آراءالشرق الأوسط
أخر الأخبار

من عين التينة إلى اليرزة.. واشنطن تفتح جبهة الضغط المباشر على بري والجيش اللبناني

الرسالة الثانية في العقوبات، فهي موجهة إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية، وتحديدًا في توقيت لا يمكن فصله عن توجه وفد من ضباط الجيش اللبناني إلى الولايات المتحدة للمشاركة في المفاوضات داخل البنتاغون..

لم تكن العقوبات الأميركية الأخيرة حدثًا ماليًا عابرًا يمكن وضعه في إطار الإجراءات التقليدية التي اعتادت واشنطن استخدامها ضد شخصيات محسوبة على حزب الله أو على بيئته السياسية.

ما جرى هذه المرة يحمل أبعادًا سياسية أعمق بكثير، لأن الرسائل التي خرجت من وزارة الخزانة الأميركية لم تستهدف حزب الله وحده، بل طالت بشكل واضح الرئيس نبيه بري والمؤسسة العسكرية اللبنانية، في توقيت داخلي وإقليمي شديد الحساسية.

فاللافت في هذه العقوبات أنها جاءت مركزة بالكامل على شخصيات تنتمي إلى الطائفة الشيعية أو تدور في فلكها السياسي والمؤسساتي، من نواب وشخصيات قريبة من رئيس مجلس النواب، وصولًا إلى ضباط في الجيش والأمن العام.

وهذا التفصيل بحد ذاته ليس عابرًا، بل يعكس طبيعة المقاربة الأميركية للبنان في المرحلة الحالية، والتي تبدو قائمة على ممارسة ضغط مباشر على البيئة السياسية الشيعية بهدف إعادة رسم موازين القوى الداخلية بما يتناسب مع المشروع الأميركي في المنطقة.

الولايات المتحدة تدرك جيدًا أن المواجهة المباشرة مع حزب الله لم تحقق النتائج التي كانت تتوقعها، لا عسكريًا ولا سياسيًا ولا حتى شعبيًا.

لذلك انتقلت تدريجيًا إلى استراتيجية مختلفة تقوم على تطويق البيئة السياسية المحيطة بالمقاومة ومحاولة إضعاف أي غطاء رسمي أو وطني يشكل عنصر حماية لها داخل مؤسسات الدولة اللبنانية.

ومن هنا تحديدًا يمكن فهم استهداف شخصيات مقربة من الرئيس نبيه بري.

فالرجل، رغم كل التباينات السياسية اللبنانية، بقي على مدى عقود أحد أبرز اللاعبين الذين حافظوا على توازن دقيق بين الدولة والمقاومة، وبين الداخل اللبناني والتعقيدات الإقليمية.

كما أن الأميركيين أنفسهم لم يتوقفوا يومًا عن التواصل معه أو التعامل معه كمرجعية سياسية أساسية في كل المحطات المفصلية، من الاستحقاقات الداخلية إلى ملفات التفاوض غير المباشر المتعلقة بالحدود الجنوبية والتهدئة.

لكن ما يبدو واضحًا اليوم أن واشنطن لم تعد تكتفي بإدارة التوازنات اللبنانية كما في السابق، بل تحاول فرض وقائع سياسية جديدة عبر استخدام سلاح العقوبات بشكل أكثر عدوانية ووضوحًا.

والأهم أن هذه العقوبات لا تأتي دائمًا فقط نتيجة قرار أميركي صرف، بل غالبًا ما تتقاطع مع رغبات وضغوط داخلية لبنانية أيضًا.

فبعض القوى السياسية اللبنانية التي فشلت على مدى سنوات في تعديل موازين القوى الداخلية عبر السياسة أو الانتخابات، باتت ترى في العقوبات الأميركية وسيلة ضغط بديلة يمكن استخدامها لتحسين شروطها السياسية في الداخل.

وهذا ما يجعل العقوبات أكثر خطورة، لأنها تتحول من أداة ضغط خارجية إلى جزء من الاشتباك السياسي اللبناني الداخلي، حيث يسعى بعض الحلفاء المحليين لواشنطن إلى توظيف النفوذ الأميركي ضد خصومهم في الداخل، بدل الاحتكام إلى التوازنات الوطنية الطبيعية.

أما الرسالة الثانية في العقوبات، فهي موجهة إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية، وتحديدًا في توقيت لا يمكن فصله عن توجه وفد من ضباط الجيش اللبناني إلى الولايات المتحدة للمشاركة في المفاوضات داخل البنتاغون.

فالولايات المتحدة التي تقدم نفسها كداعم رئيسي للجيش اللبناني، أرادت من خلال استهداف ضباط في مؤسسات رسمية أن تؤكد أن دعمها ليس منفصلًا عن حساباتها السياسية. بمعنى أوضح، واشنطن تريد مؤسسة عسكرية منسجمة بالكامل مع رؤيتها الأمنية والاستراتيجية في لبنان والمنطقة.

لكن ما يزعج الأميركيين منذ سنوات هو تمسك الجيش اللبناني بسياسة عدم الانخراط في أي مواجهة داخلية مع المقاومة، ورفضه التحول إلى أداة اشتباك تخدم المشاريع الأميركية أو الإسرائيلية تحت أي عنوان.

ومن هنا، فإن العقوبات تحمل رسالة مباشرة إلى قيادة الجيش مفادها أن هامش الاستقلالية الذي تتمتع به المؤسسة العسكرية يجب أن يبقى مضبوطًا ضمن السقف الأميركي، وإلا فإن الضغوط ستطال حتى الضباط والمؤسسات الرسمية.

لكن القراءة الأميركية للبنان غالبًا ما تقع في الخطأ نفسه: الاعتقاد أن الضغوط المالية والعقوبات قادرة على تغيير قناعات القوى السياسية أو دفعها إلى التخلي عن خيارات تعتبرها وجودية.

وهذا تحديدًا ما ينطبق على الرئيس نبيه بري.

فالرجل الذي بدأ حياته السياسية من موقع النضال والعمل المقاوم دفاعًا عن الجنوب ولبنان والطائفة الشيعية، ليس شخصية طارئة يمكن إخضاعها بقرار مالي أو بعقوبات تصدرها وزارة الخزانة الأميركية.

بري الذي واكب مراحل الحرب والاحتلال الإسرائيلي والعدوان والحصار، وتعامل مع أكثر اللحظات اللبنانية تعقيدًا، لا يمكن أن يتراجع أو يبدّل خياراته السياسية خوفًا من عقوبات أو تهديدات.

فالقضية بالنسبة إليه ليست حسابات مصرفية أو علاقات دولية، بل خيار سياسي متصل بقناعته حول حماية لبنان والتوازن الداخلي ودور المقاومة في مواجهة إسرائيل.

ولهذا تبدو العقوبات، في جانب منها، أقرب إلى محاولة استعراض قوة سياسية أكثر منها أداة قادرة فعليًا على تغيير المعادلات.

فالولايات المتحدة قد تنجح في إرباك بعض الشخصيات أو ممارسة ضغوط اقتصادية وإعلامية، لكنها تدرك جيدًا أن شخصيات بحجم نبيه بري لا تُدار بالعقوبات، ولا تتخلى عن تموضعها السياسي تحت الضغط الخارجي، خصوصًا عندما تعتبر أن المسألة مرتبطة بحماية بيئتها ودورها الوطني والسياسي.

الأمر نفسه ينسحب على البيئة الشيعية عمومًا، والتي باتت تنظر إلى العقوبات الأميركية بوصفها استهدافًا سياسيًا جماعيًا أكثر منه إجراءات قانونية أو مالية.

فحين تكون كل الأسماء المستهدفة تقريبًا من لون سياسي وطائفي واحد، يصبح من الصعب إقناع اللبنانيين بأن واشنطن تتحرك وفق معايير إصلاحية أو قانونية بحتة.

وهنا تكمن خطورة السياسة الأميركية الحالية، لأنها بدل أن تفتح المجال أمام الاستقرار والحوار الداخلي، تدفع نحو مزيد من الانقسام والتوتر، وتُكرّس الانطباع بأن الولايات المتحدة تتعامل مع لبنان بمنطق الابتزاز السياسي لا بمنطق الشراكة أو احترام السيادة.

أما الحديث الأميركي المتكرر عن مكافحة الفساد وتمويل الإرهاب، فيفقد الكثير من صدقيته أمام الانتقائية الواضحة في استخدام العقوبات، وأمام تجاهل ملفات فساد وهدر يعرف اللبنانيون جيدًا حجمها وتشعباتها داخل مختلف الطوائف والقوى السياسية.

وفي هذا السياق، يبقى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي (OFAC) أحد أبرز أدوات الضغط التي تستخدمها واشنطن لفرض خياراتها السياسية، عبر توظيف الهيمنة المالية الأميركية في ملاحقة شخصيات ومؤسسات تعتبرها خارجة عن الخط السياسي المطلوب.

لكن في لبنان تحديدًا، لم تعد هذه الأدوات تُقرأ باعتبارها جزءًا من حرب على الفساد أو الإرهاب، بل كوسيلة لإعادة تشكيل الحياة السياسية وفق المصالح الأميركية وحسابات حلفائها المحليين.

في النهاية، تبدو واشنطن اليوم وكأنها تخوض معركة لإعادة ضبط التوازنات اللبنانية بالقوة المالية والسياسية، بعد أن فشلت على مدى سنوات في تحقيق اختراقات حاسمة عبر الضغوط التقليدية.

لكن لبنان، بتعقيداته وتركيبته وتجربته الطويلة مع التدخلات الخارجية، أثبت مرارًا أن العقوبات مهما اشتدت لا تستطيع وحدها صناعة وقائع سياسية جديدة، ولا إخضاع شخصيات أو قوى تعتبر أن خياراتها مرتبطة بقضايا وجودية ووطنية تتجاوز الحسابات المالية والضغوط الدولية.

https://anbaaexpress.ma/fuy9c

داني الامين

صحفي لبناني ومستشار علاقات عامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى