آراءمجتمع
أخر الأخبار

بين ذاكرة لا تشيخ وزمن بلا ملامح.. كيف صار جيل الثمانينات شاهداً على برودة العالم

جيل الثمانينات لم يعد ينتمي بالكامل إلى ماضيه، ولا استطاع الاندماج كلياً في حاضره. نحن نقف في منطقة رمادية، نراقب أكثر مما نشارك، ونفهم أكثر مما ننسجم..

أعظم ما نتعب في فهمه هو ما نعرفه منذ البداية” – الشاعر الإيطالي “سيزار بافيز”

كأن جيل الثمانينات لم يكتشف غربته فجأة، بل حملها بصمت منذ البدايات، دون أن يدرك أنها ستتحول مع الوقت إلى هذا الشعور الثقيل بأن الزمن لم يعد يشبهه.

نحن لا نعيش الحاضر كما ينبغي، بل نمر عبره بحذر، كمن يعرف أن شيئاً ما انكسر في العمق، دون أن يستطيع تحديد لحظة الانكسار بدقة.

ليس لأننا فقدنا القدرة على التكيف، بل لأننا ببساطة ننتمي إلى إيقاع آخر، إلى زمن كانت فيه الأشياء تعاش قبل أن تُستهلك.

في مكانٍ ما بين شريط كاسيت قديم وإشعار رقمي لا يتوقف، حدث التحول. لم يكن تدريجياً كما توحي به السرديات المريحة، بل كان قفزة صامتة، نقلتنا من زمن الانتظار إلى زمن الفورية، من معنى يتشكل ببطء إلى معنى يتبدد بسرعة.

هناك، في تفاصيل بسيطة، كانت الحياة تختبر، رسالة تكتب باليد، لقاء ينتظر، صداقة تنمو خارج ضغط الزمن. أما اليوم، فقد صار كل شيء متاحا، إلى درجة فقدان قيمته، حضور كثيف، لكن بلا أثر حقيقي.

لسنا في موقع عداء مع التكنولوجيا، ولا نملك ترف رفضها، لكن المسألة أعمق من مجرد أدوات. لقد تغيرت بنية الإحساس نفسها. لم يعد الحنين ترفا عاطفيا، بل أصبح آلية دفاع نفسية، نحتمي بها من عالم لا يمنح فرصة كافية للفهم أو التأمل.

نحن أبناء مرحلة انتقالية قاسية، نحمل داخلنا نظامين متنافرين، ذاكرة تتشبث بالبطء، وواقع يفرض السرعة. وبين الاثنين، يتآكل الإحساس لا لأنه اختفى، بل لأنه لم يعد يجد المساحة التي كان يتنفس فيها.

هذه المفارقة هي ما يجعلنا نرى الجيل الجديد وكأنه بارد عاطفيا،  بينما الحقيقة أكثر تعقيداً. ليست برودة بقدر ما هي إعادة تشكيل للوجدان تحت ضغط زمن مختلف.

العلاقات اختزلت، اللحظات تسارعت، واللغة نفسها فقدت شيئا من عمقها. العالم اليوم أكثر اتصالا، لكنه أقل قربا، أكثر امتلاءً بالصور، لكنه أقل امتلاء بالمعنى.

نحن لا نحاكم هذا التحول من موقع التفوق، بل من موقع الشاهد الذي يعرف كيف كانت الأشياء تُبنى، ويرى كيف تُستهلك الآن.

جيل الثمانينات لم يعد ينتمي بالكامل إلى ماضيه، ولا استطاع الاندماج كلياً في حاضره. نحن نقف في منطقة رمادية، نراقب أكثر مما نشارك، ونفهم أكثر مما ننسجم.

نحمل وعيا مزدوجا يثقلنا أحيانا، لكنه يمنحنا أيضاً قدرة نادرة على قراءة التحولات بعمق. لسنا أفضل من غيرنا، لكننا أكثر حساسية تجاه ما فقدناه دون أن ننتبه.

ليست المشكلة في الزمن الجديد، بل في الطريقة التي أعاد بها تشكيل وعينا دون أن يمنحنا فرصة التكيف التدريجي.

نحن لا نرفض هذا العالم، لكننا نبحث داخله عن أثر يشبهنا، عن لحظة صادقة وسط هذا الضجيج الرقمي.

وربما، في هذا البحث المستمر، يكمن ما تبقى من إنسانيتنا، أن نواصل التمسك بذلك الخيط الخفي الذي يربطنا بزمن كان أكثر بطئا.. لكنه كان أكثر حياة.

https://anbaaexpress.ma/hdhj2

عبد الحي كريط

باحث وكاتب مغربي، مهتم بالشأن الإسباني، مدير نشر أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى