آراءسياسة
أخر الأخبار

لماذا.. قرر “المنتصرون” وقف الحرب

وفي غياب رواية رسمية صادرة عن إدارة ترامب، تولٓت التسريبات والتحليلات في الصحافة الدولية، ومنها أميركية وإسرائيلية، وبغضّ النظر عن احتمالية هدف إسقاط النظام

علّق الرئيس الأميركي دونالد ترامب هجوما كان معدا على إيران. أصغى إلى زعماء دول في المنطقة. ألغى مغادرته واشنطن. اعتذر عن حضور عرس ابنه. جمع فريقا من إدارته. قالت مصادر إن الوجهة هذه المرة إلى كوبا. قالت مصادر أخرى إنه عائد إلى الحرب على إيران. ظهر أنه ينتظر أخبارا مهمة من إسلام أباد. فماذا جرى ولماذا جرى كل ذلك؟

قبل ساعات من تدافع التسريبات الإعلامية إلى صحافة العالم، وخصوصا الأميركية منها، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعيد ويكرر أن بلاده دمرت “كل شيء” في إيران، لاسيما قواها البحرية والجوية ومنصات الصواريخ والبنى التحتية العسكرية.

في إحدى إطلالاته الأخيرة كرر أيضا مواقف ليست جديدة. قال: “سنحصل على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب الذي لا نحتاجه، وقد ندمره”. بعد ساعات من تلك الساعات أتت أخبار إسلام أباد بغير ذلك.

في أول خطاب لترامب عند بدء الحرب الأخيرة على إيران في 28 شباط الماضي، تحدث عن حساب قديم بين بلاده وإيران. ذكّر بمجزرة ارتكبتها “الجمهورية الإسلامية” عبر أذرعها ضد مقرّ قوات المارينز في بيروت عام 1983.

أوحى أن الحرب تتجاوز هدفها “الفرعي” المتمثل بالقضاء على البرنامج النووي، وأن حربه ستنال من نظام عدو لبلاده. وإذ لم يقل أنه ذاهب لإسقاط النظام، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، شريكه في هذه الحرب (وقيل إنه من جره إليها)، جاهر علنا بهذا الهدف.

وفي غياب رواية رسمية صادرة عن إدارة ترامب، تولٓت التسريبات والتحليلات في الصحافة الدولية، ومنها أميركية وإسرائيلية، وبغضّ النظر عن احتمالية هدف إسقاط النظام، الحديث عن أن للحرب أهدافا ثلاث تطال الملفات التالية:

1-البرنامج النووي.

2-برنامج الصواريخ الباليستية.

3-سياسة إيران المزعزعة للاستقرار، أي علاقة طهران مع أذرع “المحور”.

غير أن تلك الأهداف غادرت مستوى “كلام الجرائد” إلى مستوى رسمي عبر موقف صدر عن “ابن الإدارة” والدولة العميقة وزير الخارجية ماركو روبيو يقول فيه إن منطق معالجة الملف الأول تقود حكما وآليا إلى معالجة الملفين الآخرين.

خلال حوالي 38 يوما من الحرب. تكشفت وقائع الميدان والمؤشرات الاقتصادية (الأميركية خصوصا) والمواقف الدولية والضغوط الإقليمية، وتلك حتى من داخل الولايات المتحدة (الكونغرس والحزب الحمهوري و”ماغا”) عن خارطة تداعيات لم تكن في الحسبان.

بدا أن الطابع الارتجالي الانفعالي للحرب بُنيّ على معطيات وتوقعات مضخمة، كثيرها إسرائيلي، وقام على استشراف متسرّع لنتائج الحرب على إيران سواء في قدرة طهران على استيعاب صدمة الحرب وترتيب صفوف القيادة، أو في غياب تمرد للشارع تمّ على نحو تبسيطي التعويل عليها.

من يراقب أداء ترامب أمكن له أن يستنتج أن الرئيس الأميركي وإدارته أوقفا خلال الأسابيع الأخيرة الحديث عن أهداف الحرب.

سقطت الأهداف المتعلقة بملفي الصواريخ والعلاقة بالأذرع. تولى ترامب بكل فخر وسعادة الوعد بأن إيران لن تمتلك قنبلة نووية، وقال في بعض الأحيان إنه لن يكون مسموحا لها بالتخصيب وأن “المخزون” الشهير سيتم إخراجه من إيران “بطريقة أو بأخرى”. حتى أنه أوحى على نحو هوليودي، إذا لم نقل “هندي”، باحتمال نبش ذلك المخزون من مدافنه في فوردو وغيره والاستيلاء عليه بعملية عسكرية.

شيء ما حصل في بكين. فبعد اسبوع فقط من عودة ترامب من زيارته إلى الصين تحرٌك شيء ما دفع وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى تمديد زيارته إلى طهران. حصل شيء في العاصمة الإيرانية استدرج قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، صديق ترامب الشخصي، إلى زيارة إيران ولقاء قادتها ناقلا رواية أميركية منتزعا تنازلات إيرانية سيعتبرها الرئيس الأميركي كافية، في هذه المرحلة، لإقناع أميركا والعالم أنه حقق انتصارا لم يحققه رئيس أميركي من قبله.

تمتلك إيران، التي تمسك بعنق مضيق هرمز، من الحجج ما يتيح لها والمتبقي من محورها إعلان النصر. انتزعت أن يتم التفاوض حول البرنامج النووي في مرحلة لاحقة على اعلان وقف الحرب ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.

جعلت طهران من ملف المضيق الذي لم يكن ملفا قبل الحرب الملف الأول بعد الحرب. خلا الاتفاق المبدئي من ملفات غير ذلك النووي وجعل للاتفاق 60 يوما قد لا تقدم طهران في آخرها “الأوهام” التي أوحت بها حرب أميركية إسرائيلية بقيت ثنائية لم يقبل “الحلفاء” الانضمام إليها.

لم تنتصر إيران. بقيّ نظامها وفق قرار أميركي ببقائه. أثبتت الحرب قدرة على قتل قادة البلد بقرار والإبقاء على قادة آخرين بقرار. بقيٌ النظام لأن الحرب التي أرادتها واشنطن جوية ليست كافية لإسقاط نظام احتاج في العراق وأفغانستان إلى زحف مئات الألاف من الجنود براً.

بقي النظام لأن مدة الحرب اقتصرت على 38 يوما فيما ذكّر ترامب معارضيه بما استغرقته حروب أميركا في العراق (الأولى والثانية) أفغانستان وفيتنام وكوريا وغيرها قبل ذلك. بقي النظام لأنه استفاد من قرار صبني-روسي يجعل من إسقاطه أمرا مكلفاً.

اختارت واشنطن وطهران بوحي من بكين ودعم عواصم المنطقة وقف الحرب. العالم يريد فتح مضيق هرمز ووقف الضغط على أسعار الطاقة والإفراج عن ممرات الأسمدة وسلاسل التوريد الأخرى.

تحتاج إيران إلى التقاط أنفاسها ووقف كارثة التدمير الموجعة رغم جوف المكابرة. ينهي وقف الحرب جدل الكونغرس، ويمرر ألعاب المونديال واحتفالات الذكرى الـ 250 للولايات المتحدة، ويريح أجواء حملة الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل.

وإذا من دوٌرت العراقيل الصادرة عن واشنطن وطهران زوايا الاتفاق وجعلته قابلا للاستهلاك يتيح لأطرافه الزعم بالانتصار، فإن مهلة الـ 60 يوما تنتهي في الأسبوع الأخير من تموز المقبل، ولا شيء يمنع الطرفان من تمديد آخر يؤجل إلى موعد مناسب عودة واشنطن للحرب وعودة طهران للقبض على المضيق.

https://anbaaexpress.ma/so8wm

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى