آراء
أخر الأخبار

ليس مثل الوعي نورا 

وما زال في نفسي أطيب الأثر من كتب أعيد قراءتها المرة بعد الأخرى. مثل قصة (الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن). و(المقال على المنهج) لرينيه ديكارت الفيلسوف الفرنسي. و(المنقذ من الضلال) و(إحياء علوم الدين) للغزالي

ليس مثل الوعي في إنارة الطريق وراحة البال. ولا أتعس من الجهل فمنه يولد الخوف والحيرة والشقاء. فالإنسان يخاف لأنه يجهل. ومتى جهل خضع فوقع في شرك الاستبداد.

ومن الجهل تولد الحيرة فلا يعرف من أين وإلى أين؟ ومن كان في صحراء مع زاد وراحلة وبوصلة وخارطة لم يحتر قط. ومن الجهل يأتي الشقاء. فالجهل يفضي إلى تراكم الأخطاء. ومع كل خطأ عذاب ومعاناة.

ووصف الله القرآن أنه ما أنزل على نبيه ليشقى. وفي موضع أخر قال ألم نشرح صدرك؟ وفي الوقت الذي طلب موسى من ربه أن يشرح صدره قال الله عن محمد ص ألم نشرح لك صدرك؟ فهذا هو الفرق بين الاثنين.

والوعي يأتي من الغذاء الفكري. فمن شرب الماء بدون يود أصيب بقصور الغدة الدرقية والخمول. ومن أكل طعاما بدون حديد أصيب بفاقة الدم والوهط وامتقاع اللون والكسل فهو يجرجر رجليه. ومن ملأ بيته بكتب السحر تحول إلى ساحر مكار.

ومن عاشر السياسيين تعلم الكذب والنفاق وعدم الشفافية ويسمونه حكمة وعقلا إلا ساء ما يحكمون. وهكذا فالغذاء الفكري أساسي لقدح شرارة الوعي. ومن قرأ عارضة الأحوذي في شرح الترمذي ليفهم ميكانيكا الكم وتحولات التاريخ وعلم الأنثروبولوجيا وفيزياء الذرة فقد ضل ضلالا مبينا. وعلماؤنا رحمة الله عليهم كانوا مبدعين في عصرهم.

واليوم يمكن قراءة مؤلفات ابن قيم الجوزية على أنها زاد تاريخي، ولكن الرجل لو بعث في عصرنا لكتب الجديد والمفيد، كما أفعل في كتاباتي أنا شخصيا فأطورها وأحسنها بين الفينة والفينة، والفكر إذا جمد على الماضي مات من حيث لا يشعر؟ ومتى شعر الميت أنه ميت؟ والله وصف الأموات أنهم:”أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون”.

وفي يوم راسلني (عبد الحليم أبو شقة) وأنا في ألمانيا رحمه الله وهو صاحب موسوعة (تحرير المرأة في عصر الرسالة) وهو مشروع نذر له عمره، وكتبه في ربع قرن، ووصفه الداعية الغزالي إنه كتاب كان يجب أن يخرج للنور قبل مائة سنة؟ فسألني: كيف تحررت في مسيرتي الفلسفية؟ وما هي الكتب التي قدحت زناد الوعي عندي؟

وأنا اعترف أنني مررت بمعارج شتى من الفكر، وتحولات انقلابية، وتطور ما زال ينمو بدون توقف، وعبور محطات فكرية في مسارب شتى. والبيئة التي نشأت فيها كانت تعج بالكسالى المتخلفين والأميين المنتفخين. وبقدر جهل الإنسان بقدر شعوره أنه فهمان وأنه العلامة الأعظم؟ وهي دلالات الأمية والجهل والتعصب.

وفي مدينتي القامشلي التي نشأت فيها كنت أبحث عبثا عن رجل آوي إليه؛ فاتفيأ ظلاله مثل الطير إلى الشجر، وأتعلم على يديه، فلم أعثر على أحد فبقدر جفاف المنطقة بقدر نشاف العقول؛ فشرعت في تهذيب نفسي، وأنا حتى اليوم أتعجب من نفسي، وما الدافع خلف قراءتي بنهم.

ولا ينمو الإنسان من دون قراءة، ويجب أن تكون قراءة منوعة، وأولها القصص حتى تنفتح الشهية، ويتدرب الإنسان على حب الكتاب، وعشق المعرفة.

وما زلت أذكر وأنا أقرأ قصة البؤساء لفيكتور هوجو وأنا في الصف الثامن فاقتبس فقرات جميلات أعزلها وأحاول حفظها. أما بيئتي التعيسة فقد خلت من العلم، بل كانت تعيق من يتعلم، وتقتل ملكته بالسخرية منه، وليس مثل السخرية أسلوبا مدمرا؟

وعندما بدأت في كتابة القصة القصيرة نالني من السخرية الشيء الكثير، فتوقفت عن الكتابة، وانكمشت على نفسي، وطلقت بيئتي ثلاثا لا رجعة فيها، فلم يكن أوان تفتح الزهر، بل الانكماش والقوقعة، كما تفعل الكثير من مخلوقات الطبيعة في سبيلها إلى البقاء.

وهو ما فعلته أنا، حتى واتتني الفرصة التي أتفتح فيها جيدا، ولم تكن القامشلي بل مدينة دمشق. فدمشق هي الحضارة. ومن أراد التعلم والتعرف على العلماء فهي دمشق.

ومنذ يوم وداعي بيئتي انغلقت على نفسي؛ حتى جئت دمشق، وفيها تفتحت إمكانياتي، لكثرة التيارات، وعدم وجود (الإحكام المسبقة) عند من حولي، فاستفدت من الكثيرين، كما أفدت الكثيرين، ونظمت من حولي، أكثر من عشر حلقات للتثقيف، حسب طاقتي وإدراكاتي يومها، وكان عمري في العشرين حينها، فمنهم من تابع معي، ومنهم من وقف عند تلك المحطة.

وبعض من الفئة الأخيرة ناصبني العداء، واعتبرني خرجت عن الصراط المستقيم، وفاته أن الحياة صيرورة متدفقة، وأن من جمد عند مرحلة ماتت عنده الصيرورة؛ فمات قبل الممات.

ثم شعرت من جديد أن نلك المرحلة بدورها شرنقة يجب كسرها، والخروج منها، وهذا الشعور استولى علي وما زال، فأنا أتطور طبقا عن طبق. وأكسب دوما الكثير من المعجبين والمحبين، كما أخسر البعض.

فهذه هي سنة الحياة، ولكن أجمل ما يصادفني بعض الناس الذين يعترفون لي أنني غيرت حياتهم، فيتدفق في شعور زخم الحياة، وأن هناك مبررا للاستمرار فيها، فبعد أن خسرت أحب الناس إلي ليلى سعيد زوجتي داعية اللاعنف انطفأ الضوء في حياتي. حتى تداركني ربي فأرسل لي حورية من حوريات جنان المغرب فأنا بسعاد سعيد.

ومن الكتب التي حرضت عندي الفكر لم تكن كتب التراث؛ فهذه تورث التعصب إن لم توضع في مكانها التاريخي، وهي نقطة حساسة؛ فمن كتب قديما ـ وينطبق على كل وقت ـ فقد كتب في ظروف تاريخية، والانتباه لهذه النقطة يحرر الإنسان من تقديس الأشخاص فيراهم على نحو بشري.

وما زال في نفسي أطيب الأثر من كتب أعيد قراءتها المرة بعد الأخرى. مثل قصة (الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن). و(المقال على المنهج) لرينيه ديكارت الفيلسوف الفرنسي. و(المنقذ من الضلال) و(إحياء علوم الدين) للغزالي.

وكتب الفلسفة عموما هي رحم العلوم؛ فمن أراد ان ينمو عقليا، فعليه بكتب الفلسفة، ولكن في مرحلة تالية بعد نمو ملكة القراءة وحب الكتاب وعشق المعرفة، من خلف الروايات؛ لأن الفلسفة باب صعب شائك، ولكنه يمثل أعظم التساؤلات منذ أن خلق الله الإنسان. ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون.

https://anbaaexpress.ma/5ukzk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى