الحسن لحويدك
ونحن على أبواب الانتخابات التشريعية بالمغرب، المقرر إجراؤها في 23 شتنبر 2026، وقبل أن نستمع إلى الوعود الكبيرة والشعارات التي اعتدنا تكرارها واجترارها في كل استحقاق انتخابي، يجدر بنا أن نطرح سؤالا بسيطا، لكنه عميق الدلالة: أي مغرب نريد أن نرى بعد خمس سنوات؟
إن الجواب لا يوجد فقط تحت قبة البرلمان أو داخل مكاتب الوزارات، بل يبدأ من ثلاثة فضاءات يعرفها كل مغربي ومغربية جيدا: الأسرة، والمدرسة، والإعلام. ومن هنا، فإن الدعوة موجهة إلى كل حزب سيعرض برنامجه على المواطنين: اجعلوا هذا “مثلث الإصلاح” حجر الزاوية في مشاريعكم.
فإذا صلحت الأسرة، ونجحت المدرسة، واستقام الإعلام، انعكس ذلك تلقائيا على الصحة والشغل والاقتصاد والأمن وسائر القطاعات. فالمواطن(ة) اليوم لم يعد يبحث عن الخطابات الرنانة، بل عن أثر ملموس يلامس حياته اليومية.
فالأسرة هي المدرسة الأولى، والحاضنة الأولى للقيم. فيها يتعلم الطفل الصدق، والاحترام، والانتماء إلى الوطن، قبل أن يلج أبواب المدرسة. غير أن الأسرة المغربية أصبحت تواجه تحديات متزايدة؛ من غلاء المعيشة، وصعوبة الولوج إلى السكن، وإلى التأثير المتنامي للعالم الرقمي، الذي دخل البيوت دون استئذان، وأصبح في كثير من الأحيان يشارك الوالدين، بل ينافسهما، في تربية الأبناء.
لذلك، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالخطب والوعظ، وإنما بسياسات عمومية تدعم الأسرة فعليا، وتواكب الأسر الهشة، وتوفر للأبوين تكوينا يساعدهما على التعامل مع تحديات العصر الرقمي، ويحمي أبناءهما من مخاطره. كما أن تشجيع الشباب على الزواج، عبر توفير فرص الشغل والسكن اللائق، ليس مجرد سياسة اجتماعية، بل هو استثمار في استقرار المجتمع ومستقبل الوطن.
وبعد الأسرة تأتي المدرسة، التي لا ينبغي أن تكون مجرد فضاء للتلقين وحفظ المقررات، بل مؤسسة تصنع إنسان الغد؛ الطبيب، والمهندس، والأستاذ، والقاضي، والمسؤول، والمواطن الصالح. إننا بحاجة إلى مدرسة تعلم أبناءنا كيف يفكرون، وكيف يناقشون، وكيف يبدعون، لا كيف يحفظون ثم ينسون.
كما أننا بحاجة إلى أستاذ(ة) يستعيد مكانته الاعتبارية والمادية، ويحظى بتكوين مستمر، لأن المدرسة لن تنجح إذا كان عمادها يعيش الإحباط. ونحتاج أيضا إلى مناهج تربوية ترسخ الهوية الوطنية، وتُعرّف الناشئة بتاريخهم وقيمهم، وفي الوقت نفسه تفتح أمامهم آفاق اللغات والعلوم والتكنولوجيا. فالهدف أن يدخل التلميذ مدرسته بشغف، لا بثقل.
أما الإعلام، فهو المدرسة الثالثة في المجتمع. ففي زمن الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبح كل فرد قادرا على إنتاج المحتوى ونشره، وأصبحت الأخبار والصور ومقاطع الفيديو تصل إلينا قبل التحقق من صحتها. ومن هنا تتضاعف المسؤولية.
إننا بحاجة إلى إعلام عمومي وخاص يحترم ذكاء المواطن، ويعزز ثقافة الحوار، ويقدم المعلومة الصحيحة، ويساهم في ترسيخ القيم الإيجابية، بدل الانجرار وراء التفاهة والإثارة. كما أن الإعلام الجهوي يستحق عناية خاصة، لأنه الأقدر على نقل انشغالات كل جهة، ومواكبة خصوصياتها، واقتراح حلول تنبع من واقعها.
إن الأسرة تغرس القيم، والمدرسة تصقل العقول، والإعلام ينشر الوعي. وإذا تكاملت هذه الأركان الثلاثة، أصبح إصلاح باقي القطاعات نتيجة طبيعية. فالمستشفى لا يحقق أهدافه دون مواطن واع، والمصنع لا يزدهر دون يد عاملة مؤهلة، والقانون لا تكون له هيبة ما لم يترسخ احترامه في النفوس.
ومن هنا فإن الحكامة، والعدالة الاجتماعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجودة الخدمات العمومية، كلها تبدأ من بناء الإنسان.
إن الإصلاح لا يحتاج دائما إلى ميزانيات ضخمة أو مؤتمرات كبرى، بقدر ما يحتاج إلى رؤية واضحة، وإرادة سياسية صادقة، وقرار شجاع يبدأ من الأسرة، ويمر عبر المدرسة، ويتعزز بإعلام مسؤول.
أيتها الأحزاب المغربية، إن المواطن اليوم أكثر وعيا وتمييزا من أي وقت مضى. لم يعد ينتظر وعودا فضفاضة ولا شعارات موسمية، بل ينتظر برنامجا يلامس حياته اليومية، ويحسن أوضاع أسرته، ويؤمن مستقبل أبنائه، ويرتقي بما يشاهده ويستمع إليه كل يوم.
إن الحزب الذي يجعل الإنسان محور مشروعه، ويضع مثلث الإصلاح: الأسرة، والمدرسة، والإعلام في صدارة أولوياته، سيكون الأقرب إلى كسب ثقة المواطنين، والمساهمة في بناء المغرب الذي نتطلع إليه جميعا.
ويبقى السؤال مطروحا أمام الأحزاب كافة: هل ستجعلون الإنسان أولوية حقيقية في برامجكم، فتترجمون ذلك إلى سياسات قابلة للتنفيذ، أم سنظل ندور في الحلقة نفسها، نكرر الوعود ذاتها، وننتظر النتائج نفسها؟!




