من قلب جنيف: تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية يطلق “إعلان جنيف حول طفولة إفريقيا المسروقة” ويسائل المجتمع الدولي حول عسكرة القاصرين في مخيمات تندوف.
وقد نظم تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية ندوة دولية رفيعة المستوى تحت عنوان: “الطفولة المسلوبة في إفريقيا: التجنيد، نزع السلاح وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد النزاع”، على هامش أشغال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان.
وقد شكل هذا المحفل الحقوقي، الذي ضم نخبة من الأكاديميين والقانونيين والمدافعين عن حقوق الإنسان من مختلف أنحاء القارة الإفريقية وأوروبا، منصة استراتيجية لإطلاق “إعلان جنيف حول طفولة إفريقيا المسروقة”، وهو وثيقة مرجعية تروم إحداث نقلة نوعية في معايير المساءلة الدولية وتطويق ظاهرة تجنيد الأطفال.
افتتح أشغال الندوة السيد عبد الوهاب الكاين، الكاتب العام للتحالف، بكلمة تأطيرية شدد فيها على أن هذا اللقاء يهدف إلى كسر حاجز الصمت المؤسساتي المطبق حيال الاستغلال الوحشي للقاصرين، مؤكدا أن حماية براءة الأطفال في مناطق النزاع واللجوء هي أولوية دولية غير قابلة للتفاوض، وداعيا إلى إنهاء حقبة الإفلات من العقاب عبر تبني التزامات قانونية حازمة وملزمة.
وقد احتلت الوضعية الحقوقية في مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر حيزا مركزيا في الترافع الحقوقي الدولي، حيث قدمت الدكتورة مينة لغزال، منسقة التحالف، قراءة تحليلية معمقة نبهت فيها إلى أن الأطفال في هذه المخيمات يواجهون مخاطر حادة نتيجة إطالة أمد الأزمة، مشيرة إلى تعرضهم للتجنيد الإيديولوجي والعسكري تحت وطأة الإكراه والفقر.
منددة بـالضبابية الممنهجة التي تفرضها الدولة المضيفة، مما يمنع آليات الرصد الدولية من تتبع ظروف القاصرين، مؤكدة أن الجزائر، بصفتها طرفا متعاقدا في اتفاقية عام 1951 وبروتوكولها الملحق، تتحمل المسؤولية القانونية الكاملة عن حماية اللاجئين فوق ترابها.
وفي شهادة حية، استعرض السيد حمادة لبيهي، رئيس رابطة الصحراء للديمقراطية وحقوق الإنسان، تجربته الشخصية كطفل ضحية للتهجير القسري من تندوف نحو كوبا.
وكشف لبيهي عن تفاصيل سياسة عسكرة العقول والشحن الإيديولوجي الممنهج الذي تمارسه جبهة البوليساريو، واصفا إياها بأنها مأساة عابرة للأجيال تهدف إلى صياغة هوية جديدة للقاصرين تمجد الحرب والصراع، وعزلهم عن محيطهم الأسري والثقافي.
من جانبه، فكك الدكتور شونغسي آيه جوزيف الفجوات المعيارية في الميثاق الإفريقي لحقوق الطفل، محذرا من بروز تهديدات مستحدثة مثل التجنيد الرقمي.
وفي ذات السياق، شددت الباحثة آشول غارانغ على أن مخيمات تندوف تمثل فراغا قانونيا حيث تفوض الجزائر صلاحياتها السيادية لتنظيم مسلح، مما يكرس إفلاتا هيكليا من العقاب.
كما سلطت الندوة الضوء على الضحايا غير المرئيات، وهن الفتيات المجندات اللواتي يمثلن 40% من الأطفال الجنود، حيث أكدت المداخلات تعرضهن لعنف جندري مركب يشمل الاسترقاق الجنسي والزواج القسري، مع إقصائهن الممنهج من برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.
وقد توجت أشغال الندوة باعتماد “إعلان جنيف حول طفولة إفريقيا المسروقة”، الذي يطالب بإحداث نقلة نوعية في قواعد الاشتباك الحقوقي الدولي، وذلك من خلال تعزيز الولاية التقنية للممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ومنحها صلاحيات استقصائية مستقلة تضمن النفاذ المباشر للمناطق المغلقة، بالتوازي مع مأسسة آلية للإحالة التلقائية للانتهاكات الموثقة إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لضمان المساءلة القضائية الفاعلة.
كما شدد الإعلان على ضرورة إقرار بروتوكول أممي نوعي يراعي الأبعاد الجندرية لحماية الفتيات في سياقات النزاع المسلح، مع إلزام الدول بملاءمة تشريعاتها الوطنية لتجريم عسكرة الطفولة وفرض عقوبات جنائية رادعة لا تسقط بالتقادم.
ويؤكد تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية على أن الطفولة المسلوبة ليست قدرا حتميا، بل هي نتاج لتقاعس دولي، ويدعو المجتمع الدولي الى التحول من بلاغة الإدانة إلى فعالية الإجراء، لاستعادة حقوق الأطفال الذين سلبت هوياتهم في مخيمات تندوف وعبر بؤر النزاع في القارة الإفريقية.
* جنيف – تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية




