يروى عن (واصل بن عطاء) أنه كان في قوم على سفر، فإذا بخيول الخوارج تطوقهم، فأثرن بهم نقعا، فوسطن بهم جمعاً، فذعر القوم؛ فقال لهم لا عليكم ودعوا الأمر لي. فلما اقتربوا صاحوا بهم من القوم؟ أجاب واصل: نحن قوم من المشركين. ولو كان الجواب نحن من المسلمين لقتلوهم. تابع واصل قد طلبنا إجارتكم. أجاب مقاتلو الخوارج لكم ذلك. قال واصل ونريد أن تعلموننا مما علمكم الله؟ وكان يريد أن يستشهد بالآية “وإن احد من المشركين استأجرك فأجره حتى يسمع كلام الله”. قال الخوارج أنتم آمنون، فانطلقوا بحال سبيلكم. قال واصل لا قبل أن تسمعونا كلام الله ثم تبلغوننا مأمننا. وكان يريد تذكيرهم ببقية الآية ثم أبلغه مأمنه؛ فالتفت الخوارج الى بعضهم وقالوا قد صدقوا، ثم مشوا معهم في حراسة مشددة، طول الطريق مجاناً، حتى وصل عطاء وجماعته بكل دلال حيث يريدون. وهي قصة لا يكاد يصدقها الانسان، وردت في كتاب الكامل للمبرد.
وقصة الخوارج تروي أمرين في غاية الخطورة: اجتماع (التقوى) مع (الجهل) وورطة فهم النصوص،. والتشدد مع سفك دماء المسلمين. في خلطة شديدة التفجير. وحاليا يستشهد بالآية على وجه صحيح غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة على بند اللجوء السياسي (ويشغل
أنطونيو غوتيريش
منصب الأمين العام للأمم المتحدة حالياً، وهو الدبلوماسي والسياسي البرتغالي الذي تولى مهامه في عام 2017 كالشخص التاسع في تاريخ المنظمة.)
وفي الحديث هلك المتنطعون، وإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. ويذكر التاريخ أنهم كانوا مقاتلين أشداء، وخرجت منهم فرق في غاية الخطر على الأمة الإسلامية، مثل الأزارقة، لأنهم كانوا يوفرون دماء المشركين، ولايتورعون عن دماء أخوانهم المسلمين كما وردت في خدعة واصل معهم. ومن نسلهم خرجت فرقا لاتحصى كان آخرها نموذج داعش فاحش المساخيط الذين فرحوا جدا برجم فتاة على الشبهة تطبيقا لحد الرجم وهو حد لاتوجد آية تقول به، ومن الملفت للنظر أيضا مشاركة الوالد في رجم ابنته مع الراجمين، ومما تناهى لسمعي أيضا عن موضوع الرجم أن رجل دين له متابعين بالألوف قال يطبق الرجم على شكل عصري بالضرب بالبنادق (القرطاسة بالتعبير المغربي = الرصاصة هنا هي حجر الرجم؟).
وكانوا يؤمنون بالخروج المسلح على الحاكم، ولذلك أتعبوا الدولة الأموية فنزفت من جراحهم حتى الموت. ثم سقطت التفاحة الناضجة ليست بيد من تعب لها؛ أي الخوارج، بل الدهاة السياسيون المنظمون على يد الفرس أي العباسيون. والذي يدعوني للحديث عن هذه الطائفة، هو مشكلة التطرف والتشدد الذي هو الطرف المقابل للارتخاء والتميع. وجاء في الحديث ما يصفهم أنهم سيكونون على غاية من العبادة، ولكن بدون فقه.
وفي الحديث أن خيار الناس الذين يدخلون الاسلام ويشبهون معادن الذهب والفضة، من كان ذو عقل راجح، قبل دخوله الاسلام، لأنه سيفيد المسلمين (تجدون الناس معادن فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا). وشبه الحديث مصير الخوارج مثل السهم الذي يدخل الصيد، ثم يخرج منه فلا يثبت فيه. يريد الحديث أن يقول إنهم يخرجون من الاسلام على نحو غريب غير ظاهر، وهو التمادي في الأشياء، لأن السهم يقصد منه، أن يستقر في الصيد وليس أن يخرج منه. وهم بشدة مبالغتهم في الأشياء أفقدوا أنفسهم التوازن، وخسروا العدل، وهو الميزان الذي قامت عليه السموات والأرض. والسماء رفعها ووضع الميزان. ويذكر التاريخ لنا الشيء الجميل من أدبياتهم مقابل القصص المفزعة من قساوتهم، مثل أبو حمزة الخارجي عندما دخل مكة، وخطب في أهلها وهم يرعشون خوفا من سيفه البتار، يصف أصحابه الذين قتلوا في المعركة من أجل قضيتهم: (فكم من مقلة أصبحت في منقار طير طالما بكى صاحبها من خشية الله. وكم من كف بانت عن معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده. منثنية أصلابهم بمثاني القرآن. إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه، وإذا مر بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا إليها).
مشكلة الخوارج (وحاليا الدواعش وخرافة الدولة الإسلامية) كانت في فقد التوازن بتدين بدون فقه، وإخلاص بدون وعي، ولذا اتفق جمهور المسلمين على أن جهاد الخوارج لم يكن جهاداً بل خروجاً، ومنه أخذوا اسمهم التاريخي، وأصبحت كلمة خارجي لا توحي بالثقة.
واليوم يعود الصراع الخارجي الأموي مرة أخرى في أمكنة أخرى بأسماء أخرى. والمشكلة تدور حول الصراع السياسي ولمن يكون كرسي الحكم، وقال أحدهم إن كل مكان قد يكون مقعدا مريحا إلا السنان رأس الرمح فهو الخازوق مبرمجا. وقصص التاريخ تحكي لنا مآسي الحكم في كل مكان بين رأس على رمح وخليفة تقتلع عيناه وآخر يحكم لمدة يومها ورابع تقتل ذريته حتى الأحفاد، ولم تهدأ حفلة الجنون إلا باختراع النظام الديموقراطي الغربي حيث يتم من خلاله نقل السلطة سلميا. مع ذلك لم يرضى ترامب في فترته الأولى إلا أن يأخذ معه أربعة جثث من الكابيتول.
وهو يطمح مثل الرئيس الصيني الحكم مدى الحياة مثل البابا.




