آراءسياسة
أخر الأخبار

لا بديل.. عن حقائق الجغرافيا والديموجرافيا والتاريخ

مصر ومعها المغرب استثناء رغم تعرضهما للاستعمار، فكرة الدولة في مصر ولدت مع ميلاد التاريخ البشري، فكرة الشرعية في المغرب مستقرة منذ قرون طويلة

من السهل أن يحصل أي كيان سياسي على لقب “دولة” بمجرد الحصول على الاعتراف من الأمم المتحدة، لكن الأمم المتحدة ذاتها غير مضمونة البقاء، فليست أكثر من أداة ابتكرها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية؛ ليتمكنوا بها وبغيرها من الأدوات من ضبط عالم ما بعد الحرب، والتحكم فيه والسيطرة عليه وضمان توجيهه كيف يشاؤون.

معنى ذلك، أن النظام الدولي الذي تمثله الأمم المتحدة وارد أن تصحو البشرية ذات يوم قريب، أو بعيد لتجدها قد زالت وبادت مثلما سبق أن انهارت عصبة الأمم.

معنى ذلك، أن ما يعطي أي دولة معنى الدولة ليس الاعتراف من هيئة دولية وليس عضوية تلك الهيئة وليس تبادل التمثيل الدبلوماسي مع باقي دول العالم، كل ذلك مجرد أشكال وليست مضامين، كل ذلك من نواتج وتوابع وجود الدولة على وجه الحقيقة، ومستحيل أن تكون الدولة من نواتج وتوابع تلك الأشكال القانونية والدبلوماسية.

الدولة حقيقة سابقة على الاعتراف الرسمي بها. الدولة هي من تُنشئ الاعتراف، وليس الاعتراف هو من يُنشئ الدولة. ما يُنشئ الدولة منذ الأزل، وما يحفظ بقاء الدولة إلى الأبد هو الحقائق الصلبة الثلاث: الجغرافيا، الديموجرافيا، التاريخ.

وهنا تكمن محنة الكثير من الدول العربية: بعضها نشأ بقرار دولي بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة العثمانية، وبعضها نشأ بقرار دولي بعد الحرب العالمية الثانية وتصفية الاستعمار بقرارات من الأمم المتحدة، وبعضها نشأ بقرار بريطاني بعد إعلان بريطانيا الانسحاب من شرق السويس.

مصر ومعها المغرب استثناء رغم تعرضهما للاستعمار، فكرة الدولة في مصر ولدت مع ميلاد التاريخ البشري، فكرة الشرعية في المغرب مستقرة منذ قرون طويلة، وهي الاستثناء العربي الوحيد الذي لم يخضع للعثمانيين. بعدهما تونس التي سبقت غيرها إلى الحداثة منذ القرن التاسع عشر وتشكلت فيها مؤسسات ونخب وبيروقراطية حديثة.

لهذا تجاوزت المغرب اضطرابات الربيع العربي بذكاء ودون أدنى أضرار. وخرجت منها مصر كما هي دولة مركزية طغيانية موحدة قادرة على بسط سلطانها على كامل ترابها وكامل شعبها. بينما تفككت العديد من الدول بضربة مفك واحدة: العراق، ليبيا، اليمن، السودان، سورية.

ومن يضمن بقاء الأردن هو من صنع الأردن من العدم، ولولا هذا الضمان لكانت الأردن الآن تذوق الشقاء الذي تذوقه فلسطين، ثم سورية ثم لبنان أي الشام كله.

أما في الجزيرة العربية والخليج، فإن سلطنة عُمان هي وريث إمبراطورية عظيمة، سعت بريطانيا عند منتصف القرن التاسع عشر لإضعافها ثم تفكيكها ثم تقسيمها، وقد تعرضت للغزو الفارسي ثم تحررت والتأمت- بعد حروب أهلية- على ما نراها عليه الآن، وهي ذات جغرافيا وذات ديموجرافيا وذات تاريخ وذات ثقافة، ولها مثلما لأهلها سمت خاص في الشكل والمضمون، فهي استثناء حتى بين باقي دول وشعوب الخليج، وهي تدرك هذا الاستثناء، وتستثمر فيه، وتؤكد ذاتها كدولة ومجتمع ومذهب خُلَقت للبقاء.

اليمن شمالها وجنوبها حضارة وثقافة ودولة وأمة عريقة، لكن نصيبها من الجغرافيا- مثل نصيب أفغانستان- جعلها مطمعاً للغريب والقريب وللعابر والمُقيم، ضربها مفك الربيع العربي بقوة فوق رأسها، فتفككت ويحرص جوارها الخليجي على ألا تخرج من محنتها أبداً. تبقى دول الخليج: السعودية ثم الكويت ثم الإمارات ثم قطر ثم البحرين.

1ــ السعودية: من حيث الجغرافيا قارة، سكانها أقل من التناسب مع مساحتها، لكن المشكلة ليست في العدد فقط، إنما هي- بالدرجة الأولى في حداثة تجربة الاندماج الوطني تحت راية واحدة وحكم موحد ودولة لم تكمل- بعد- المائة عام الأولى من عمرها، فهناك نجد في الوسط وهي ثقافة مميزة، ثم الحجاز في الغرب وهو ثقافة مختلفة، ثم الجنوب، وهو ذو روح يمانية أكثر منها سعودية، ثم الشرق وهو للتشيع أقرب منه إلى مذاهب السنة.

ثم هناك مشكلة النظام السياسي، حيث لم تنحسم بعد آلية انتقال السلطة، فهي- فعلياً- مازالت في يد أبناء الملك المؤسس، وهو الملك سلمان بن عبد العزيز، فهو الحاكم الرسمي حتى لو كان الحاكم الفعلي هو نجله الأمير محمد بن سلمان، وهذا معناه، أن السلطة ما زالت مكانها الذي تراوح فيه منذ وفاة الملك المؤسس 1953، أي حقبة الأبناء ما زالت قائمة، وأن حقبة الأحفاد لم تبدأ بعد بصفة رسمية، ولن تتأكد بدايتها إلا إذا استقرت مقاليد السلطة كاملةً رسمياً وفعلياً في يد الأمير محمد بن سلمان؛ ليكون الملك محمد بن سلمان على وجه القطع واليقين، بدون ذلك سوف تظل السعودية رهينة قلق كامن غير معروف مصيره ومسيره.

2ــ الكويت والإمارات وقطر والبحرين: معضلة مثالية لعجز الجغرافيا ونقص الديموجرافيا وهشاشة التاريخ. الأربعة محل طمع ظاهر وباطن من كل الجوار، طمع عراقي، طمع سعودي، طمع إيراني.

تدرك الدول الأربع أنها تفر من مخلب إلى مخلب ومن طامع إلى طامع. تدرك أن السياسة- في جوهرها- هي غرائز القوة المحضة إذا صادفتها الفرصة السانحة. تدرك الدول الأربع، أن مبادئ الأخوة الخليجية أو العربية أو الإسلامية أو الإنسانية كلها كلام من حبر على ورق، من الوارد أن تمحوه غرائز القوة، إذا صادفت فرصة مناسبة للغزو أو الضم تحت أي مبرر من المبررات.

هذه الدول الأربع حاربت إيران خلف العراق قريباً من عشر سنوات. ثم تعرضت إحداها لغزو عراقي كامل. فأدركت جميعُها، أن الخطر عليها سواء بلا فرق بين خطر عربي وخطر فارسي.

كان هذه الإدراك وراء الانقلاب في سياسة الإمارات التي اجتهدت في ثلاثين عاماً؛ لتكون قوة إقليمية ذات مبادرة، تضع يدها في كافة ملفات الإقليم الشريرة منها قبل الخيرة، تحولت الإمارات إلى قوة مكيافيللية محضة، تمارس السياسة بكل املاءات وغرائز العصور الوسيطة سواء في السر والخفاء أو في الظهور والعلن.

الإمارات بدأت تحصد قطيعة بائنة مع الرأي العام العربي الذي ينظر إلى سياساتها الإقليمية بالإدانة والاستنكار. ولو أرادت تحسين صورتها- من جديد- لدى الرأي العام العربي، فإنها سوف تبذل جهدا خارقا، حتى تزيل ما علق بصورتها من شكوك واتهامات.

الدول الأربع جربت كل شيء: الحماية البريطانية، الحماية الأمريكية، الحماية متعددة المصادر. لكن مع بقاء المعضلات الثلاث: الجغرافيا والديموجرافيا والتاريخ، فسوف تبقى المشكلة قائمة، سوف يظل الأمن مفقوداً، سوف يظل البقاء هاجساً، سوف تظل الدولة الخليجية مشكلة سواء لنفسها أو للإقليم أو العالم.

https://anbaaexpress.ma/w872o

أنور الهواري

صحافي وكاتب مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى