تشهد العلاقات الجزائرية الأمريكية في الآونة الأخيرة تحركات متسارعة توحي بوجود تحول لافت في طبيعة التقارب بين واشنطن والجزائر، خاصة بعد اللقاء الرفيع الذي جمع كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس بالسفير الجزائري لدى واشنطن صبري بوقادوم وفريقه، بمشاركة القائم بالأعمال مارك شابيرو، والذي حمل رسائل سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز الطابع البروتوكولي التقليدي.
وأكد مسعد بولس، في بيان صادر عن السفارة الأمريكية بالجزائر، أهمية تعزيز العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة والجزائر، مع توسيع التعاون الإقليمي، مشيدًا بالدور الذي تلعبه الجزائر في ملفات الأمن والسلم بمنطقة الساحل وشمال إفريقيا.
كما كشف عن تنامي الحضور الاقتصادي الأمريكي داخل الجزائر، مع نشاط أكثر من 120 شركة أمريكية، ووجود توجه نحو توسيع الاستثمارات في مجالات الطاقة وقطاعات استراتيجية أخرى.
غير أن الرسالة الأبرز في هذا اللقاء تمثلت في حديث المسؤول الأمريكي عن قضية الصحراء المغربية، حيث شدد على أن الوقت قد حان للتوصل إلى حل نهائي للنزاع المفتعل، وفق ماجاء في قرر مجلس الأمن 2797، في إشارة تحمل دلالات سياسية عميقة، خاصة أنها تأتي في سياق دولي وإقليمي يعرف تحولات متسارعة، وتزايدًا في الدعم الدولي لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي التي تقودها الرباط.
ويرى متابعون أن واشنطن بدأت تعتمد مقاربة أكثر واقعية وبراغماتية في المنطقة، تقوم على إنهاء بؤر التوتر وفتح صفحة جديدة من الاستقرار الإقليمي، خصوصًا مع التحديات الأمنية المتزايدة في الساحل الإفريقي، وتصاعد التنافس الدولي على النفوذ والطاقة والمعابر الاستراتيجية.
كما يعتبر مراقبون أن اللهجة الأمريكية الأخيرة تعكس قناعة متنامية داخل دوائر القرار في واشنطن بأن استمرار النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية لم يعد يخدم الاستقرار الإقليمي، وأن الحسم السياسي أصبح ضرورة ملحة، خاصة في ظل التحولات الدبلوماسية الكبرى التي حققها المغرب خلال السنوات الأخيرة، والدعم الدولي المتزايد لمقترح الحكم الذاتي باعتباره الحل الأكثر جدية وواقعية ومصداقية.
وفي المقابل، يكشف الانفتاح الأمريكي على الجزائر عن رغبة واضحة في إعادة ترتيب التوازنات داخل المنطقة، عبر بناء شراكات أمنية واقتصادية جديدة، دون التخلي عن الثوابت الأمريكية المرتبطة بالحل السياسي الواقعي للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.
ويرى عدد من المتابعين والخبراء أن المرحلة المقبلة قد تحمل انفراجًا مفاجئًا في هذا الملف، خصوصًا مع تزايد المؤشرات الدبلوماسية التي توحي بأن المجتمع الدولي بات أقرب من أي وقت مضى إلى طي هذا النزاع بشكل نهائي، بما يكرس الاستقرار ويفتح الباب أمام بناء فضاء مغاربي جديد قائم على التعاون والتنمية بدل التوترات المزمنة.




