في الوقت الذي كانت فيه السلطة اللبنانية تتحدث عن إنجاز سياسي تحقق في واشنطن، وتقدّمه للرأي العام على أنه نقطة تحول في مسار الحرب، كانت الوقائع على الأرض تسير في اتجاه مختلف تماماً.
الطائرات الإسرائيلية لم تتوقف، الغارات استمرت، عمليات الاغتيال والتفجير تواصلت، ووزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس لم يترك مجالاً واسعاً للتأويل عندما أعلن مراراً أن إسرائيل ستواصل العمل عسكرياً في لبنان كلما رأت ذلك ضرورياً، وأن ما تعتبره تهديداً لأمنها سيبقى هدفاً مشروعاً لجيشها.
وبينما كان بعض المسؤولين اللبنانيين يتحدثون بلغة المنتصر دبلوماسياً، كانت إسرائيل تتصرف وكأن شيئاً لم يتغير، وكأن الاتفاق الذي احتُفل به في بيروت لا يلزمها إلا بالقدر الذي يخدم مصالحها.
من هنا تبدأ المشكلة. فالقضية ليست في الاتفاق نفسه بقدر ما هي في الطريقة التي جرى تسويقه بها. فمنذ اتفاق الهدنة عام 1949 مروراً بالقرار 425 وتفاهمات تموز 1993 ونيسان 1996 والقرار 1701، وصولاً إلى التفاهمات الأخيرة، لم يقدم التاريخ سبباً مقنعاً يدفع اللبنانيين إلى الاعتقاد بأن إسرائيل أصبحت فجأة دولة تلتزم بحرفية الاتفاقات والقرارات الدولية.
بل على العكس، فإن سجل الخروقات الإسرائيلية الطويل يجعل أي احتفال مبكر بأي تفاهم أمراً يحتاج إلى كثير من الحذر قبل إطلاق الأحكام أو توزيع شهادات النجاح.
لكن ما أثار الانتباه أكثر من الاتفاق نفسه كان نوعية الخطاب الذي رافقه. ففي مقابلة مع شبكة CNN، تحدث رئيس الجمهورية عن عناصر حزب الله بوصفهم موجودين بين المدنيين أو مختبئين بينهم. وقد يكون للرئيس تفسيره الخاص لهذا الكلام، لكن المسألة لا تتعلق بالنوايا.
فمنذ سنوات طويلة، تحاول إسرائيل تبرير استهدافها للقرى والأحياء السكنية عبر الادعاء بأن مقاتلي المقاومة يتمركزون بين المدنيين.
وعندما يصدر كلام يقترب من هذا التوصيف عن رئيس الجمهورية اللبنانية، يصبح السؤال مشروعاً: من المستفيد من هذا الخطاب في لحظة ما زالت فيها إسرائيل تبحث عن أي ذريعة سياسية أو قانونية لتبرير اعتداءاتها؟
الأمر هنا لا يتعلق بالدفاع عن حزب الله أو تبني موقف سياسي منه. فالخلاف حول المقاومة وسلاحها ودورها قائم منذ سنوات طويلة وسيبقى قائماً. لكن ما يفترض أن يكون موضع إجماع هو أن أي مسؤول لبناني، وخصوصاً إذا كان في موقع رئاسة الجمهورية، يفترض أن يدرك أن كلماته لا تُقرأ فقط في الداخل اللبناني، بل تُتابع وتُحلل وتُستثمر في الخارج أيضاً.
ولم يكن هذا التصريح الوحيد الذي أثار الجدل. فقد سبق لرئيس الحكومة أن قال بعد الغارة الإسرائيلية على بيروت في الثامن من نيسان إن إسرائيل استهدفت أهدافاً عسكرية، قبل أن يتحدث لاحقاً أمام عدد من السفراء عن تفاجئه من عدم موافقة الحرس الثوري الإيراني على وقف إطلاق النار.
وبغض النظر عن المقصود من هذا الكلام، فإن الرسالة السياسية التي تصل إلى الداخل والخارج تكاد تكون واحدة: قرار الحرب والسلم لا يُصنع في لبنان، والمقاومة ليست سوى امتداد لقرار خارجي.
وإذا كان هذا هو التوصيف الذي تتبناه السلطة فعلاً، فمن حق اللبنانيين أن يسألوا: كيف يمكن الحديث في الوقت نفسه عن استعادة السيادة وعن القرار الوطني المستقل؟ وكيف يمكن التوفيق بين خطاب يقول إن لبنان استعاد زمام أمره، وخطاب آخر يوحي بأن مفاتيح الحرب والسلم موجودة خارج حدوده؟
المفارقة أن هذه المواقف صدرت في وقت كانت فيه الوقائع الميدانية ترسم صورة مختلفة تماماً. فمنذ نحو مئة يوم من المواجهات المتواصلة، لم تنته الحرب فعلياً. ورغم حجم الدمار الهائل الذي لحق بالجنوب والبقاع والضاحية، ورغم التفوق العسكري الإسرائيلي الواضح، فإن المعركة لم تصل إلى النتيجة التي تحدث عنها كثيرون منذ بدايتها.
فالمقاومة التي سارع البعض إلى إعلان نهايتها أو خروجها من المعادلة، ما زالت حاضرة في الميدان، وما زالت تشكل عاملاً أساسياً في أي نقاش يتعلق بالحرب أو بمستقبل المرحلة المقبلة.
لا يحتاج المرء إلى أن يكون مؤيداً للمقاومة كي يلاحظ هذه الحقيقة. فالحروب لا تُحسم بالتصريحات ولا بالبيانات السياسية، بل بما تفرزه الوقائع على الأرض.
والواقع حتى الآن يقول إن الملف اللبناني ما زال حاضراً بقوة على طاولات البحث الإقليمية والدولية، وإن الأطراف المعنية بالبحث عن تسويات لا تزال مضطرة للتعامل مع القوى المؤثرة فعلياً في الميدان.
ومن هنا تحديداً يمكن فهم التناقض القائم بين بعض الخطابات السياسية اللبنانية وبين ما كان يجري في الكواليس خلال الأشهر الماضية. فبينما انشغل كثيرون بالحديث عن اتفاق واشنطن وكأنه المرجعية الوحيدة للمرحلة المقبلة، كانت الأنظار في أماكن أخرى تتجه نحو مسار تفاوضي مختلف يجري بعيداً من الأضواء في الدوحة.
وبحسب ما أصبح معروفاً ومتداولاً في الأوساط السياسية والإعلامية، فإن تلك اللقاءات لم تكن اجتماعات بروتوكولية أو شكلية، بل نقاشات تناولت ملفات تتعلق بالحرب ووقفها، وباليوم التالي للحرب، وبالعلاقات الإقليمية والدولية المرتبطة بلبنان.
وشارك فيها ممثلون عن أطراف دولية وإقليمية فاعلة، إلى جانب ممثلين عن الثنائي الوطني، وفي مقدمهم المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب الوزير علي حسن خليل، فيما تحدثت معطيات متقاطعة عن وجود تمثيل غير مباشر لحزب الله ضمن الآليات التفاوضية المعتمدة، إلى جانب حضور أو مشاركة من جهات تمثل قطر والولايات المتحدة والسعودية وباكستان، في ظل دور إيراني حاضر بصورة أو بأخرى في خلفية المشهد.
أهمية هذه الاجتماعات لا تكمن فقط في تفاصيلها، بل في دلالتها السياسية. فبينما كان البعض في لبنان يتصرف وكأن الثنائي الوطني أصبح على هامش القرار أو خارج المعادلة، كانت أطراف دولية وإقليمية مؤثرة تجلس إلى طاولة تبحث معه في مستقبل الحرب وما بعدها.
وبينما كان هناك من يعتقد أن الحرب ستؤدي إلى تهميش هذه القوى أو إقصائها، كانت الوقائع تشير إلى أن من يملك التأثير الفعلي على الأرض لا يمكن تجاوزه مهما تبدلت الظروف.
وهنا يبرز سؤال لا يبدو أن كثيرين يرغبون في الإجابة عنه: إذا كانت المقاومة ضعيفة أو فاقدة للتأثير كما يقال، فلماذا تستمر الجهود الدولية والإقليمية للتفاوض حول الملفات المرتبطة بها؟ ولماذا ما زالت حاضرة في كل النقاشات المتعلقة بالحرب ووقفها؟ ولماذا تبدو بعض العواصم المؤثرة أكثر واقعية في قراءتها لموازين القوى من بعض اللبنانيين أنفسهم؟
ولا يمكن فصل كل ذلك عن التطورات الإقليمية الأوسع، وخصوصاً ما يتعلق بالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.
فخلال الساعات والأيام الماضية، بدأت تتسرب مؤشرات سلبية حول مسار التفاهمات بين واشنطن وطهران، ما أعاد إلى الواجهة احتمال الدخول في مرحلة جديدة من التصعيد السياسي وربما الميداني.
وفي أوساط سياسية ودبلوماسية متعددة، يبرز اعتقاد متزايد بأن المنطقة قد تكون متجهة نحو جولة إضافية من الضغوط والمواجهات غير المباشرة قبل العودة إلى طاولة مفاوضات أكثر جدية.
فالتجارب السابقة أظهرت أن العلاقة بين الطرفين كثيراً ما انتقلت من التفاوض إلى التصعيد ثم عادت إلى التفاوض مجدداً، وأن الميدان كان في كثير من الأحيان وسيلة لتحسين شروط التفاوض لا بديلاً عنه.
وفي هذا السياق تحديداً، جاء التصعيد الإسرائيلي الأخير باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت ليحمل دلالات تتجاوز البعد الأمني المباشر. فالغارة لم تأتِ في فراغ سياسي أو إقليمي، بل جاءت في ظل أجواء مشحونة ورسائل متبادلة على أكثر من مستوى. كما أنها أعادت طرح السؤال حول الجهة المستفيدة من دفع الأمور نحو مزيد من التوتر في هذه المرحلة الحساسة.
فالعدو الإسرائيلي يدرك جيداً حساسية الضاحية الجنوبية في معادلة الصراع، ويدرك أيضاً أن استهدافها لا يمكن النظر إليه بوصفه حدثاً عادياً. كما يدرك أن أي تصعيد من هذا النوع يحمل في طياته احتمالات ردود فعل متبادلة قد تدفع المنطقة إلى مستويات أعلى من التوتر.
ومن هنا يرى كثيرون أن حكومة بنيامين نتنياهو، الغارقة في أزماتها السياسية والقضائية والداخلية، لا تبدو بعيدة عن خيار إبقاء المنطقة في حالة اشتعال دائم، سواء للهروب من أزماتها أو لتحسين شروطها في أي ترتيبات مقبلة.
وفي خضم كل ذلك، يبدو أن جزءاً من الطبقة السياسية اللبنانية ما زال منشغلاً بإثبات صحة روايته أكثر من انشغاله بقراءة الواقع كما هو. والواقع يقول إن الحرب لم تنتهِ، وإن إسرائيل ما زالت تتصرف باعتبارها غير ملزمة فعلياً بما جرى الاتفاق عليه، وإن المفاوضات لم تتوقف، وإن القوى التي قيل إنها خرجت من المعادلة ما زالت حاضرة في النقاشات التي تتناول الحرب وما بعدها.
في النهاية، ليست المشكلة في أن يختلف اللبنانيون حول المقاومة أو حول خياراتها أو حول مستقبلها. فهذا أمر طبيعي في بلد كلبنان. المشكلة تبدأ عندما يتحول الخلاف السياسي إلى محاولة لإنكار الوقائع.
فالأوطان لا تُدار بالرغبات، والحروب لا تُحسم بالتمنيات، والسيادة لا تُقاس بعدد المرات التي تُذكر فيها في الخطابات. السيادة تُقاس بالقدرة على حماية الأرض والناس والقرار الوطني.
أما ما عدا ذلك، فيبقى مجرد روايات تتنافس في ما بينها إلى أن تحسمها الوقائع. وحتى الآن، يبدو أن الوقائع ما زالت تقول شيئاً مختلفاً تماماً عما يحاول البعض تسويقه. وبين رواية السلطة وحقائق الميدان، يبقى الميدان هو المكان الذي تُكتب فيه النتائج الفعلية، لا البيانات ولا المؤتمرات الصحافية ولا الاحتفالات المبكرة.




