آراءثقافة
أخر الأخبار

في التجديد.. المعرفي والنفسي للخطاب الديني

التوجه الباحث عن حماية الكيان العقلي من التلاشي في قوالب فكرية صلبة ومواقف سلفية جاهزة لا يمثل مطلباً فردياً معزولاً وإنما يمتد ليكون هماً مجتمعياً وثقافياً شاملاً، يسهم في تعرية التناقض الصارخ والمواجهة الحامية

تفكيك الأفكار المعقدة التي تحكم فهمنا للدين في الوقت الحالي يمثل خطوة أساسية لمعرفة أسباب التراجع الذي تعيشه المجتمعات، حيث يظهر الخطاب الديني الشائع كأحد أهم الميادين التي تحتاج إلى مراجعة واضحة وعميقة تذهب إلى أبعد من المظاهر الخارجيّة وتكشف الطريقة التي يتم بها توجيه عقول الناس وتصرفاتهم اليومية.

هذا الواقع الصعب، الذي يجد فيه الشخص نفسه حائراً بين متطلبات حياته المعاصرة وبين ما يتلقاه من مواعظ تقليدية، يفرض فحص الأفكار المتوارثة ومعرفة مدى قدرتها على مواكبة تبدل الأزمان وتطور معارف البشر الحالية، من هنا تبرز الحاجة الضرورية لمعرفة التغييرات التي أصابت هذا الخطاب، وكيف تحول من منبع يمنح الطمأنينة ويهذب الأخلاق إلى وسيلة تدفع الناس نحو الخوف الأعمى وتمنعهم من الحركة والتفكير.

ما هي الأساليب التي يستعملها الخطاب الديني الحالي للسيطرة على طريقة تفكير الناس وإبقائهم في دائرة الخوف، وكيف يمكن بناء فهم جديد يربط التدين بالأخلاق الحقيقية والعمل النافع للمجتمع؟

تأمل التغييرات والتحولات الفكرية التي تحيط بالإنسان اليوم يؤكد ضرورة مراجعة الخطاب الديني الشائع مراجعة دقيقة وعادلة، بهدف إصلاح عيوبه وتجديد طريقته ليكون قادراً على الإجابة عن حيرة الناس ومواجهة مشاكل العصر الحالي؛ حيث يظهر رابط قوي ومتين بين حاجة الفرد الملحة لتحرير عقله وإدراكه من وصاية الأفكار الجاهزة التي تمنحه صورة مشوهة عن نفسه وعن العالم من حوله، وبين الدخول الشجاع إلى عمق المواعظ الشائعة لتحليل العوامل النفسية غير الظاهرة التي تستغل عواطف الناس وتعتمد على إشعارهم بالغربة والضياع وزرع الخوف الجماعي من الآخرين أو من المستقبل المجهول.

فالنقد المعرفي يغدو اليوم ملحاً لتفكيك طرائق الفهم التي تخلط بين الثابت والمتحول، ويتجسد هذا بوضوح حين يصر البعض في مسائل المعاملات المالية والاقتصادية المعقدة، كالتنظيمات التجارية والبنكية الحديثة، على استدعاء أحكام وفتاوى صيغت في قرون ماضية لأسواق بسيطة قامت على المقايضة، عوض إعمال النظر لربط المعاملات بمقاصد العدل.

ومثل هذا الجمود المعرفي نلمسه أيضاً في محاربة التفسيرات العلمية الحديثة للأمراض العضوية والنفسية، والإصرار على الترويج للوصفات البديلة القديمة على منابر الوعظ وكأنها جزء من العقيدة، مما يحول بين العقل وبين مواكبة منجزات الطب التي تمثل التجلي الحقيقي وعقلانية التدين ومرونته.

هذا التوجه المعرفي يتكامل مع أسلوب توجيه نفسي مدروس يتحرك في كواليس الرسائل الوعظية التقليدية، حيث تلعب هذه الرسائل على أوتار المشاعر وتقتات على بث مشاعر الغربة والشتات وصناعة ذعر جمعي من تقلبات الزمن، وهو أمر يتجسد في طغيان لغة الوعيد والترهيب الدائم بالتلف والهلاك التي تلاحق كل من رام إعمال النظر، ونراها راجحة في تلك المواعظ والمقاطع الشائعة التي تصب جل اهتمامها على الأوصاف المفزعة لعذابات القبور وأهوال القيامة مستغلة الخوف الفطري للإنسان من الموت.

مما يولد لدى المتلقي وخاصة الناشئة حالة من القلق الدائم وجلد الذات والانفصال عن الرغبة في البناء، وينضاف إلى ذلك الربط النفسي السريع لشتى الكوارث الطبيعية كالزلازل والجفاف بالذنوب والغضب الإلهي المباشر، مما يزرع عقدة الذنب ويقود الفرد إما إلى الاستسلام والانكفاء على الانتظار السلبي أو إلى النفور والاغتراب بسبب الضغط النفسي المستمر، عوض فتح الآفاق لقيم التراحم والمحبة والتبشير بروح الأمل، مما يفضي إلى مصادرة الوعي الفردي والاندفاع نحو تتبع أقوال الوعاظ بلا تدبر أو مراجعة ذاتية.

وتظهر المعاينة المتأنية حجم المأزق الذي يتخبط فيه الفكر المتشدد حين يدعي القائمون عليه امتلاك الصواب المطلق، فيحظرون على العامة المساءلة مستعينين بتلك المواعظ الموروثة التي تهول من شأن النقد وتجرم التجديد، فلا تدع هذه الممارسات مجالاً لظهور شيء سوى عقول مستسلمة كليلة، تأبى التفاعل مع مستجدات العلوم ومنجزات المعرفة الإنسانية وتفضل البقاء في معزل عن حيوية العصر.

الأمر الذي يوجب بناء وعي يحصن كرامة الإنسان ويصون اختياراته الحرة في مجريات عيشه اليومي لمواجهة هذا الحصار الذي تفرضه تيارات الغلو سعياً وراء نمذجة سلوك الناس وتنميط حركتهم.

التوجه الباحث عن حماية الكيان العقلي من التلاشي في قوالب فكرية صلبة ومواقف سلفية جاهزة لا يمثل مطلباً فردياً معزولاً وإنما يمتد ليكون هماً مجتمعياً وثقافياً شاملاً، يسهم في تعرية التناقض الصارخ والمواجهة الحامية بين رغبة البعض في سجن النصوص الدينية وحصرها ضمن سياقات وبيئات وعهود خلت، وبين تطلع الجماعات البشرية اليوم لتمثل المبادئ الروحية وتمحيصها بكيفية مرنة وحيوية تطابق طبيعة العصر وتواكب إيقاعه المتسارع.

ويتجلى هذا التدافع مع الواقع المعاش في تمسك البعض بإعادة إنتاج فتاوى قديمة وأحكام نبتت في ظروف جغرافية وسياسية اجتماعية سحيقة زالت بواعثها ومضى أهلها، ومحاولة إسقاطها قسراً على شؤون مجتمعات حديثة تعيش تفاصيل مغايرة تماماً وتتطلع لحلول تنبثق من صميم مشكلاتها وأزماتها اليومية، مما يورث تباعداً هائلاً وفجوة عميقة تشق البناء المجتمعي بين تفكير متحجر يروم لجم حركة الحياة وبين واقع متدفق يستعصي على تلك الأسوار الضيقة، ويفرض واجب العودة إلى التراث بقراءة فاحصة تبتغي غربلته من الرؤى القديمة والمواقف التاريخية الموقوتة وتعمل على دمج مقاصده بالقيم الإنسانية النبيلة، إذ يؤكد النظر السديد في هذا الباب أن نهضة الفكر الديني وتحديثه لا يمكن أن تتأتى بجلب إجابات مصنعة أو بإعادة تدوير تلك المسائل الفقهية القديمة التي استوفت غرضها وقضت نحبها في زمنها.

بل تستدعي إقامة تلازم متين بين الالتزام الديني والتفكير العقلي الحر والعمل الأخلاقي الميداني الذي يورث النفس السكينة ويطبع العلاقات اليومية بالنزاهة والصدق, نأياً بالمرء عن التستر خلف المظاهر الجوفاء التي تفصله عن قضايا محيطه وتجرده من روح العطاء والمبادرة الفعالة لتتركه يلوذ بالغربة في وطنه المعاش.

الأطروحة النقدية المعاصرة تكتسب قوتها من خلال الانفتاح على مساهمات كبار المفكرين الذين رصدوا هذه الأزمة وبحثوا عن مخارج حقيقية لها، حيث يبرز المفكر الفيلسوف طه عبد الرحمن كأحد أهم الذين نبهوا إلى ضرورة فك الارتباط بين التدين وبين مجرد النقل والتقليد الأعمى، داعياً إلى بناء مفهوم التزكية الأخلاقية والائتمانية التي تجعل من الدين ممارسة واعية تنبع من أعماق الإنسان وتنعكس أمانة وصدقاً في معاملاته اليومية، بدلاً من بقاء التدين حبيس الرسوم القديمة التي تفصل الفرد عن واقعه وتجعله عاجزاً عن الفعل الإيجابي.

وبجانب هذا الطرح الأخلاقي العميق نجد إسهامات المفكر علي حرب الذي ركز نقده على تفكيك سلطة النص المطلقة وسلطة النخبة الوعظية التي تدعي احتكار الحقيقة، مبطناً دعوته إلى تحرير الإنسان من أوهام المطابقة الكاملة مع الماضي وضرورة الالتفات إلى متطلبات الحاضر الحية.

فالأفكار عند علي حرب ليست قوالب ثابتة نسكن داخلها بل هي أدوات نقدية نستخدمها لفهم واقعنا المتغير وابتكار حلول عملية تخدم كرامة الإنسان وتصون حريته في مواجهة شتى أنواع الوصاية والإنغلاق المعرفي.

الاتجاه صوب تلمس الأصالة والمعاصرة معاً يتسع ليتغلغل في تفاصيل الفضاء العام ومختلف مناحي الحياة الاجتماعية عبر الدعوة المخلصة لتبني نموذج إيماني عاقل ومتبصر، ينفذ إلى وجدان الإنسان ويخاطب ملكاته العقلية مجتمعة دون أن يحصر تجلياته في القشور الخارجية والطقوس التي تروم حيازة الثناء وابتغاء الوجاهة الاجتماعية.

وهي حالة نشهدها في زماننا عبر هذا الاندفاع المبالغ فيه نحو تجميل الأشكال والاعتناء بالملابس الفوقية والمسارعة إلى زخرفة الحجر والمساجد، مع إغفال تام للجوهر الأخلاقي الحقيقي المتمثل في النزاهة عند التعامل المالي، وإتقان المهن والحرف، ومحاربة شتى صنوف التدليس والمواراة، وصيانة العهود والمواثيق، وهي الخصال الكفيلة وحدها بإعادة مشاعر السكينة العميقة وربط الإنسان بوجوده ربطاً وثيقاً، لتكتمل الأطروحة بصلة الفكر الديني بمفاهيم الحقوق وإقرار العدالة الاجتماعية.

والتشديد على أن تحصين البناء المجتمعي وإحداث التوازن فيه لا يمكن أن يولد من رحم العزلة وترك الساحة والهروب من المسؤولية بانتظار حلول جاهزة تأتي بلا سعي أو كد، بل يتحقق ذلك كله من خلال مواطنة حية وواعية تؤمن بالحرية وتدفع الفرد نحو اجتراح الحلول العملية وتطوير الإنتاج النافع والإسهام الصادق في النهوض ببيئته وتجاوز العقبات الكبرى التي تواجه العصر، والتي لا تلين إلا لعقول تجيد الابتكار وتبتعد عن النقل السلبي والاجترار.

الوصول بالتحليل المعرفي إلى هذه المرحلة من المساءلة يكشف عن عمق الفجوة القائمة بين واقع ديني محكوم بآليات الاستسلام القديمة ومتطلبات حياة إنسانية تنشد الانعتاق والفاعلية الحرة، إذ لا يمكن اختزال معركة التجديد في مجرد تنميق المظاهر أو مواراة العيوب الهيكلية لخطاب وعظي متكلس، بل يستدعي الأمر ثورة حقيقية في مناهج الفهم وطرق التلقي تعيد للإنسان سيادته العقلية ومسؤوليته الأخلاقية المباشرة في بناء مجتمعه.

رهان المستقبل يتوقف على مدى شجاعة العقل الفكري في كسر الأسيجة المغلقة والانتقال بالقيم الروحية من فضاء الوصاية والترهيب إلى فضاء الحرية والمواطنة الإيجابية، وهو مسار طويل وشاق يتطلب نفساً نقدياً مستمراً لا يهاب مراجعة المسلمات التاريخية، ليظل السؤال معلقاً حول مدى استعداد النخب الثقافية والمؤسسات الفكرية لتحمل كلفة هذا التحول الجذري والانتقال بالوعي الجمعي من مرحلة الاجترار السلبي إلى أفق الإبداع الحضاري والكوني المشترك؟

https://anbaaexpress.ma/7zywg

عبدالله فضول

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى