستقرار في البحر المتوسط وأفريقيا خلال العقود القادمة.

* متخصص في الشأن الليبي ومهتم بالشؤون الاستراتيجية

https://anbaaexpress.ma/mfbak

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى