تقاريرثقافة
أخر الأخبار

جائزة المغرب للكتاب.. بين الاحتفاء بالإبداع وتصاعد الجدل حول معايير الاستحقاق

ومن أكثر النقاط التي أثارت النقاش اعتماد مبدأ المناصفة في عدد من الفئات، وهو خيار رأى فيه بعض النقاد محاولة لتجاوز الخلافات داخل لجان التحكيم بدلاً من الحسم لصالح عمل واحد.

أعاد الإعلان عن نتائج الدورة الجديدة من جائزة المغرب للكتاب فتح نقاش واسع داخل الأوساط الثقافية المغربية، بعدما أثارت اختيارات لجان التحكيم موجة من الانتقادات والتساؤلات بشأن معايير التتويج وحدود الاستقلالية في منح واحدة من أعرق الجوائز الأدبية بالمملكة.

فبعد ساعات قليلة من الكشف عن أسماء الفائزين، تحولت منصات التواصل الاجتماعي والمنتديات الثقافية إلى فضاء لنقاش محتدم شارك فيه كتاب وشعراء ونقاد، انقسموا بين من اعتبر النتائج امتدادًا لمنطق الاستحقاق الأدبي، ومن رأى أنها تعكس استمرار تأثير العلاقات الثقافية والمؤسساتية في رسم خريطة الجوائز الوطنية.

اعتراضات على نتائج الشعر والسرد

وتركزت أغلب الانتقادات على جائزتي الشعر والسرد، اللتين شهدتا تتويج أكثر من اسم، وهو ما اعتبره عدد من المتابعين مؤشراً على صعوبة الحسم داخل لجان التحكيم، أو محاولة لإرضاء توجهات مختلفة داخل المشهد الثقافي.

ورأى منتقدون أن بعض الفائزين تجمعهم علاقات مهنية أو ثقافية بمؤسسات رسمية أو هيئات فاعلة في الحقل الأدبي، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة سؤال استقلالية لجان التحكيم، ومدى تأثير شبكة العلاقات الثقافية على النتائج النهائية.

في المقابل، دافع آخرون عن اختيارات اللجنة، معتبرين أن قيمة الأسماء الفائزة ومسارها الإبداعي لا يمكن اختزالهما في طبيعة علاقاتها بالمؤسسات الثقافية، وأن الاختلاف حول الأعمال الأدبية يظل أمراً طبيعياً في كل الجوائز الكبرى.

المناصفة… حل توافقي أم إضعاف لهيبة الجائزة؟

ومن أكثر النقاط التي أثارت النقاش اعتماد مبدأ المناصفة في عدد من الفئات، وهو خيار رأى فيه بعض النقاد محاولة لتجاوز الخلافات داخل لجان التحكيم بدلاً من الحسم لصالح عمل واحد.

ويعتبر أصحاب هذا الرأي أن منح الجائزة لعملين في الفئة نفسها قد يقلل من القيمة الرمزية للتتويج، ويمنح انطباعاً بعدم وجود رؤية نقدية حاسمة، بينما يرى آخرون أن المناصفة قد تكون مبررة عندما تتقارب مستويات الأعمال المرشحة بشكل يصعب معه تفضيل تجربة على أخرى.

الترجمة والبحث العلمي في دائرة النقاش

ولم يقتصر الجدل على مجالي الشعر والرواية، بل امتد إلى جائزة الترجمة، حيث رأى عدد من المهتمين أن الساحة الثقافية المغربية شهدت خلال الفترة الأخيرة أعمالاً ترجميّة بارزة كانت تستحق المنافسة بقوة.

في المقابل، مرت بعض الجوائز الأكاديمية بهدوء نسبي، بعدما حظيت اختياراتها بقبول واسع داخل الأوساط الجامعية، في حين أثار قرار حجب جائزة العلوم الاجتماعية تساؤلات إضافية حول طبيعة المعايير التي تعتمدها لجان التحكيم، وما إذا كان الأمر يعكس ضعفاً في الإنتاج العلمي، أم تشدداً في شروط التقييم، أم عزوف الباحثين عن المشاركة.

تمثيلية المرأة… حضور محدود

ومن بين القضايا التي حضرت بقوة في النقاش أيضاً، مسألة التمثيل النسائي ضمن قائمة الفائزين، إذ سجل متابعون محدودية حضور الكاتبات مقارنة بالدور المتنامي الذي تؤديه المرأة المغربية في مجالات الإبداع والبحث العلمي.

ويرى أصحاب هذا الطرح أن المشهد الأدبي المغربي يعرف خلال السنوات الأخيرة بروز أسماء نسائية استطاعت فرض حضورها محلياً وعربياً، وهو ما يجعل محدودية تمثيلها في الجوائز محل تساؤل بالنسبة إلى عدد من الفاعلين الثقافيين.

الجائزة بين الرمزية والشفافية

ويؤكد عدد من المهتمين بالشأن الثقافي أن قيمة جائزة المغرب للكتاب لا تقتصر على المكافأة المالية، بل تكمن أساساً في رمزيتها باعتبارها أعلى تتويج رسمي للإبداع المغربي، وهو ما يجعل كل دورة مناسبة لإعادة طرح أسئلة مرتبطة بالشفافية، وآليات التحكيم، ومدى وضوح المعايير المعتمدة في تقييم الأعمال.

وفي المقابل، يرى مدافعون عن الجائزة أن اختلاف الآراء حول النتائج يمثل دليلاً على حيوية المشهد الثقافي، وأن غياب الإجماع يرافق معظم الجوائز الأدبية الكبرى عبر العالم، حيث تبقى الأحكام النقدية بطبيعتها خاضعة لاجتهادات متعددة يصعب أن تحظى بإجماع كامل.

نقاش يتجدد مع كل دورة

ولا تبدو هذه المرة الأولى التي تثير فيها جائزة المغرب للكتاب نقاشاً واسعاً، إذ اعتادت الدورات السابقة بدورها أن تشهد سجالات مشابهة حول هوية الفائزين وآليات التحكيم، وهو ما يعكس حساسية الجوائز الأدبية وأثرها في رسم المكانة الرمزية للكتاب داخل المشهد الثقافي.

وفي ظل استمرار هذا الجدل، يطالب عدد من المثقفين بتطوير آليات التقييم وتعزيز الشفافية في عمل لجان التحكيم، مع نشر حيثيات الاختيارات بشكل أكثر تفصيلاً، بما يرسخ الثقة في الجائزة ويحافظ على مكانتها باعتبارها أحد أهم الاستحقاقات الثقافية في المغرب.

وبين الأصوات المؤيدة والمنتقدة، تبقى جائزة المغرب للكتاب موعداً سنوياً يتجاوز إعلان أسماء الفائزين، ليفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة المشهد الثقافي المغربي، وحدود الموضوعية في تقييم الإبداع، والعلاقة المعقدة بين القيمة الأدبية والاعتبارات المؤسساتية، وهي أسئلة يبدو أنها ستظل ترافق الجائزة في دوراتها المقبلة.

https://anbaaexpress.ma/gbna9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى