أفريقياتقاريرسياسة
أخر الأخبار

مالي بين الإرهاب والوصاية الإقليمية.. هل أصبحت الجزائر جزءا من الأزمة

إن ما يحدث في مالي اليوم ليس مجرد تمرد مسلح. إنه صراع إقليمي على النفوذ، تستخدم فيه التنظيمات الإرهابية كأدوات ضغط وتفاوض وإعادة تموضع

كريم إدريسي

في تطور خطير يكشف حجم الانهيار الأمني والسياسي الذي يعيشه الساحل الإفريقي، نشر موقع “Africa Intelligence” الفرنسي تقريرا تحت عنوان: “أمام مجلس عسكري يترنح، تحالف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد يحضر للمرحلة الثانية”.

التقرير لم يكن مجرد متابعة أمنية عادية، بل كشف ملامح مشروع كامل لإعادة تشكيل مالي سياسيا وعسكريا، وسط صمت إقليمي ودولي مريب، وتورط غير مباشر لقوى إقليمية تدعي محاربة الإرهاب، بينما تتحرك عمليا داخل المنطقة الرمادية بين الوساطة والتوظيف السياسي للجماعات المسلحة.

بحسب التقرير، فإن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بقيادة الإرهابي إياد أغ غالي، وبالتنسيق مع جبهة تحرير أزواد، لم تعد تكتفي بالعمليات العسكرية التقليدية، بل باتت تشتغل على “مرحلة ما بعد باماكو”، أي إسقاط السلطة الانتقالية الحالية وإقامة نموذج حكم جديد في شمال مالي وربما أبعد من ذلك.

الأخطر من ذلك أن التقرير يتحدث بصراحة عن “الدور الهادئ” للجزائر، أو ما سماه: “الدور الخفي للجزائر”.

فالجزائر، التي تقدم نفسها منذ سنوات كوسيط إقليمي وفاعل في مكافحة الإرهاب، تظهر مرة أخرى في قلب الشبكات السياسية والعسكرية التي تتحكم في المشهد المالي.

التقرير يشير بوضوح إلى أن الجزائر لعبت دور الوسيط بين الروس وبعض المجموعات المسلحة، وسهّلت ترتيبات الانسحاب الروسي من كيدال، كما حافظت على قنوات مفتوحة مع قادة التمرد والطوارق والإسلاميين في آن واحد.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:

كيف يمكن لدولة تقول إنها تحارب الإرهاب أن تبقى في الوقت نفسه نقطة عبور وتنسيق واتصال بين مختلف الفاعلين المسلحين في الساحل؟

الحقيقة التي لم يعد بالإمكان إخفاؤها أن منطقة الساحل تحولت إلى ساحة ابتزاز جيوسياسي، تستخدم فيها الجماعات المسلحة كورقة نفوذ إقليمي.

وما يحدث اليوم في مالي يؤكد أن الإرهاب لم يعد مجرد تهديد أمني، بل أصبح أداة لإعادة هندسة المنطقة والتحكم في توازناتها.

التقرير يؤكد أيضا أن تحالف الجماعات المسلحة أصبح أكثر تنظيما وخطورة من أي وقت مضى، وأن جماعة إياد أغ غالي تسعى هذه المرة إلى بناء سلطة سياسية ودينية طويلة الأمد، مستفيدة من انهيار مؤسسات الدولة، وفشل التحالفات العسكرية، وضعف “تحالف دول الساحل” الذي ظهر عاجزا عن حماية حتى العواصم التي يحكمها.

وفي المقابل، تواصل الجزائر خطابها التقليدي حول “الاستقرار” و”الحلول السياسية”، بينما تتسع رقعة الفوضى على حدودها الجنوبية، وتزداد قوة الجماعات المسلحة التي تتحرك في فضاء جغرافي وأمني لا يمكن أن يستمر دون رعاية أو غضّ طرف من أطراف نافذة.

إن ما يحدث في مالي اليوم ليس مجرد تمرد مسلح. إنه صراع إقليمي على النفوذ، تستخدم فيه التنظيمات الإرهابية كأدوات ضغط وتفاوض وإعادة تموضع.

مالي لا تواجه فقط الإرهاب.. بل تواجه منظومة كاملة تستثمر في الفوضى، وتغذي الانهيار، ثم تتحدث باسم “الوساطة” و”السلام”.

* باحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية – مستشار في المركز المغربي للدراسات الافريقية والتنمية المستدامة 

https://anbaaexpress.ma/6d1ga

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى