آراءالشرق الأوسط
أخر الأخبار

الإعلام الإسرائيلي.. من صناعة الخبر إلى هندسة الوعي

يعتمد كثير من المتابعين العرب على مواقع عبرية مثل، (بلي تسنزورا وبيتحون سديه وحدشوت حموت)، كمصادر أولية للأخبار، ويغيب عن المتابع أن هذه المواقع تفتقر للمهنية وتعتمد على مصادر مجهولة أو غير موثوقة في كثير من الأحيان، وذات أجندة سياسية وأمنية

بقلم فايز أبو رزق 

يكتشف المتابع للإعلام العبري أن قطاع الإعلام في إسرائيل بأقسامه المختلفة هو أكبر بكثير من دولة الاحتلال جغرافيا وسكانيا، لهذا فإن إسرائيل تمتلك نفوذا إعلاميا يتجاوز حجمها الطبيعي، ويتفوق قطاع الإعلام العبري في قضايا كثيرة على السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وفي الكثير من تلك القضايا يتصدر المشهد بوصفه السلطة الأولى الموجهة لبقية السلطات وللرأي العام.

وعند الانتقال من القراءة السطحية الأولية للمشهد الإعلامي الإسرائيلي إلى قراءة متعمقة للتفاصيل، تكشف تباينا بين ظواهر تقدم نموذجا راقيا لتعددية صحفية واسعة، من حيث قنوات متنافسة، وصحف ذات خطوط سياسية مختلفة، ومنصات لا تتوقف عن كشف قضايا فساد والمطالبة بملاحقة المسؤولين.

لكن الاقتراب من البنية الداخلية لهذا الإعلام يظهر صورة أكثر تعقيدا، حيث تضيق مساحة الاختلاف بشكل ملحوظ كلما تعلق الأمر بالأعمال العسكرية والأمنية، أو بالتفسير العام للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

منذ رسم الخطوط الأولى للمشروع الصهيوني، تم جعل الإعلام تركيبا بنيويا هاما في مشروع بناء الدولة العبرية. حيث أراد تيودور هرتزل للصحافة أن تكون “درعا للشعب اليهودي وسلاحا ضد أعدائه”، وتمثل هذا المبدأ في الدور الذي لعبته الصحف والإذاعات الصهيونية قبل الإعلان عن قيام الدولة العبرية، سواء في الترويج للهجرة اليهودية أو في تمتين الرواية الرسمية الصهيونية في الوعي العربي والغربي.

وقد تطورت العلاقة الاستثنائية بين الإعلام العبري والمؤسسات العسكرية والسياسية إلى نموذج أكثر تشابكا وتعقيدا بعد قيام الدولة. فالحدة والشفافية التي يتعامل بها ذلك الإعلام في نقده للشأن الداخلي وكشفه لملفات الفساد، يتحول في لحظات التصعيد العسكري والحروب إلى التعتيم وإخفاء المعلومات. فتغدو الأخبار وجبات جاهزة من غرفة عمليات إعلامية تطبخ في ظلال المؤسسة الأمنية.

وأثناء الحروب المتتالية على غزة، خصوصا في 2014 و2021 و2023، برز نمط واضح من الاعتماد شبه الكامل على الرواية العسكرية في الساعات الأولى للعمليات، حيث تتقدم بيانات الجيش الإسرائيلي المشهد الإعلامي، بينما تتراجع الأسئلة النقدية أو تكاد تختفي.. فلم يتم طرح تساؤل مثلا “كيف ولماذا يسقط كل هذا العدد من المدنيين الأبرياء؟”

ورغم الطابع المهني المتقدم لبعض المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية، إلا أن هذه المهنية كثيرا ما تتراجع أمام ما يطلق عليه الأمن القومي الإسرائيلي، حيث تصبح الرقابة العسكرية المتجذرة في الإعلام العبري الموجه الرسمي للرواية الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يعاد تقديم الفلسطيني في الغالب ضمن ثلاث صور نمطية، إما تهديدا أمنيا، أو مخربا، أو مجرد رقم عابر في حال إحصاء الخسائر الفلسطينية، بمعنى أن الإعلام الإسرائيلي يقوم باختزال الفلسطينيين في إطار تهديد أمني ويجردهم من إنسانيتهم، وفي المقابل، يقدم الجندي الإسرائيلي بوصفه طرفا دفاعيا يخوض حربا وجودية وذلك لتبرير الحرب وعمليات القتل الجماعي التي شنت ضد الفلسطينيين في غزة.

ولا تكمن الإشكالية في الكلمة وحدها، فالصورة على سبيل المثال تقدم أنصاف حقائق ومشاهد مجتزأة في تعمد لتأجيج المشاعر السلبية لدى الإسرائيليين وغيرهم على الشعب الفلسطيني، كذلك صياغة العناوين، وترتيب الأولويات الإخبارية واستخدام تعريفات ومصطلحات صاغها الأمن الإسرائيلي، كلها أدوات تعمل على تشكيل الإدراك الجمعي وتوجيه فهم المتلقين للأحداث.

حتى الإعلام التقدمي داخل إسرائيل، مثل صحيفة هآرتس، ورغم بعض مواقفه الليبرالية في ملفات داخلية عديدة أو في مقالات استثنائية لبعض الصحفيين في “هآرتس” مثل جدعون ليفي وعميرة هاس، يبقى نقده منضبطا ذاتيا ومحكوما بسقف محدد، إذ يتركز النقد على أداء الحكومة أو طريقة إدارة الحرب، دون المساس بالبنية العميقة للسردية الأمنية الإسرائيلية أو ما يسمى بمشروعية “الدفاع عن النفس” في الخطاب العام.

ومع تصاعد الإعلام الرقمي في السنوات الأخيرة، والذي يعتبر المستقبل الإعلامي الجديد الأوسع تأثيرا من كل أقسام الإعلام التقليدية، انتقلت المعركة إلى العالم الافتراضي الأكثر تشابكا.

حيث ساهمت منصات الأخبار العاجلة، ومواقع التحديث المستمر، في خلق حالة من السيولة المعلوماتية المتدفقة، لكنها متناقضة وسريعة التغير، ما يجعل تثبيت رواية مستقرة حول الحدث أمرا بالغ الصعوبة.

في هذا السياق، يعتمد كثير من المتابعين العرب على مواقع عبرية مثل، (بلي تسنزورا وبيتحون سديه وحدشوت حموت)، كمصادر أولية للأخبار، ويغيب عن المتابع أن هذه المواقع تفتقر للمهنية وتعتمد على مصادر مجهولة أو غير موثوقة في كثير من الأحيان، وذات أجندة سياسية وأمنية، ما يحول ترجمة الأخبار والتقارير من تلك المواقع إلى إعادة استنساخ للرواية الإسرائيلية بدلا من إخضاعها للنقد والتحليل.

وقد أدى تدمير العديد من المؤسسات الإعلامية الفلسطينية وقتل مئات الصحفيين الفلسطينيين، وكذلك شح مصادر المعلومات الفلسطينية، وصعوبة وصول الصحفي المحلي للمعلومة الدقيقة من جهة معتمدة، إلى جعل الرواية الإسرائيلية حاضرة ومؤثرة في التغطية الإخبارية، إذ بات الإعلام الفلسطيني يعتمد على المصادر العبرية بشكل يفوق بكثير اعتماد الإعلام الإسرائيلي على المصادر الفلسطينية.

وختاما، لم تعد المعركة في هذا الصراع تدور حول السيطرة على الأرض فقط، بل حول السيطرة على تفسير ما يجري فوقها. فالدبابة تستطيع فرض واقع ميداني بالقوة، لكن الرواية هي التي تمنحه الشرعية وتطيل عمره في الوعي العام.

ولهذا لم يكن الإعلام في المشروع الصهيوني مجرد وسيلة لنقل الأخبار، وإنما شريكا في إعادة صناعة المعنى وإنتاج السردية وتشكيل الإدراك المحلي والدولي.

إن الحروب قد تغير خرائط الأرض، لكن الصراع على الوعي يظل الأطول عمرا والأعمق أثرا في تشكيل فهم الأجيال لما حدث.

ملاحظة: المقال مستوحى من مضامين كتابي “الإعلام الإسرائيلي بين الحقيقة والتزييف” الصادر بطبعته الثانية عام 2023.

* كاتب وصحفي من غزة

https://anbaaexpress.ma/0orbs

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى