لم يكن اختفاء صفيحة صخرية من موقع ميبلادن مجرد حادث معزول، بل مؤشرًا مقلقًا على هشاشة منظومة حماية التراث الجيولوجي في المغرب، بعد سرقة أحد أبرز الشواهد الأحفورية التي توثق وجود التيروصورات في شمال إفريقيا.
الصفيحة، التي كانت تمتد على عدة أمتار وتحتوي على آثار أقدام وأيد لهذه الزواحف الطائرة، اختفت خلال شهر ماي الماضي في ظروف توحي بعملية مدبرة.
فوفق معطيات ميدانية قدمها باحثون، تم قطع الصفيحة باستخدام أدوات متخصصة، ما يستبعد فرضية التخريب العشوائي ويرجح وجود شبكة تهريب تستهدف هذا النوع من الكنوز العلمية.
سرقة على مرحلتين
اللافت أن الموقع تعرض لاعتداء سابق قبل أقل من عامين، حين جرى اقتطاع جزء من الصفيحة نفسها. ومع غياب إجراءات الحماية، عاد المعتدون لاستكمال العملية، لينتهي الأمر باختفاء كامل الأثر.
يقول عبد الواحد لغناوي، أستاذ علم المستحاثات، إن ما حدث “لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة مباشرة لغياب الحماية”، مشيرًا إلى أن الباحثين نبهوا سابقًا إلى خطورة ترك الموقع دون مراقبة.
من جهته، يؤكد موسى مسرور أن نداءات التحذير التي أُطلقت بعد الاعتداء الأول لم تجد طريقها إلى التنفيذ، رغم القيمة الاستثنائية للموقع.
تكمن أهمية ميبلادن في كونه من بين المواقع النادرة في إفريقيا التي توثق آثار التيروصورات، بل والأكثر تميزًا لاحتفاظه بمسار متكامل يجمع بين آثار الأيدي والأقدام، وهو ما يشكل مادة علمية بالغة الأهمية لفهم حركة هذه الكائنات وسلوكها.
كما أن بعض هذه الآثار ينتمي إلى نوع جرى التعرف عليه لأول مرة في المغرب، ما يمنح الموقع بعدًا علميًا عالميًا يتجاوز الإطار المحلي.
من خسارة علمية إلى نزيف اقتصادي
لا تقتصر تداعيات الحادث على المجال الأكاديمي، بل تمتد إلى الاقتصاد المحلي. فقد بدأ الموقع في استقطاب اهتمام إعلامي وزوار، ما كان يؤهله ليصبح نقطة جذب للسياحة الجيولوجية.
لكن فقدان هذا المورد يعني ضياع فرصة تنموية كان من الممكن أن تعود بالنفع على الساكنة المحلية، في نموذج شبيه بما تحقق في منطقة أنزا قرب أكادير، حيث تحول موقع أحفوري إلى مورد اقتصادي بفضل وعي السكان ودعم المبادرات التحسيسية.
سوق سوداء وتراث بلا حماية
تفتح هذه الواقعة الباب أمام تساؤلات أوسع حول وجود سوق سوداء للاتجار في الأحافير، خاصة في ظل تزايد الطلب العالمي على القطع النادرة، وغياب مراقبة فعالة للمواقع المفتوحة.
ويرى مختصون أن المواقع النائية، مثل ميبلادن، تظل الأكثر عرضة للنهب، بسبب بعدها الجغرافي وضعف الحضور المؤسساتي.
نحو سياسة استباقية
أجمع الباحثون على أن التعامل مع هذه الحوادث برد الفعل لم يعد كافيًا، داعين إلى تبني سياسة استباقية تقوم على:
– جرد المواقع الحساسة
– تأمينها ميدانيًا
– إشراك الساكنة المحلية في حمايتها
كما شددوا على أن التراث الجيولوجي يجب أن يحظى بنفس مستوى الحماية الذي تتمتع به المعالم التاريخية، باعتباره جزءًا من الذاكرة العلمية والإنسانية.
في المحصلة، لا يمثل ما حدث في ميبلادن مجرد سرقة صفيحة صخرية، بل خسارة طبقة كاملة من التاريخ الطبيعي، وجرس إنذار يضع مستقبل التراث الحفري في المغرب على المحك.




