آراء
أخر الأخبار

تجار الشعار وشيوخ المرحلة.. كيف يُباع الدين في سوق المنصات؟

تفرض هذه التحديات ضرورة استعادة البوصلة العلمية عبر المؤسسات العريقة وفي مقدمتها جامع القرويين وجامع الزيتونة والأزهر الشريف إلى جانب المفكرين والعلماء الرصناء للنهوض بمسؤولية التوجيه وحماية الوعي العام من العبث

تعيش المجتمعات اليوم تحولات عميقة تشهدها مناحي الفكر ومسارات التدين نتيجة الشاشات البديلة وتراجع الأدوار التقليدية للعلماء لصالح أشكال مبتكرة من الخطاب السريع الذي يخاطب الوجدان ويجتاز المذاهب والجغرافيات بلا ضوابط علمية، وهو وضع يسهم في تشكيل القناعات والسلوكيات بطرق تبسط المفاهيم وتركز على استثارة المشاعر الشديدة لدى فئات واسعة باحثة عن إجابات بسيطة وسط تعقيدات الحياة المعاصرة، فكيف يسهم هذا النموذج الفكري المحدث في إعادة صياغة الوعي الجمعي وتفكيك المفاهيم الموروثة؟ وإلى أي حد تتأثر المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية بمواقف هؤلاء الموجهين وتقلبات مساراتهم الفكرية والسياسية؟

أصبح البث المباشر والمقاطع المصورة الميدان الأساسي للدعوة المعاصرة بعدما تحول مركز الثقل من المساجد والمؤسسات العلمية إلى الفضاء المفتوح، حيث يسعى هؤلاء الموجهون إلى تبسيط القضايا المعقدة وتقديد العلوم الشاقة في قالب تسويقي يناسب الفراغ الروحي المتزايد، فتتحول المعرفة الدينية إلى سلعة تتبع قوانين المشاهدات وجمع التفاعلات ليصبح المظهر الشكلي والمؤثرات أشد أهمية من الاستدلال الفقهي المحكم، وتُستبدل الطمأنينة الروحية الأصيلة برغبة عارمة في متابعة المحتوى المثير وتلقي الإجابات السريعة دون التفكير في عمق النص أو أبعاده التربوية والاجتماعية.

يشتد هذا التشتت المفهومي بسبب غياب المرجعية الجامعة وانطلاق هؤلاء الدعاة من رؤى فردية حادة تنبذ الاختلاف وتستسهل إطلاق الأحكام بالإخراج من المنهج وتضليل المخالفين، حيث تسعى هذه المجموعات في مناظرات وبرامج متلفزة إلى طعن القامات الفقهية التاريخية والاجتهادات الكبرى والتشكيك في المدارس الجامعة، بأسلوب تغيب عنه أدبيات الحوار العلمي الرصين، مما ينشر الفتنة بين المتابعين ويقسم المجتمع إلى معسكرات متصارعة تتراشق بالتهم بدلا من أن تجتمع على كلمة سواء تؤلف بين القلوب وتخدم الصالح العام.

يعتمد هذا الأسلوب الدعوي على رفع النبرة وتحريك المشاعر بقوة دون مراعاة لما يتركه الشحن النفسي من أثر سلبي في نفوس الناس، بناء على توهم الموجه أنه يحوز الحق المطلق الذي يجيز له التجريح والتطاول في أي وقت أو مكان، فتأتي تلك المواقف انفعالية وتبحث عن الصدى اللحظي بعيدا عن منهج التربية الحكيمة الذي يستند إلى التثبت والرفق والاحترام الكامل لكرامة الإنسان وحرمة مشاعره.

يتسلل هذا المنطق التفريقي إلى المعاملات الشائعة والعبادات اليومية ليشكك المؤمنين في صلاتهم وسائر طقوسهم التي تلقتها الأجيال المتقدمة بالقبول بحجة عدم موافقتها لتفاصيل جزئية يراها هذا الداعية أو ذاك شرطا للصحة، كما يحدث في السجال المحتدم حول جلسة الاستراحة في الصلاة أو طريقة رفع اليدين في الدعاء، مما ينتزع السكينة من قلوب الناس ويفصل الفرد عن امتداده التاريخي والاجتماعي ليجعله حائرا ومحتكرا بسلطة الشيخ الذي يمنحه صك الصحة والقبول.

يمتد هذا الفكر الشمولي لإطلاق أحكام جازمة على عقائد الناس وصولا إلى مواقف سياسية متقلبة تعكس التناقض الحاد لدى من كان يحث الشباب على الخروج والقتال ثم يتراجع عن طرحه بسهولة عقب تغير الظروف وموازين القوى، حيث يظهر هذا المسار جليا في تجربة الشيخ محمد حسان والشيخ حسين يعقوب اللذين قادا الجماهير بخطابات حماسية فلما تغيرت الموازين سحبا مقولاتهما أمام المحاكم ووسائل الإعلام وواصلا حياتهما ومكاسبهما الخاصة، بينما يقبع آلاف الشباب ممن صدقوا تلك الشعارات خلف الأسوار ليدفعوا من حريتهم وأعمارهم ثمن مواقف متسرعة يتبرأ منها أصحابها بدم بارد.

تفرض هذه التحديات ضرورة استعادة البوصلة العلمية عبر المؤسسات العريقة وفي مقدمتها جامع القرويين وجامع الزيتونة والأزهر الشريف إلى جانب المفكرين والعلماء الرصناء للنهوض بمسؤولية التوجيه وحماية الوعي العام من العبث، فلا يمكن ترك الساحة لمجموعات الدعاية الرقمية التي تصنع هالة زائفة من القداسة حول الأشخاص وتصادر العقول، بل يجب تأصيل المعارف وحفظ عقول الناس من السطحية والشحن الانفعالي.

يتطلب هذا العلاج بناء منظومة تعليمية حديثة تعتني بصقل الحس النقدي لدى الناشئة وتدريبهم على التفكير المستقل وفحص الأفكار المنشورة قبل التسليم بها، عبر الانتقال من التلقين الآلي إلى تدريس أدوات البحث والمفاضلة بين الآراء بحكمة ورزانة، إذ يشكل العقل النقدي داخل المؤسسات التعليمية الحصن الحقيقي الذي يقي أجيال المستقبل من الانقياد الأعمى خلف الدعوات الحماسية أو السقوط في شباك التشدد.

يضع الواقع الراهن مجتمعاتنا أمام اختبار حقيقي لتمييز الفكر المتين من الخطاب العابر، مما يستوجب العودة إلى مقاصد الشريعة العليا وإعادة الاعتبار لمنهج النظر العقلاني، فهل تنجح أمتنا في تجاوز الانبهار بالشعار وصياغة نموذج فكري يجمع بين حفظ الهوية وامتلاك العقل النقدي؟

https://anbaaexpress.ma/mg11a

عبدالله فضول

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى