آراءأفريقيا
أخر الأخبار

المجموعات السُكَّانِيَّة في دارفور الكبرى.. “البرتي” نموذجاً

بينما أنا أبحث عن جذور وأصول قبيلة “البرتي” في السودان من خلال ما حَفَزْتُ له مؤخراً من كونه بحثاً مهماً متعلقاً بتاريخ ليعض سكان السودان وبالتحديد اقاليم دارفور الكبرى وأخص بالذكر المجموعة السُكَّانِيَّة فيها وهم “البرتي”، وبعد اطمئناني لبعض ما وصلت إليه بعد قراءتي لبعض التراجم والكتب أهمها ما ذكره البروفيسور عون الشريف قاسم في كتابه “موسوعة القبائل والانساب في السودان” ط 1996 تقريبًا، وبعض ما ذهب إليه البَحَثَةُ عن ذات الموضوع، يمكنني من ناحية تاريخية ما واضعة أن اقول الآتي:

إنَّ “البرتي” في السودان ليست قبيلة ذات أصول وجذور نوبية عربية معروفة هاجرت واستوطنت غربي السودان وتأقلمت مع مَهْجَرِهَا الجديد فصارت قبيلة ذات أصول وجذور عربية نوبية من شمالي السودان، فهذا خطأ يجب أن يُنتبه إليه، وسأوضح الصواب خلال هذه الكلمة المقتضبة.

أصل جَذْرِ كلمة “البرتي” مكوَّنة من كلمتين هما: بر – تي، وتعني حسب ما جاء في المصدر السابق أن معناها “راعي الضأن” أو “راعي الماعز”.

لا يوجد حتى الآن بين يدي الباحثين من حسم علمي دقيق لقضية أصول وجذور الهُوِيَّة القبلية للبرتي وكلها استنتاجات مقدَّرة دون الوصول لنتيجة واضحة وحاسمة وواحدة وهذا يُحمد لهم بلا شك.

إنَّ أصول وجذور الهُوِيَّة القبلية للبرتي أصول افريقية محضة وهي إحدى مكوِّنات المجموعات السُكَّانِيَّة لحوض تشاد من مجموعة الزغاوة الكبرى التي تقطن في مساحة واسعة للغاية من حوض تشاد وغربي السودان والنيجر وبعض تخوم ليبيا، لكنها ليست عربية نوبية لا من قريب ولا من بعيد.

يؤخذ من لسانهم أنَّ “البرتي” كلمة تطلق أصلاً على قبيلة دار زغاوة وارجح هنا أنَّ الزغاوة أو الزكاوة هي أيضاً مجموعة كبيرة بشرية استوطنت الحزام الغربي الوسط من أفريقيا بين بلاد السودان الغربي وغرب أفريقيا وتسمي نفسها أو يُطلق عليها اسم “بيري” وحُرِّفت الكلمة فيما بعد لــــــ “بير يتي” ثم لاحقاً بــــــ “برتي” مع تداخل اللسان المحلي والعربي والافريقي من لهجة إلى لغة أو قل من منطوق لفظي لآخر.

بعد تحريف وتدوير كلمة “بيري” ذات الأصول الأفريقية استعملت في اللسان المحلي وحتى اليوم بلغة زغاوة عربية إلى برتي بعد حذف الياء الوسط الواقعة بعد حرف الراء المهمل فسهَّل نطقها وكانت برتي.

عادة في اعادة الاصول لأي قبيلة ما يُبحث عن جَدٍ لها تنسب إليه المنطقة أو الجماعة وبعد التكاثر تأخذ وضعاً مجتمعياً مغايراً وتحل محلها إلى قبيلة لا إلى الجد، أو يكون الجد نغسه هو المكوِّن الأول والأساسا للقبيلة بمرور الوقت فينحصر وينحسر اسم الجد لمكوِّن جديد هو القبيلة الفلانية، لكني لم أجد للبرتي من جد ولا من حفيد ولا من منطقة انطلقت منها وكلما ذكر لا يطمئن إليه بالنسبة لي.

في خلاصة اطمأن إليها هي أن “البرتي” تنتمي اثنياً وعرقياً إلى مجموعة الزغاوة الكبرى ذات الأصول الأفريقية واللسان العربي مع الاحتفاظ بلغتها المحلية والتي يُصطلح عليها لا باللسان الاعجمي بل بلغتهم المحلية أو بالرطانة ومنهم من يقول بالرندوك وهلم جرا.

إنَّ كلمة “راعي الضأن أو راعي الماعز” لهي صفة وليست اسماً لعلمٍ مذكرٍ أو مؤنثٍ لأنَّ الصفة غلبت على مجموعة كبيرة منهم بصفة الرعي للمواشي والابقار والضأن والماعز استقراراً وسَمْتَاً أو تحديداً الضأن أو الماعز أو الاثنين معاً، فتسموا بها لكنها ليست اسماً لعلم مذكر أو مؤنث.

من هذا المبتدأ، غلبت الصفة العامَّة على الاسم خاصة فتحولت من صفة الرعي عموماً لاسم “البرتي” خصوصاً ثم كونت اثنية بعينها تدافعت لأن تكون قبيلة مستقلة بذاتها لكنها لن تفلح بذلك من ناحية اصولية الأنثروبولوجيا ويمكنها أن تنجح مستقلة ككيان قائم بذاته بعد لأي، أي بعد الاستكانة والسيرورة والصيرورة الزمكانية للمكوِّن القبلي منذ ظهورها على مسرح الحياة هناك بشكل جاد واعتمدتها الدولة عبر مؤسساتها الخاصة حين قبلت هذه المجموعة أن تسمي نفسها “قبيلة البرتي” وما عدا ذلك فهي تصنف – أقَلَّاها عندي – من أنَّها إحدى المكوِّنات الاثنية لمجموعة الزغاوة الكبرى لا قبيلة مستقلة بذاتها والله أعلم أيُّ ذلك كان.

هذا ! معروف من أنَّ دار زغاوة / كـــــ دار جعل، ودار حَمَرْ ودار فور ودار زُرْقَة ودار فَلَّاتَة وهلم جرا / هي مجموعة كبيرة بشرية استوطنت الحزام الأفريقي ببحيرة تشاد وغربي السودان منذ قديم الزمان ومن ثم فإنَّ كثيراً من تلك المجموعات بكل بلاد السودان إذا اسقطنا عليها ذات القاعدة أعلاه سنجد أنَّ كثيراً من قبائل دارفور وكردفان وعموم قبائل السودان، هي غير مستقلة بذاتها تماماً وانَّها تنتمي للمجموعات الأكبر منها سكانياً ومناطقياً ولك أن تسميها دور أو ديار أو كيانات أو عرقيات متضامنة أو خلافه مع المكوِّن الأصلي للمجموعة المستقرة في المنطقة، ولنا أن نعرف أنَّ “البرتي” ليس لها مكوِّن اقليمي أو قومية مستقلة بجنوب النيل الأزرق تحديداً من مجموعات الفونج والقُمُزْ وأمْ بَرَرَو وبني شنقول وغيرهم، فكل منطقة لها خصوصيتها في تاريخية مكوِّنها الاجتماعي أو القبلي أو الاثني أو خلافه ، وهذا من الأهمية بمكان أن يوضع في الحسبان.

هناك بعض المجموعات السُكَّانِيَّة في إقليم النيل الازرق من “الهوسا” القبيلة الأفريقية الكبيرة الممتدة من أقصى غربي أفريقيا مروراً بوسط السودان من غربيه إلى حدود الحبشة الدولة الحالية، هاجرت بمرور الزمن منذ 300 سنة قبل اليوم نحو شرقي السودان نحو منابع النيل الأزرق وتكوَّنت وتصاهرت مع المجموعات السُكَّانِيَّة هناك ممن تم وصفهم وذكرهم، وفي ذات الوقت تصاهرت ممن اتصفت بالرعي مع السكان الاصليين هناك فصارت جزءاً لا يتجزأ منها وهم “البرتي” تحديداً بذي صلة إذا كانوا فعلاً من قبيلهم الذي قالوا، ويمكن حديثاً حسم القضية بالحمض النووي لكليهما.

تقول بعض الروايات غير المؤكدَّة بانتسابهم للملك قندتو ، المنطقة الواقعة قرب مدينة شندي الحالية يشمال السودان بولاية نهر النيل، تفرقوا بعد انهيار أوضاع الممالك النوبية ، أو إلى الملك تقابو الجبل المسمى عندهم هناك، وهو محل مراجعة كما ترى.

ويقال إنَّ الجد الأكبر للقبيلة يسمي (نامدو) وكان رجلاً قوياً شجاعاً، وكان رجل دين مما يفسر إسلام القبيلة المتأصل فيهم، وفيه نظر.

وبعض الباحثين يرى أمثال إبراهيم عبد الله إسحق ومحمد يحيى عبد الله صديق في كتابه “رحلة الى دار الطويشة” / بالمناسبة، لم أجد هذا الكتاب في الانترنت ولا مطبوع لكنه نما إلى علمي / ومحمد يحيى الصديق وعثمان عبد الجبار وغيرهم، وهم موضع شك عندي ومراجعة وضبط لما ذُكِرَ آنفاً، وضعوا بعض المسارات والمساقات لأصل وجذر “البرتي” يمكن حصرها في أنَّهم:

من تونس، الإدريسي التونسي، هاجروا من شمالي أفريقيا بتونس عبر الصحراء في موسم الحج فمنهم من استقر هناك واقام بها ولم يرجع لأصله الذي أتى منه وهكذا، وهذا مستبعد للغاية لسبب واحد هو إذا صحَّ قولهم فإنَّ “البرتي” ليست سودانية بحال من الأحوال ولا تحتاج مِنَّا كثير بحث ولا قليل تنقيب لأنَّها لا تقع ضمن دائرة اهتماماتي البحثية أنا ولا غيري من الباحثين بطبيعة الحال.

من النوبيين بشمالي السودان، ممن تبَّقَى أو هاجر من مملكة النوبا بشمالي السودان بعد انهيار سلاطينهم وممالكهم نحو غرب السودان حيث يقيمون الآن بمركز دائرتهم المدنية المعاصرة اللعوتة جار النبي وأم كدادة والطويشة ومليط بشمال دارفور الكبرى، وهذا بعيد كل البعد لسبب مباشر وواضح هو أنَّ التمسح بالعروبية الشمالية السودانوية لهو اشكال متعنصر ذو تعقيد نفسي للبعض أو متعَصَّب عند البعض الآخر من حملها جرثومة الفخر في الحسب والنسب أو الحئولة لردها أصلاً من هناك مع الاستشهاد ببعض الكلمات المتقاربة المتكَّلم بها بينهم، وهذا غير مقبول ولا معقول ولا يحتاج إليه من يبحث عن أصوله، فالعربية ليست عنصراً وإنَّما لساناً، ومن ثَمَّ غير معتمد في أي مرجع بين أيدينا اليوم [المؤرِّخ ماكمايكل في كتابه “تاريخ العرب في السودان” يرى انتماء البرتي إلى مجموعة القرمانطيون، وهم البِدِيَّات والزغاوة والميدوب، قبائل دارفور الكبرى] مما نما إلى فهمي وعلمي والله أعلم أي ذلك كان.

من ليبيا، هاجروا وتداخلوا وتتاجروا وتعايشوا فيما بينهم الزمن الطويل فكانوا أحد المكوَّنات العرقية الاصيلة لبلادنا، وهذا احتيال على الحقائق فيما أرى، والجادَّة هنا إذا كانوا فعلاً من جذور قبلية ليبية فهم ليسوا بسودانيين البتَّة في الرقعة الجغرافية لبلادنا وليبحثوا لهم عن موضع قدم هناك فكراً وانتماء وهُويَّة، ولكني استبعده بشدة فلا دلالة عليه قطعاً.

من أفريقية، من الحزام القبلي الأفريقي المتجذر بين بحيرة تشاد وغربي أفريقيا وينتمون بشكل ظاهر عند تكوين مملكة كانم أو البرنو في القرن الخامس عشر (1446 – 1874 – 1874 – 1916) في محاولة لاستعادة سلطنة دارفور بعد سقوطها على يد الزبير باشا رحمه في القرن التاسع عشر، ثم انهيار دولة المهدية لاحقا، وهذا أقرب الاحتمالات لما ذكرته من استنتاجات أوَّل المقال.

لك أن تلاحظ التقارب اللفظي الشديد بين كلمتي البرنو و”البرتي”، مما يدل ويدعم فكرة انتمائهم القبلي الزغاوي المكوِّن لهم على أنهم فعلاً من مملكة برنو وكانم ببحيرة تشاد وما جاورها مما يثبت لحد ما كبير صحة ما ذهبنا إليه إن شاء الله.

ليسوا أصلاً مكوِّنَاً مستقلاً قائما بذاته بل هم من ضمن المجموعات السُكَّانِيَّة لحوض تشاد وغربي السودان وبالتحديد الزغاوة الكبرى، وهذا آخر ما يمكنني الوثوق به لما سبق ذكره واعتمده بكل ثقة إن شاء الله.

لا تقلل كلمتي هذه من جملة البحوث لمن سبقوني جهدا وبحثا وتنقيبا بلا شك بل على العكس تماما، زادتني همة ومعرفة وسعة في التعرف على كثير من خصوصية هذه المجموعة السُكَّانِيَّة لحوض تشاد وغربي السودان والنيجر وبعض تخوم نيجيريا وليبيا وخلافه، الشاهد هنا المساحة المعرفية في مصطلح المقارنات العلمية بين الباحثين للوصول إلى نقطة مركزية تتلاقى فيها المعلومات بحيث ينطلق منها الباحث في الأنثروبولوجيا للسودان بغير وجه فهي تزيد وتحفز الرغبة للاستزادة من معلوماتهم القيمة بلا جدال ولا شك.

https://anbaaexpress.ma/28we1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى